حديث النفس التي تخزها إبَرُ الشعر

فراس حج محمد| فلسطين

صادف يوم الجمعة (29/11/2024) ما سمي تضليلا اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، تلك المناسبة الكذبة الكبيرة التي ما زلنا نصدقها، مدارسنا احتفلت بها يوم الخميس حتى لا تفوتها هذه النكتة/ المناسبة؛ كونه اليوم الذي يسبق المناسبة، وما بعده يومان عطلة، كأنها ترقص على الوجع غباء في غباء، فكيف يمكن لشعب أن يرقص وهو مذبوح من الألم، رحم الله إبراهيم طوقان، لقد قفزت إلى الذهن رائعته “الحبشيّ الذبيح” بمطلعها المناسب جدا لمأساتنا في الغباء الوطني: “برقت له مسنونة تتلهبُ، أمضى من القدر المتاح وأغلبُ”.

إنه لأمر عجبٌ عجاب، فكيف تتضامن معنا الأمم المتحدة وهي التي سمحت باحتلالنا، وبقتلنا، وتشريدنا، وشيطنة مقاومتنا، وإرهابنا، وترهيبنا، (جعلتنا إرهابيين)، وتدفعنا بكل ما أوتيت من قوة وجبروت للقبول بالاحتلال وضمان استمراره، والتعامل معه، وخدمته، وأمدته بكل أسباب القوة المادية والسياسية، وبالمقابل جردتنا من كل سلاح يمكن لنا أن ندافع فيه عن أنفسنا. فأين يكمن مفهوم التضامن يا أمم متحدة؟

إضافة إلى ما كان قبل هذا اليوم؛ يوم التضامن، بيومين، حيث إنجاز الهدنة ووقف الحرب مع لبنان، وما تبجّح به قادة مجرمون من العدو بأنّ غزة أصبحت وحيدة، لازمة تكررت عشرات المرات في إعلامهم. كل ذلك دفع بي، ومعي كثيرون، إلى هذه المنطقة من الوحدة والشعور باليتم السياسي. والابتعاد عن متابعة الأخبار، بل لعن العالم وشتمه بأقذع الألفاظ الممكنة في قاموسي الشخصي.

بهذه الأجواء المتأرجحة بين اليأس والغضب، كتبت نصا بعنوان “الترنيمة الباقية في العتبة الآخرة”، وقد بدأ النص بالتخلق مع الزيارات المكوكية المكثفة لآموس هوكشتاين، للبنان والكيان الغاصب، وتوالي الحديث عن قرب إبرام اتفاق لوقف الحرب. كنت أتابع بقلق وخوف وتوقع لتركنا نحن الفلسطينيين في الساحة وحدنا.

ومن طريف ما جاءني تعليقا على النص وقد أرسلته للنشر، رسالة من الدكتور أحمد رفيق عوض، تمتزج بها الفكاهة بالمرارة إلى حد السخرية الغاضبة. ورد في النص هذه الجملة “ويجرّبون جنون أسلحة “تغازل” قدك”. وعزلت تغازل بين علامتي تنصيص، لفتاً للانتباه؛ أنها نوع من المراوغة أو التورية، أو حتى السخرية السوداء. هذه الجملة لم تعجب د. أحمد فبعث رسالته هذه: “صباح الورد يا صديقي، قصيدة قوية بموضوعها ولموضوعها أيضا، بس بلاش (تغازل قدك)، خليها تنسف جسمك، تطحن عظمك، تسوي وضعك” وأتبع هذه الرسالة بضحكة وتحية. إنها ضحكة مقهورة لا شكّ.

هذه الرسالة عندما قرأتها للمرة الأولى ضحكت كثيرا، ولا أدري لماذا أضحك من جملة غاية في دقة الوصف المؤلم، لحالة أقل ما يقال فيها إنها غاية التراجيديا المعاصرة، وتخيلت الصديق أبا ضرار وهو يقولها لي وأرى ملامح وجهه التي تصطرع فيها ملامح المحبة والمودة مع ملامح الغضب مما يجري. عندما يغضب الدكتور أحمد وينفعل، تأخذ كلماته شكل منقار حاد تنقر بعنف على جهازنا العصبيّ فتنبهنا إلى خطورة ما يحدث!

حقيقة لا أفكر شعريا هذه الأيام فقد أفقدتني الحرب متعة كتابة الشعر وقراءته، وزاد وغطى على الشعر عندي أنه أصبح ذا مساحة محدودة محكومة بالانفعال، إن تجمّلنا فيه وتزخرفنا وابتعدنا عن المباشرة واستخدمنا “اللغة الأرجوانية” كأننا دخلنا في الشعور البرجوازي وأخذنا نبتعد عن الحرب الواضحة القاتلة، وإذا قلنا الكلام مباشرا وقعنا في التسطيح والمباشرة. الحرب أحيانا تقتل الشعر فعلاً. هل يجب علينا فقط قراءة ما كُتب من شعر “في وصف حالتنا” التي لم تتغير منذ زمن، وتزداد سوءا على سوء يومياً، وكأنه ينطبق عليها المثل الشعبي: “من يوم ما خلقت يا زبيبة، وفي ….. هالعود”.

عندما أنجزت كتابة النص بعد كثير من التفرس فيه، وإعادة قراءته مراراً، وما أصابه من تعديل؛ حذفاً وإضافة، وقبل أن أبعثه للنشر، فكرت بأنه غير صالح للقراءة، ومن الضروري ألّا يطلع عليه أحد، لم أكن مرتاحا تماما لنشره. أشعر إلى الآن بالانقباض تجاهه، لا أستطيع تخمين سبب مقنع لهذا الإحساس.

بعد أن كتبت مراجعتيّ الأولى والثانية عن كتاب صبحي حديدي “مستقرّ محمود درويش- الملحمة الغنائية وإلحاح التاريخ”، ورأيت سيطرة درويش الإبداعية بما يشبه المتلازمة، كان لزاما عليّ أن أقتل درويش وصبحي حديدي وأترابهما، لأستطيع أن أقرأ شعرا وأن أكتبه وأحلله نقدياً عند الشعراء الآخرين. فالشعراء يناضلون جماليا أيضا، وقد يصابون بالإحباط، كما هي حالتي منذ كتبت النص وإلى الآن، وفي كل وقت أرى هذا النص منشورا في موقع ما.

لكن لا بد من الاستمرار في المعركة الجمالية، إنما لا يُقتل درويش بمثل هذا النص الذي يمثل موقفا سياسيا ذا بعدين محلي- قومي وعالمي، إنما ثمة شيء غامض جعلني أنحاز لنشره وأعمل بمقتضى الحديث الشريف “وإذا تطيرت فامض”، فمضيت. لكنّ شوكته إلى الآن ما زالت تعذّبني…

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…

محمود أوسو

 
يا وطناً كانت خرائطه ألواناً
صارت دماً على أطراف القلم
يا شاماً كانت بيوتها مواويل
صارت صدىً لصرخةٍ لم تُفهم
 
من حلب إلى الحسكة،
من جبل العرب إلى القامشلو
الرصاص يلبس أسماء الله
والحقد يرتدي عباءةً ضيقة
ويقول: هذا ديني، وهذه سنتي
 
يقتلون المسيحي لأنه يحمل صليباً صغيراً
والعلوي لأن اسمه في سجلّ قديم
والدرزي لأن جبلَه لا ينحني
والكردي لأن لغته وجعٌ آخر
وفي دير الزور،…

محي الدين حاجي

ابني العزيز……..

أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.

أبي……..

أنا…