دموع أبي ..!

هيثم هورو 

 

-1-

سهل الجامع إنه ذلك السهل الجميل والواسع الذي يمتد أمام قريتي وعلى مد النظر يصل إلى صدر جبل بلال الحبشي الشهير والملاصق بسلسلة من الجبال لتصل بالجبل القمة الكبرى والقمة الصغرى وكما تحتضن هذا السهل حقل جدي المزروع بالقمح .

كان أبي شاباً أعزباً شارك معه مجموعة من الشبان والشابات من القرية للبدء بالحصاد اليدوي الذي كان يستغرق قرابة شهر وأكثر وتليه تتم فرم أكوام السنابل المنصوبة هنا وهناك بآلة( جرجار ) النورج التي تجرها الحصان، رغم بساطتها كانت تسعد قلوب الصغار والكبار الذين يجلسون على مقعد القيادة، وبعد ذلك تجري عملية فصل حبوب القمح عن باقي أجزاء السنبلة عن طريق نثرها في الهواء بأداء الشاعوب، لتتدخل نسمات تلك الطبيعة الخلابة والنقية في هذا الكد، ومن ثم نقلها إلى المنزل، وإفراغها في العنابر الملونة التي كانت موجودة بصدر كل بيت في القرية لتخزين المونة وكما كانت تستخدم هذه العنابر لتصفيف وترتيب المفارش واللحف عليها، وأما الوسائد كانت مطرزة بنقوش ورسومات زاهية الألوان، صنعتها أنامل النساء والفتيات اللواتي على وشك الزواج، وهي من العادات والتقاليد التراثية في المنطقة إن هذا الكم الهائل من المفارش تعني لهم الكثير جداً، لم تكن للزينة فحسب بل كانت خير دليل على أنهم شعبٌ مضياف يحبون واجب إكرام الضيف والسهر على راحته ولا سيما في المناسبات السعيدة كالأعراس التي كانت تستغرق لأيام معدودة بالمبيت مع الطعام والشراب، والأروع من ذلك روح المشاركة بين أهل القرية في توزيع ضيوف صاحب العرس فيما بينهم لتخفيف العبء عنه، وهذا الطابع كان سائداً في جميع قرى مدينة عفرين المفعمة بالتعاون والمحبة والألفة .

-2-

عند قدوم فصل الخريف تأتي موسم الثاني لجني ثمار الزيتون التي تشتهر بها مدينة عفرين، ومصدر رزقهم الرئيسي، وعملها شاق جداً لكن تعاون أهل القرية فيما بينهم يجعل العمل سهلاً ورائعاً، بشكل متناوب ودوري بالتعامل مع تلك الشجرة المقدسة والمباركة بكل رفق وحنان، حيث تتم يدوياً حبة حبة كسحب المسبحة. 

أما فصل الشتاء عندما تهطل الأمطار والثلوج تلجأ أهل القرية إلى فترة الراحة والجلوس حول الموقد الحجري المبني في جدار الغرفة الكبيرة المرتكزة على قنطرتين، والمدعم بعامود في الوسط، وتتسع لجميع أفراد الأسرة ويقوم الأب أو الجد أو أحد الزائرين يروي لهم قصصاً مشوقة من قديم الزمان، ونظراً لطول القصة يقوم الراوي بتقسيمها إلى أجزاء، ثم يعود في الليلة التي تليها في متابعتها، ويتناولون من خلالها الزبيب والتين الجاف وشوي حبات البلوط، وهي بمثابة فاكهة الشتاء اللذيذة في جو من المرح والدفء على ألحان زفير نار الحطب يقضون لياليهم الشتائية. 

قرر جدي في ذلك الحين أن يخطب لأبي فتاة من قرية مجاورة لقريته تربطه صلة القربى، وتم قبول الطرفين على مهر زهيد، ومن ثم جرت حفلة الخطوبة في جو ساده الزغاريد والرقص على الأغاني التراثية الجميلة التي يتقنها معظم النساء الكبيرات في السن، كانت عادات وتقاليد ذلك الزمن تمنع جلوس الخطيب إلى جوار خطيبته لأسباب الحياء والخجل الشديد كما يدعون .

بعد فترة قصيرة جرت حفلة العرس، وتزوج أبي بنفس الغرفة التي تسكنها أسرة جدي، فقامت جدتي في حينها بنصب ساتراً من السجاد في إحدى زوايا الغرفة الكبيرة على شكل خيمة صغيرة .

عاش أبي قرابة سنة في تلك الخيمة التي أنجبتني أمي فيها، وضاقت بهما حياة القرية نتيجة الفقر المدقع مما اضطرا لتركها والهجرة إلى مدينة حلب، واستقر بهم المطاف في حي جبل السيدة، وهناك تحسن أحوال أبي بعد أن توظف في دائرة حكومية، ومرت خمسة وثلاثون عاماً، أحيل أبي إلى التقاعد وتزوج أولاده وصار لأبي أحفاد .

-3-

اندلعت الحرب في مدينة حلب، مما اضطررنا للهروب إلى مدينة عفرين لنا بيت هناك ومكثنا فيه ريثما تهدأ الأجواء من القذائف، ظناً منا أسابيع وتنتهي الأزمة لكن خاب ظننا، وبعد مضي عدة أشهر ذهب أخي الأصغر إلى مدينة حلب ليتفقد منزله، وأما أنا ذهبت لإصلاح سيارتي المعطلة في المدينة الصناعية، وأبي هو الآخر خرج إلى مكتب المحاسبة ليتقاضى راتبه التقاعدي، وفي هذه الأثناء قامت كنات أبي المقيمات لديه في نفس المنزل بالخروج لإفساح أطفالهن بين البساتين وكروم الزيتون، وفي الطريق مروا أمام دكان لشراء بعض الأطعمة والعصائر للأطفال الصغار، ثم اردفت إحدى الكنات للأخرى هل نتابع مسيرنا نحو سكة القطار، الذي كان يمر وسط القرية أم نعود أدرجنا إلى البيت أجابت الكنة الثانية دعينا نكمل طريقنا فما زال لدينا متسع من الوقت، حقاً اتجهوا صوب سكة القطار التي تعود تاريخه إلى عام 1911 والأطفال يسرحون ويمرحون على الرصيف، وهم يتناولون المأكولات، وكأن ملائكة السماء وجه بوصلتهم نحو الإتجاه الصحيح، والأكثر أماناً في إبعادهم عن خطر قادم،حيث خيمت السماء بظل فجائي فنظر الأطفال نحو السماء جماعياً، واندهشوا بوجود طائرة غريبة أتت بلا صوت، وبعلو منخفض أطلقت عدة صواريخ ببالونات، والأطفال الصغار يجهلون معنى قدوم طائرة حربية إلى تلك المنطقة الآهلة بالسكان، ظناً منهم الطائرة تلقي الهدايا لإسعادهم، وما كانت إلا ثوانيٍ معدودة انفجرت الصواريخ واحدة تلو الأخرى، واصدرت صوتاً قوياً ومن ثم فتحت الطائرة جدار الصوت فهزت أركان الأرض والسماء، وابتعدت مسرعة عن المكان مخلفة وراءها دماراً هائلاً، ومن شدة ضغط التفجير ارتطم جميع الأطفال وأمهاتهم على الأرض، وسط غبار كثيف وتصاعد دخان داكن وملأت المكان برائحة البارود .

بدأت الأمهات تبحثن عن أطفالهن وسط انعدام الرؤية لكن لحسن حظهم كانت في الجهة المقابلة للرصيف الثاني وعلى أمتداده جداراً عالياً، ومن خلفه أرض تربتها رخوة، فاخترقت إحدى الصواريخ جوف الأرض، مما أدت إلى إبتلاع شظايا الصاروخ، ومنعتها من التناثر والقذف إلى الرصيف الأول الذي يسير عليه تلك العائلات، فكانت نصيبهم الأتربة والحصى الناعمة والغبار .

-4-

اعتلت صراخ وبكاء الأطفال نحو كبد السماء، ولم تتحمل قلوبهم الصغيرة كقلوب العصافير من جراء دوي التفجير، ثم عثرت الأمهات على أطفالهن بين الغبار، وعلى الفور قمن باحتضانهم لتخفيف وطأة الخوف عنهم، وفي تلك اللحظة سارع لنجدتهم صاحب المنزل الذي كان بالقرب من تلك الحادثة، دعاهم بالدخول إلى منزله واختبؤوا خلف السور، ثم قرروا الخروج مهرولين إلى داخل القرية خشية من عودة الطائرة اللعينة مرة أخرى .

أخبر أبي أحد جيراننا عبر أتصال هاتفي بأن القرية تعرضت للقصف بالطائرة، وأن كناته وأحفاده لاذوا بالفرار إلى داخل القرية، وهو الأخر أتصل بي بالمجيئ إليه حالاً، وفي خلال دقائق وصلت مكان إنتظاره، ثم توجهنا معاً إلى القرية المنكوبة بكل سرعة، ولدى وصولنا هناك، شاهدت والدتي الطاعنة في السن أمام دارنا مرتبكة، وعلامات الخوف والذعر تكسو محياها، لا حول لها ولا قوة، ومازالت أعمدة الدخان تتصاعد من عدة منازل، ثم ترجل أبي من السيارة، وأنا تابعت مسيري نحو القرية للاطمئنان على عائلتي وعوائل أخوتي، ولدى وصولي هناك هرولتُ نحو ابنتي الصغيرة باكياً التي لم تكن تتجاوز حينها أربعة ربيعاً فأحتضنتها بحرارة وحنان، وحمدت الله كثيراً على نجاتهم جميعاً، وكما شاهدت بين خصلات شعرها الذهبي التي تلمع تحت أشعة الشمس كميات من الحصى الناعمة والأتربة، وفوق زغب رموشها وحواجبها غبار الحقد والظلم من جراء فعلة الطائرة التي أسفرت عن مقتل أناس أبرياء ومازالت ملقاة على قارعة الطريق مغمورة بالدماء، وحتى الخراف الصغيرة لم تسلم، وصاحبها الراعي المسكين الذي لقي حتفه، كان مشهداً تقشعر لها الأبدان وتدمع لها العينان، عاشت أهل تلك القرية حالة ذعر غير مسبوقة .

عدنا إلى منزلنا فركض الأطفال نحو حضن جدهم للاحتماء به الذي أكله القلق الكبير وحمد ربه على سلامتهم ونجاتهم، لم يتمالك نفسه حتى سقطتْ من طرفي عينيه دموع ناعمة من شدة القهر ومسحها خلسةً قائلاً : يا إلهي أية لعنة تطاردنا مرة في حلب، ومرة ثانية في القرية، وبعد ذلك قمتُ بمساعدة والدتي وكناتها بتنظيف البيت من آثار الدمار، وقطع الزجاج المحطمة والمتناثرة في أرجاء المنزل، واختصرت خسارتنا بالمادية فقط .

-5-

تركت هذه الحادثة الأليمة أثراً قوياً في نفس أخي الأصغر، لم يتحمل عندما عاد من مدينة حلب وبدأ بالتخطيط للهجرة إلى أوروبا بعد أن طفح الكيل به في البداية لم يلقى قبولاً من أبي الذي رفض الفكرة لكنه ألح عليه كثيراً، وهو لا يريد أن يبتعد عنه أكباده وأحفاده وهم كل رصيده المتبقي في هذه الحياة، لكن في نهاية المطاف أقتنع أبي بالخطة التي رسمه أخي، فقاموا بحزم حقائبهم مع أخي الثاني، واتجهوا نحو الحدود السورية التركية تمهيداً للدخول إليها بطريقة غير مشروعة، وعند وصولهم هناك قام أبي بتوديعهم واحداً تلو الآخر، وهو يقبلهم بقلب محطم متمنياً لهم وصولاً سالماً، وهو لايعلم متى اللقاء بهم مرة ثانية، وعند لحظة توديع علي الصغير المسمى على أسمه ركع على ركبتيه باكياً على الأرض، وأحتضنه بحرارة شديدة، وهو يتألم على الفراق القسري استغرق العناق لدقائق وهو متمسك ب علي الصغير يستنشق عطره بنحيب حطم كيانه لا ينوي تركهم يذهبون نحو المجهول، بعد الانتهاء من التوديع الأليم اصطفوا جميعاً على شكل رتل أحادي، وأنطلقوا على الطريق الضيق المزروعة على جنباته شتى أنواع الألغام لأجتياز الشريط الحدودي تاركين خلفهم قراهم، ومدنهم، وأحلامهم المحطمة، ظل أبي يراقبهم حتى أختفى أثرهم تماماً، عندئذٍ مددتُ يدي على كتفه

 وقلت له هيا بنا يا أبي …

كل ما تبقى لنا هي لحظات الوداع التي لم ولن تفارقنا أملين بعودتهم ثانيةً إلى ديارهم ووطنهم يوماً ما …!

 

 

-6-

وصلت نيران الحرب إلى مدينة عفرين، مما أضطرت سكانها بالنزوح، والتسلق عبر جبل الأحلام الشهير وهو المنفذ الوحيد للنجاة بأرواحهم، وفي وسط الازدحام المروري كانت قافلة السيارات تمتد مسافة سبع كيلومتراً، بينما كنت في سيارتي أراقب أحوال الناس الذين يفرون مع أطفالهم سيراً على الأقدام عبر الأراضي الموحلة، شاهدت طفلاً صغيراً يحمل في يده علبة كبيرة من ماء البندورة فنظراً لثقلها سمعتُ الطفل يقول لوالدته تعبتُ كثيراً يا أمي؛ هي الأخرى تحمل فوق رأسها صرةً كبيرةً من الملابس قائلةً له : يا بني نحن ذاهبون إلى البراري والطريق طويل، سنسد جوعنا من ذلك العلبة، أقتنع الطفل من كلام والدته فاستجمع كل قواه ثم تابعوا مسيرهم .

بعد سقوط المدينة بشكل تام وخلوها من سكانها، قررنا العودة ثانيةً إلى ديارنا مهما كان نوع وحجم العواقب، ثم توجه أبي إلى قريتنا مع مجموعة صغيرة من سبع أشخاص من أصل سبعين عائلة الذين فروا منها، ولدى وصولهم إلى قلب القرية، وجدوا أناس غرباء يسرحون ويمرحون، وعلى الفور ذهب ليتفقد منزله ما أن دخل فسحته تفاجأ بأنه قد تفحم من الداخل تماماً لم يبقى فيه شيئاً سليماً قد تحول إلى رماد من جراء التهام النيران كل أرجائه، عندئذٍ أصيب أبي بصاعقة ثانيةً من المشهد الفظيع خرج مقهوراً، وراح جلس على صخرة كبيرة أمام منزله المدمر الذي بناه بشقاء عمره وبعرق جبينه من العمل ليلاً ونهاراً يضع الليرة فوق الليرة، واليوم بعد أن شارف الثمانين من عمره، وجد كل ما يملكه أنقاض من الركام، وهو يقول في قرارة نفسه ترى من سيعوضني تلك الخسارة الفادحة، حينها سقطت من عينيه دموع أخرى ملتهبة على طعنة ثانية بعد طعنة هجرة أبنائه وأحفاده، كان حلمه أن يقضي بقية حياته في مسقط رأسه برفقة أحفاده، لكن رياح الحرب كانت أقوى منه بأن تحطم كل آماله، وقصّم ظهره…!!؟؟.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجابر حبيب

 

دور المسرح في المجتمع

المسرح ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل هو فن يحمل رسالة، يعكس قضايا الناس، ويشكّل وعياً جمعياً. منذ نشأته، كان المسرح مساحةً للحوار، يسلط الضوء على المآسي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويجسد الأحلام والآمال. فهو “مرآة تُعرض عليها الفضائل والرذائل”، كما وصفه الكاتب المسرحي شكسبير.

يقول جان فيلار: “المسرح مدرسة الشعب”، وهذه المقولة…

صدر في بدايات شهر رمضان سنة 1446ه، الموافقة لأوائل شهر آذار سنة 2025م، العدد الثّاني عشر من مجلّة “الإصلاح”، عن دار “الأماني” للطّباعة والنّشر والتّوزيع في “عرعرة- فلسطين”، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا العدد يختتم المجلّد الثّالث والعشرين. وقد جاء العدد مفعمًا بموادّ تعبّر عن المناسبات الّتي يتميّز بها آذار عن سائر الشّهور، حيث تزامن…

أحمد جويل

 

بعد الموت…

كنت في قبري…

دون سُبل الموت…

كأنني سوري حتى في مماتي.

جاءني الملكان الموكَلان…

وعُقدت جلسة المحاكمة…

لم يكن بمقدوري

أن أقوم بواجب الضيافة…

لا علم لي بقصة الخرافة.

صفٌّ من الأحجار المرصوفة

فوق صدري، وقَشُّ النظافة؟!

اقتربوا مني يمينًا ويسارًا،

سِجِلُّ الأسفار والأقدار،ِ

ودون سابق إنذار،

بدأنا أولى خطوات المشوار.

رعديدان، رجفتُ من الخوف…

يا سَتَّار!

وبدأت جملة من الأسئلة والأخبار…

من أنت؟ وما اسمك؟ ومن…؟

قلت بلسان فصيح:

ومن أنتما؟

ملائكة…

إبراهيم محمود

 

تطرح المرأة نفسها، في موضوعها بوصفها قضية تتقدمها، وأنها غير قابلة لأن يُنظَر في وضعها، في كونها امرأة، دون التوقف عند هذه القضية، قضية تاريخ، سياسية، دين، مجتمع، ثقافة ولسان…إلخ، وبمقدار ما يطرح الرجل نفسه، في موضوعه باعتباره المأخوذ بقضية، إزاء المرأة، بما أنه تمثيل متعدّ لما هو جنسي، على طريقته، بينما المرأة فهي…