نظرات في “سعيد تحسين بك: الأعمال الشعرية الكاملة”1

إبراهيم سموـ المانيا

 

تُعدّ الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر العراقي الراحل سعيد تحسين، الصادرة عام 2024 عن مطبعة تُنسب إلى “طهران “، بإشراف الباحث داود مراد ختاري، تحت مسمى “سعيد تحسين بك: الأعمال الشعرية الكاملة”، أول محاولة شاملة لجمع ما توافر من نتاجه الشعري المعروف حتى اليوم، وذلك في طبعة امتدت على 448 صفحة.

ولا تكمن أهمية هذا الإصدار في الجهد التوثيقي وحده، بل تتجلّى كذلك في “النصوص الموازية” التي أُدرجت إلى جانب المتن الشعري، والتي تسهم في الكشف عن ملامح شخصية الشاعر الأدبية والفكرية، وتضيء عوالمه الوجدانية والثقافية، بما يتيح للقارئ تتبّع مصادر تكوينه المعرفي واستيعاب مرجعياته الرمزية.

تتنوع هذه المواد بين “مقدمات” و”شهادات” و”ذكريات شخصية”، تشكّل في مجموعها إطارا تأويليا يثري فهم تجربة الشاعر، لا بوصفه صانعا للغة فحسب، بل كذات مبدعة ومتمرّدة، تفاعلت مع محيطها بوعي نافذ وجرأة فكرية لافتة.

ومع ذلك، تبرز إشكالية منهجية تتعلق ب”المعايير التحريرية” المعتمدة في ترتيب النصوص داخل هذه الطبعة؛ فغياب “تنظيم زمني” دقيق، أو تصور واضح لمسار تطوّر التجربة الشعرية فنيا ووجوديا، يثير تساؤلات مشروعة حول آليات التقديم، ويدعو إلى مراجعات نقدية لاحقة قد تسهم في فهم أعمق للسياقات الجمالية والتاريخية التي احتضنت هذا المتن.

في هذا السياق، يطرح سؤال جوهري نفسه: من هو سعيد تحسين؟ وكيف صاغ تجربته الشخصية خارج الأطر الموروثة؟.

قُدّر لصاحب “الأعمال” أن ينتمي إلى عائلة الإمارة، بل أن يكون الابن البكر لأمير الإيزيديين، لكنه اختار، ما إن بلغ الوعي، أن ينأى بنفسه عن الامتيازات الرمزية والمادية التي تمنحها تلك المكانة.

ولم يكن هذا التخلّي مجرّد رفض للسلطة الأبوية أو للوراثة الطبقية، بل فعل انعتاق تأسيسي، مزّق به القوالب التي كبّلت محيطه، وأعاد صياغة ذاته عبر تجربة وجودية متفرّدة، تحرّر فيها من ثنائية “الحسب” و”النبالة” وما قد يرتبط بهما من “أوهام التفوّق” و”التمركز الاجتماعي.”

هذا الانفكاك أسّس لانفتاحه على أفق “اللامنتمي”، كإطار رؤيوي مكّنه من تجاوز حدود الانتماء الضيق، والانخراط في تأملات إشراقية وميتافيزيقية سمحت له بالنظر إلى الوجود من زاوية شخصية بعيدة عن “الهويات الجاهزة” و”المقولات النمطية”.

وتنعكس هذه النزعة في شعره، كما في قوله:
“أمسكي بيدي / لنسير معا / في الدنيا / دون وقوف / دون قيود / دون حدود / أحرارا كالطيور / في الآفاق.” (ص224)

لا يُقرأ هذا المقطع كشكل تعبيري رومانسي، بل كتصريح وجودي يُعبّر عن مشروع تحرّر ذاتي يتجاوز اللغة إلى جوهر التمرّد. ومن هنا، يتحوّل التمرّد إلى نقطة محورية في تجربته، لا كموقف طارئ، بل كبنية داخلية شكّلت وعيه منذ البدايات، وظهرت في اختياراته الحياتية والإبداعية.

اتّسم سعيد تحسين بشخصية مشدودة بين أقطاب التوتر: الانفصال والانتماء، التمرّد والانكفاء، السخرية والحزن. كان على تماس دائم مع محيطه، وفي الوقت ذاته في خصام داخلي معه؛ منخرطا في صراع لا يهدأ، ومتصالحا مع عزلته التي رأى فيها شرطا للمعرفة والتكوّن.

بهذا، تكوّن كيانٌ جدلي تتقاطع فيه الحساسيات والتناقضات، حيث لا يكتمل إلا عبر توتراته. وما بدا صراعا داخليا، لم يكن اضطرابا، بل تعبيرا عن فردانية وجودية اختار صاحبها أن يبتعد عن المناصب والامتيازات، ليسلك طريقا وعرا رآه الأصدق لحياته وشعره.

وقد عبّر عن ذلك بوضوح، كما في قوله:
“سأبقى الثائر المتمرّد / متبرّما من كل واقع / سأصارع كل شيء من أجل حلمنا / إلى أن يتحقق.”(ص438)

لم يكن تمرده شعريا فحسب، بل خيارا وجوديا ـ حضرويا ـ صاغ من خلاله “سلطنته” الذاتية، وانفتح على أفق تأملي عرفاني، محرّرا نفسه من القيم السائدة التي بدت له خاوية.

 كما ان مواجهته للمجتمع لم تكن لحظة انفعالية عابرة، بل حصيلة تراكم من الخيبات والشعور المبكر بالخذلان، عبّر عنه بمرارة:
“قلبي مدينة شوارعها حمراء / لا تدخلها الشمس ولا يسقيها المطر/ ييبسها الخريف وجعل منها / أرضا قفراء بيداء / مدينة ليس فيها سوى ناس / يرتدون ثيابا سوداء.” (ص413)

من ههنا، تنفتح أسئلة مشروعة حول الدوافع العميقة لاختياره هذا النهج المختلف:
هل تمرد لأنه رفض أن يكون أميرا على هامش الحياة؟
أم لأن صدماته المبكرة زعزعت يقينه بالروابط العائلية والاجتماعية؟
أم لأن الإقصاء الرمزي الذي تعرّض له دفعه إلى بناء تعويض داخلي عبر التمرّد والإبداع؟.

“عندما انتشرت / الخيبة في الوجوه / انتشر الحزن في المكان / ولمحت اليأس / في عيون الرفاق / حملت حقيبتي ورحلت / عن المكان / تشردت في الطرقات.” (ص192).

بغضّ النظر عن الإجابة القاطعة، فإن المظلومية التي عاشها مبكرا شكّلت محرّكا وجوديا لاحتجاج داخلي صاغه شعرا، وتمردا، ونمط حياة. لم تكن معارضته تعبيرا عن نزق أو تهرّب من المسؤولية، بل كانت رؤية عميقة تنبع من وعيه بموقعه الرمزي بوصفه ابن الإمارة الذي اختار أن ينفصل عن السلالة لا عن القيم.

من هذا المنظور، بدت مغامرته محاولةً لاستعادة الذات وترميم الثقة في عالم لا يمنح الاعتراف بسهولة لمن يخرج عن السياق. ووفق قراءة مستنيرة من “علم النفس الاجتماعي”، يمكن اعتبار تمرّده محرّكا مزدوج الوظيفة: دافعا خلاّقا أضفى على تجربته الشعرية كثافةً وجودية، ومصدرا لتوترات داخلية ظلّ يواجهها حتى النهاية.
أما السؤال الجوهري الذي قد يطرحه هذا الحقل المعرفي، فهو: كيف يواجه الأمير المغبون مقهوريته؟
سؤال قد لا يُفضي إلى إجابة قاطعة، بل قد يفتح الباب على احتمالات متعدّدة:
هل كانت عزلته قسرا؟ أم اعتزالا حرّا؟ أم فعلا تأمليا قرّر من خلاله الانسحاب من العالم ليشتبك معه وفق شروطه الخاصة؟.

يتبع >>

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…