“كريستال أفريقيّ” سردية الشتات الكرديّ من أرض أفريقيا 

سامي هداية*

 

يقدم الروائي هيثم حسين في روايته “كريستال أفريقيّ” الصادرة عن دار عرب للنشر والترجمة سردية الشتات الكردي بحبكة أدبية وسينمائية ولغة سردية رشيقة مستدعياً أدب المغامرات والسفر والجريمة والسياسة ومستعيناً بأسلوب الثنائيات الضدية.

 حضرت سردية الشتات الكردي على مسرح الجغرافيا السياسية والتاريخية باتصال وتشابك محكم بين أمكنة تباعدت كثيراً جغرافياً وتقاربت كثيراً انتمائياً. فبطل الرواية صحفي مستقل كرديّ المولد بريطانيّ الجنسية وُلد مجرداً من الجنسية في قرية صغيرة يربض الفقر في كل تفاصيل حياتها اليومية لجأ إلى لندن واختار الصحافة والترجمة لأنه أراد تقديم “أصوات الذين يتمّ تهميشهم”.

تنطلق الرواية من لندن حيث يعمل الصحفي في وكالة إعلامية مع صديقه آلن وصديقته ميديت قاصدين أفريقيا بحثاً عن مال هربه أحد أذرع نظامي عربي سابق إلى أفريقيا. وألّف الروائي بين مكونات سردية الشتات الكردي من المكان والزمان والتاريخ والسياسة تأليفاً متسقاً لا تنافر بينها من خلال سياق التنقل بين الأمكنة في أفريقيا ومثّل لذلك بصاحب المطعم الكردي التركي والشاعر أوصمان صبري المنفي تحت الإقامة الجبرية من فرنسا والزعيم الكردي في نيروبي كينيا والجنرال الكردية الأمريكية. كما لم يغفل هيثم حسين أن يشير إلى الربط بين أفريقيا والكرد من بداية الرواية، فأفريقيا “تعاني كحالة الكرد من الصور النمطية والمفاهيم السلبية المفروضة عليها والتمييز العنصري”. في سياق ذلك الفضاء الجغرافي المتسع طرح الروائي عدد من القضايا التي لا تنفك عن سردية الشتات مثل تشظي الهوية وقلق الانتماء وصراع الأنا والآخر. وآخراً وعلى ذكر المكان يمكن القول إن اجتماع كردي بريطاني وافريقية بريطانية ومواطن بريطاني في لندن التي يقيم فيها مؤلف الرواية نفسه دليل على التعدد الثقافي الذي يرى هومي بابا أنه يبدو كما لو أنه “متحف خيالي”.

تجلّت الثنائيات الضدية في كل تفاصيل الرواية في لوحة فنية وروائية متقنة الصنع بدأها المؤلف بالعنوان وهو الكريستال بنقائه وشفافيته وهشاشته مقابلاً لفساد المال المسلوب بيد السلطة ثمّ توالت بعدها الثنائيات المتقابلة بطول الرواية بين أحداثها وشخصياتها. فالخير والشر والطمع والقناعة والنقاء والاختلاط والتدين والانحلال والهروب من الماضي والسعي لإثبات الذات كلها تمثلت في غير موضع في الرواية. ولم تكن المرأة بعيدة عن تلك الثنائيات؛ فجمعت الرواية بين ميديت المرأة الرقيقة الأفريقية الأصل الجنسية البريطانية الجنسية وصديقة الصحفي الكردي التي أحبها وكانت كما وصفها: “قطعة من روحي” وهي رمز لنقاء الكريستال وهشاشته وبين تلك الممثلة المغمورة السمعة والغارقة في الفساد التي التقاها الصحفي في رحلة البحث عن المال الفاسد. وآلن الذي “كان فيما سبق مسيحياً ملتزماً” ثمّ أصبح “متخبطاً في واقعه”. لا يخفى على الناظر أن الثنائيات المتضادة تبدو في النص وكأنها لوحة ينعكس على سطحها أفكار ودواخل الشخصيات وتفاعلها مع الأحداث.  

انضوت الرواية على حيل أدبية وسردية تدل على تمكن الروائي من أدوات الصنعة واتقانه لحرفة الكتابة نذكر منها على سبيل المثال التنقل غير الخطيّ في الزمن في أثناء سرد رحلة البطل من المولد إلى لندن وبعدها التنقل بين أحداث تاريخية ربما يعلمها كثير من الناس. ومنها أيضاً استعانة الروائي هيثم حسين بأسلوب الراوي المتكلم ليلائم ثيمات الشتات والهوية والانتماء إشارة إلى صوت الكرديّ وحضوره وتركيزاً على الأفكار الداخلية، والمشاعر، والانطباعات الذاتية لشخصية الراوي إضافة إلى أنه يمنح القارئ انطباعًا بالمشاركة المباشرة في الأحداث والتفاعل مع أفكار ومشاعر الراوي. كما أنه لم يأتي على ذكر اسم الشخصية الرئيسية ليوحي ضمناً بأنه يشير إلى الكرد كلهّم في كل بقاع الأرض.

وعلى هامش السردية الرئيسية أثارت الرواية فكرة التأويل البراغماتي للنص الديني بإشارة خفية. ف “ملح الأرض” في معناه الديني يشير إلى الصدق والإيجابية والنقاء بينما اختلف استخدامه في النص باختلاف القصد والغرض. ففي بداية الرواية خاطب الراوي صديقه قائلاً إن “المال هو ملح الحياة يا صديقي” ثمّ سأل صديقه لاحقاً “ماذا لو كانت الدماء هي ملح الأرض أو هي التي تجدد دورة الحياة عبر صور الموت؟”.  

ختاماً، نقول إن هيثم حسين استطاع تقديم سردية الشتات الكرديّ وقضايا الهوية والانتماء في سرد روائي محبوك اتكأ على فكرة الفساد السياسي والأخلاقي والربط بين حلم الكرد وبين أفريقيا في فضاء من الثنائيات المتقابلة أسهمت في ابراز هذه السردية وما اتصل بها.

*كاتب ومترجم من مصر

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…