“الباستيل الصغير” رواية ترصد مأساة الكرد عبر زنزانات الخوف الجماعيّ

عن منشورات رامينا في لندن، صدرت حديثاً رواية “الباستيل الصغير” للكاتب الكردي السوري عبد القادر سعيد، في عمل سرديّ يمزج بين التخييل الروائي والتوثيق التاريخي، حيث يغوص في أعماق التجربة الكردية مع القمع، السجون، والخذلان الوطني، عبر بناء سردي محكم يذكّر بسجون الباستيل الفرنسية، لكن بلغة محلية تنبض بالألم السوري والكردي.

تتناول الرواية، الصادرة في طبعتها الأولى لعام 2025، بترجمة ياسين حسين، قصص معتقلين كرد في زنزانة تُلقّب بـ”الباستيل الصغير”، وهو سجن تحوّل إلى مسرح للصراع بين الإرادة الفردية والجدران الحديدية. الرواية تستلهم عوالمها من وقائع تاريخية وتفاصيل معيشة واقعية، لكنّها تُلبسها لبوس التأمل والرمزية، وتجعل من الزنزانة فضاءً وجودياً لاختبار مفاهيم العدالة والهوية والصمت والمقاومة.

يُعدّ “متحف الأمن الأحمر”، الذي كان يوماً مركزاً للتعذيب والسجن في مدينة السليمانيّة، جزءاً حيّاً من الذاكرة الكرديّة الجماعيّة، حيث يستحضر آلام الماضي ويرسم ملامح المستقبل. يوازي هذا المكان، في رمزيّته، سجن “الباستيل” الفرنسيّ الذي تحوّل إلى أيقونة للثورة والتغيير. خلال الحقبة التي حُوِّل فيها إلى سجن للمعتقلين السياسيّين في عهد نظام صدام حسين، مثّل المبنى مسرحاً لفصول قاسية من القهر والإرهاب المنظّم، لكنه استحال لاحقاً إلى متحفٍ وطنيّ بعد تحريره عام 1991، ليحكي بصوره وأدواته ووثائقه حكايات المعذّبين الذين مرّوا بين جدرانه.

في رواية “الباستيل الصغير”، يفتح عبد القادر سعيد نافذة على زوايا الألم التي تتشابه مع أجواء “متحف الأمن الأحمر”، مسلّطاً الضوء على تفاصيل التجربة الإنسانيّة في وجه القهر. يتجاوز النصُّ التوثيقَ المباشر ليغوص في النفس الإنسانيّة التي تحمل أعباء الظلم، محاولاً التقاط لحظات التمرّد الداخليّ والتحوّل النفسيّ لدى السجناء الذين يخوضون صراعاً شاقّاً بين مشاعر الانتقام والتمسّك بإنسانيّتهم.

تجسّد الرواية شخصيّات مثل “سورين”، حيث يتحوّل من فردٍ مسحوقٍ تحت وطأة السجن إلى رمزٍ للتوثيق والمقاومة. يصارع القهر بالتشبّث بالذاكرة، ويحوّل السجن من مكان للاضطهاد إلى معقلٍ يحفظ أصوات الضحايا وحقائقهم. على المستوى الجمعيّ، تظهر الرواية الانتفاضة كحالة كونيّة شاملة، تمتدّ جذورها إلى تضامن الجموع وكسر جدران الخوف، لتغدو رمزاً لثورة تاريخيّة تتحدّى قيود المكان والزمان.

بين “متحف الأمن الأحمر” ورواية “الباستيل الصغير”، تتجلّى الذاكرة المكانيّة كعنصر جوهريّ في استحضار الحقيقة والوعي الجماعيّ لتصبح أداة للتحرير من التشوّه أو النسيان. بهذا، تصبح الأماكن التي شهدت القمع شاهدةً حيّة على تجاوز المِحن، ومرآة تعكس الأمل في بناء مستقبل أكثر عدلاً وإنسانيّة، وتؤكّد أنّه لا يمكن لجدران القمع أن تحجب ضوء الحرّيّة، كما لا يمكن لزوايا الظلم أن تُخفي أصوات الذين قاوموا بأرواحهم، وظلّوا شهوداً على أنّ العدالة لا تموت، وإن طال الانتظار.

يكتب عبد القادر سعيد روايته بلغة مكثفة، رشيقة، لا تخلو من الشعرية السوداء، ويختار أن يعيد تعريف “السجن” بوصفه استعارة لواقع سياسيّ أوسع من الزنزانة، وأضيق من الحلم. وهو لا يسقط في فخ الخطابية، إنّما يعاين العنف من داخله، ويؤنسنه عبر مصائر فردية متشظية، تراه يكتب عن السجن، وعمّا بعده؛ عن الذاكرة التي تأبى أن تمحى، عن الذين خرجوا من الزنازين دون أن يتحرروا من وجعها، وعن أولئك الذين ماتوا دون أن يُكتب لهم أن يُعرفوا.

تعريفٌ بالمؤلّف:

عبدالقادر سعيد: كاتبٌ وروائيٌّ كرديٌّ من السليمانية في كردستان العراق، له خمس رواياتٍ وأكثر من عشرة دواوين شعريّةٍ. وله كتابات في العديد من الدوريّات والصحف الكرديّة، تُرجمت أعماله إلى اللغات العربيّة والفارسيّة والألمانيّة والإنكليزيّة. صدر له عن منشورات رامينا “البنادق الصدئة” ٢٠٢٣، و”حلبجة ورائحة التفّاح” ٢٠٢٤ بترجمة ياسين حسين.

تعريف بالمترجم:

ياسين حسين: شاعرٌ ومترجم كرديٌّ من مدينة عامودا. يعمل كمديرٍ لقسم الطباعة والأبحاث في معهد التراث الكرديّ منذ عام 2010. وقام بمراجعة عشرات الكتب فيها.  له العديد من المؤلّفات الشعريّة والسرديّة إضافةً إلى عشرات الترجمات بين العربيّة والكرديّة. ونشرت كتاباته في الصحف الكرديّة والعربيّة والمواقع الالكترونيّة في سوريا وخارجها.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.

من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن…

عامر عثمان ” إيفان “

لَنْ تَكُونَ المَدِينَةُ فَاضِلَة

وَلَنْ يُرَتَّبَ الزَّمَنُ حَيْثُ نَكُون

أَضْحَتْ كُلُّ الوجُوهِ رسُومَاً دُونَ تَفَاصِيل

أَمَا آنَ للموَازين أَنْ تَرَتِّبَ العَدَالَة العَاقِر ؟

فَلا كِيميَاء كَمَا نَقَاء إِيمَان السَّمَاء

العِلْويّ الرَّزين

أَبَدَاً . . .

لا كِيميَاء . . .

 

عبد الستار نورعلي
في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
“هيتَ لكْ”!
أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،
دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..
لم أجدْ..
،”فصلَ الخطابِ”؛
حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،
لكنَّ “مصباحَ ديوجينوسَ”
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،
فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،
وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….

(الخميس 30 نيسان 2026)

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…