زاخو …سلاماً ومرحباً

 إبراهيم محمود

كنا ثلاثتنا على علاقة لها مكانها وزمانها، ولكلّ منا عمله وزمنه الخاص به، والعلاقة تصل بين دهوك وشقيقتها زاخو: الأستاذ قاسم رمضان المعروف بخبرته الفنية، والدكتور فرهاد رشيد، الأستاذ الجامعي وأنا، والاتفاق جاء في وقت معلوم، ورب مصادفة خير من ألف ميعاد، كما يقال: أن ننطلق ظهراً صوب زاخو، في علاقة لها مرجعية ثقافية ، تضفي على المكان معنى آخر.



( من اليمين: الأستاذ قاسم رمضان، د. فرهاد رشيد، وأنا: في فضاء سوق زاخو القديمة، حيث تفوح رائحة تاريخ حاضر بجمال معناه )



وهكذا انطلقنا يوم الاثنين " 6-1/ 2025 " انفتحنا على المكان وانفتح علينا المكان، حيث الطريق أشعرَنا براحة توثَّقت بحسن مقامه تعبيداً، والسيارة بحسن القيادة دفئاً وأريحية، وحده صرير العجلات فقط، كان ينّبهنا إلى أننا نتحرك، ونقطع المسافة الفاصلة بين دهوك وزاخو، ونحن في حديث يشغلنا أمره في العمق، حديث يتقدم على كل حديث آخر كردياً: ما يجري في سوريا، وفي روج آفا كردستان، والأمل الذي يشغلنا تاريخياً، وحساب المخاوف، وما نتشوق إليه: هل يمكن أن تطالعنا الأيام القادمة بما يفرحنا جميعاً، ويمضي بنا إلى حياة جديدة، وندحل في حقبة زمنية من نوع آخر؟ لم ننس حساب القوى الكبرى، ومرارة العلاقة بها، كما تعلّمنا تجربة التاريخ ومعاناة الجغرافية.

على جانبي الطريق كان هناك المكان الممتد، كان هناك ما يؤلم، جهة شح الأمطار السنة، حيث الطبيعة لم تكن كما كان العام المنصرم، الأرض لا تخفي شهادتها وبؤس عطاء السماء، لكن الأمل لم ينقطع حتى الآن، وكان علينا أن نبقي أملاً لنحسن التكيف مع المكان، ونستطيع الاستمرار في الحياة.

عبرنا نفق زاخو. يا للنفق الجميل " بثلاثة كيلومتراته ونيّف " طولاً. تلك هي العلاقة الجميلة والمبدعة مع المكان: أن تشق جبلاً، هو أن تبدع، والإبداع هنا في اختصار المسافة، وتأمين الراحة.  كل ذلك قائم على علاقة من نوع: أطِعْ تطَع. أن تعطيك الطبيعة عليك أن تفهمها وتحيط بقوتها علماً ومقدرة، لتعطيك هي الأخرى على قدْر عطائك وفهمك لها.

دخلنا زاخو ونحن مغمورون بفر ح اللقاء، بفرح العلاقة، العلاقة تحميل للزمان بخصوصية مكانية، علاقة مع الآخر، ودية بالتأكيد.

في زاخو استشعرنا متعة الهواء رغم برودته النسبية، في نكهة " كباب " زاخو،  ما يشدك إلى مهارة الذوق فيها. وفي دخول سوقها القديمة، وما فيها من تنوع في المحلات، حيث يشمخ تاريخ المكان، والأيدي المبدعة، كلٌّ على طريقتها في بصمتها المميزة حرفياً، كما في تلك المحلات التي أظهرت " مفاتنها " الجديرة بالثناء، كما لو أن الذي كان في سنواته المديدة، يحضر بأبعاده الثلاثة، من خلال تلك اللمسات التي شعرنا بدفئها، بأصوات أهليها المبدعين، وذائقتهم وقدرتهم وإرادتهم في أن يستمروا في زمان والمكان من خلال صنيعهم الفني، واختصاره لما هو مترجِم لأفانين صنائعهم الحياتية في البيت وخارجه، في نطاق مجتمع بكامله، ونحن عيون لا تخفي فضولها المعرفي في حوار صامت ومعبّر عما يجري، كما لو أن المكان نفسه رحَّي بنا ونحن في ضيافته الثرية.



( داخل محل يعرّف بنفسه، بموجوداته. الموجودات تحيلنا إلى المحيط الاجتماعي وبدعة تكوينه، وقد حملنا معنا بعضاً بما يصلنا بما كان، وما كان يشغلنا في أمسه البعيد والقريب صبابة )






( أمام  لوحة من اللوحات التي تحمل صوراً للذين كانوا شهود المكان: زاخو حتى الأمس القريب، بتنوع مهنهم وإبداعاتهم الاجتماعية، وفضائل حضورهم تاريخياً في سوق زاخو القديمة )


وكان لقاؤنا بالأستاذ كاميران بيتاسي، المشهود له بإبداعه الفني في السينما، بالمقابل، وذلك الحديث الأثير والمفخَّم بإيجازه وطيب معناه،  معبّراً هو الآخر على أن هذا اليوم الذي التقينا فيه، له ميزته المختلفة، يوم من نوع آخر، بما جمعنا من أجله محبةً وثقافة، ورصيد ثقافة ومودة يمضي بنا إلى قادم الأيام أفضل من ذي قبل .



( في مقهى لا يخفي روعة تكوينه فولكلورياً، داخل السوق الفولكلورية، بين الأستاذ قاسم رمضان والأستاذ كاميران بيتاسي . ورائحة القهوة أشعرتنا بنكهتها نافذة الأثر  ذوقياً )



علاقة كهذه امتحان للداخل فيها، وامتلاء بمشاعر تتجاوب مع نوعيتها، وما تلمسناه خلال بضع ساعات، كما لو أنها اختصرت تاريخاً، وأدخلتنا تاريخاً آخر، من خلال ما جرى بيننا من أحاديث أشعرتنا بفضيلة الثقافة في تقريب المسافة بيننا أكثر، وأن الثقافة نفسها تمنحك من الراحة النفسية والأمان النفسية، والشعور بالطمأنينة لزمن قادم، ومكان أكثر زخماً بدلالته .



صورة أردناها رباعياً، كما لو أننا أردناها سلاماً للجهات الأربع جغرافياً، كردستانياً )

وحين خرجنا من زاخو، شعرنا ضمناً كما لو أنها تحتضننا بود أكبر، وتصاحبنا طوال الطريق، وتحمّلنا صورتها الكردية بألق يضمن لها بقاء أكثر جمالاً ودلالاً، كما هو جمال " جسر دلال " فيها، وأمل الكردي الذي يشده إلى بعضه بعضاً

ولنفترق دون أن نفترق، كما هي شهادة العلاقة، وأنا على يقين تام، أننا جميعاً شعرنا بمثل هذه العلاقة التي توَّقت روعةً: زماناً ومكاناً.

زاخو: سلاماً ومرحباً!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…