آلاء عامر تكشف الوجه القاتم لإسطنبول في “جريمتان في إسطنبول”

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي وجدت نفسها بين أمرين: أن تظل لا مرئية ومهزومة كما أراد لها واقع اللجوء، أو أن تتورّط في قتل رجل منكسر اسمه “أصلان بيه”، اختار الموت على يديها وعلى يد “فاطمة هانم”، صاحبة مشغل الخياطة.

تدور أحداث الرواية في قلب إسطنبول، بين مشغل صغير وحيّ شعبي، مروراً بجسر البوسفور الذي يفصل القارتين، وصولاً إلى مياه البحر التي تختزن الجثة والسرّ معاً. وتُروى القصة بصوت نسويّ متوتّر وعميق، يحاول استيعاب المفارقات القاسية بين الوطن والمنفى، بين الحياة والموت، بين القوة والعجز، عبر شخصية ياسمين، المدرّسة السابقة التي وجدت نفسها لاجئة عاملة في الخياطة، تشهد انهيار أحد الرجال الذين كانت تراهم أقوياء.

تبتعد الرواية عن التقاليد الكلاسيكية للجريمة البوليسية، وتقترب من “جريمة الوعي”. فـ”أصلان بيه”، الذي ينهار أمام أعين الشخصيات، ليس ضحية قاتلٍ محترف، بل ضحية حزنه الشخصيّ، وحبّه المفرط لابنته التي ماتت بعد صراع مع المرض. حينها تتحوّل الجريمة إلى طقس “فلسفيّ” يمسّ جدوى العيش ومفهوم الخلاص والذنب.

فاطمة، صاحبة المشغل، التي عانت فقد أخيها ووالدتها، تتقاطع مع أصلان في رغبة دفينة بإنهاء المعاناة، من دون عنف مباشر. بينما ياسمين، البطلة، تعيش الصراع الأخلاقيّ بين ألا تكون قاتلة وأن تتحرّر من شعورها المزمن بالضعف، فـ”تقتل لتنجو”.

تشكّل إسطنبول في الرواية أكثر من خلفية، فهي شخصية روائية قائمة بذاتها. مدينة مشطورة بين قارّتين، بين حداثة مائعة وتراث مشحون. تحضر بصفتها الفاصلة في مسيرة اللاجئة السورية، وفي صراع فاطمة مع ماضيها، وفي ارتباك أصلان الذي لم يجد موطئ قدم له في أيٍّ من العالمَين.

تكتب آلاء عامر المدينة كما يراها اللاجئ من حافّة الحياة، لا كما يُسوّق لها في الكتب السياحية، فتبدو إسطنبول في الرواية مزيجاً من البهاء والانكسار، من الرقيّ والوحشية، من الحضن المفتوح والباب المغلق.

مما جاء على غلاف الرواية:

ياسمين، اللاجئة السورية التي تحاول إعادة تعريف ذاتها بعد أن وجدت نفسها في مدينة لا تقلّ صخباً عن الاضطراب الذي يسكنها. من خلال بوحها المدوّي، يتكشّف للقارئ عالمان: الأوّل حافل بذكريات الوطن والحرب، والثاني مليء بصراعات الاغتراب والهويّة. وهنا يجد أنّ الرواية ليست عن “جريمتين” فقط، بل عن جريمة صامتة يومية مستمرّة؛ جريمة تغييب الذات وتآكل الإنسان في صراعه مع الواقع.

تتماهى “جريمتان في إسطنبول” لآلاء عامر مع مدينة إسطنبول، تلك المدينة التي تحمل تاريخاً متناقضاً ومكانةً فريدة، إذ تشكّل ملتقى قارّتين وروحاً تسكن بين شرقٍ ماضوي وغربٍ حداثي. وتظهر بوصفها حاضنة للتناقضات: بحر البوسفور كجرحٍ يفصل قارّتين، والجسور كأطياف تصل بين أزمنة وأمكنة مختلفة. هذه المدينة، بمعمارها المعقد، تكشف عن هشاشة سكانها الذين يحاولون بناء قصصهم فوق أطلال ماضيهم.

تحفر الرواية في مفهوم الذاكرة الفرديّة والجماعيّة، حيث تتحوّل ذكريات البطلة إلى عبء ثقيل، يدفعها نحو الهروب والمواجهة في آن. هذه الذاكرة هي فعل مقاومة ضدّ محو الذات والآخر.

الجرائم في الرواية انعكاس للظلم الاجتماعيّ والاضطراب الإنسانيّ. الجريمة الأولى، التي تتجلّى في مقتل أصلان بيه، تحمل طابعاً وجوديّاً، إذ تُمثّل انهيار الإنسان تحت وطأة فقدانه. أمّا الجريمة الثانية، فهي جريمة اللامبالاة التي يمارسها الجميع؛ المجتمع الذي يلتهم أفراده، والأنظمة التي تهمّش اللاجئين، والأفراد الذين يصمتون.

“جريمتان في إسطنبول” ليست رواية عن الجرائم بحدّ ذاتها، بل عن التواطؤ المستتر مع واقع مكسور. تشعر كقارئ بأنّ الرواية تثير لديك أسئلة أكثر مما تقدّم لك إجابات، وتتركك تتساءل: هل نحن مجرّد شهود على الجرائم، أم أنّنا شركاء فيها بطريقة أو بأخرى؟

تعريف بالمؤلفة

آلاء عامر، كاتبة وإعلامية وصانعة أفلام سوريّة مقيمة في إسطنبول، حاصلة على بكالوريوس في الصحافة والإعلام من جامعة دمشق عام2010 . متخصّصة في تقديم وإعداد البرامج التلفزيونيّة والإذاعيّة، وصناعة الأفلام. فازت بجائزة “أفضل سلسلة وثائقية” في مهرجان كان السينمائيّ عام ٢٠٢٣ عن فيلم “أماني خلف الخطوط”. كتبت وأخرجت أفلاماً قصيرة وسيناريوهات عُرضت في مناسبات دولية. تصف آلاء عامر نفسها بقولها: “أتقن فنّ سرد القصص، وأروي حكايات النساء بكلّ ما أملك من أدوات، بدءاً من القلم، مروراً بالكاميرا، وليس انتهاءً بالميكروفون”.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…