نظرات في “سعيد تحسين بك: الأعمال الشعرية الكاملة”(5)

إبراهيم سمو

 

عالية بيازيد وشهود القصيدة: مرافعةٌ في هشاشة الشاعر:

تُقدِّم الكاتبة والباحثة عالية بيازيد، في تصديرها لأعمال زوجها الشاعر سعيد تحسين، شهادةً تتجاوز البُعد العاطفي أو التوثيقي، لتتحوّل إلى مدخل تأويلي عميق لفهم تجربة شاعر طالما كانت قصائده مرآةً لحياته الداخلية.
لا تظهر بيازيد في هذه الشهادة كامرأة تشاركه الحياة فحسب، بل كـ”صندوق أسود” يحتفظ بأصوات لم تُقَل، وبتفاصيل شعورية لا تُدوَّن، بل تتجسَّد في وعي شريكٍ عاش القصيدة بكل مكوناتها قبل أن تُكتب، لا بعد صدورها.

بيازيد لا تنطلق من أدوات نقدية تقليدية، بل تُصدِّر رؤيتها من موقع المرافقة الحميمية، من تلك المسافة الدقيقة التي تفصل بين النَّفَس والقصيدة، وتتيح تاليا للقارئ دخول عالم سعيد تحسين من باب الشعور لا التنظير، مُشكّلةً بذلك جسرا بين النص والحياة، بين اللغة ونبضها، بخاصة حين تقول:

“أكون أولَ متذوِّقي أشعاره، وأولَ من يقرؤها، وأولَ من يُعجب بها، وأكثرَ من يعرف ظروفَ ولادتها وحكايتها”.

لتدلّل، دون مواربة، على أن القصيدة لم تكن فعلَ تأليفٍ فردي، بل تجربةً مشتركةً بين حياةٍ تُعاش ولغةٍ تُصاغ.

وفي إطار الوعي بهذه العلاقة العضوية بين الحياة والشعر، قد تتماثل تجربة عالية بيازيد وسعيد تحسين مع تجربة سنية صالح مع الماغوط، أو خالدة سعيد مع أدونيس، وتُقدَّم بوصفها نموذجا لا تكون فيه المرأة رفيقةَ حياةٍ فحسب، بل شريكةً في اقتراف الفعل الشعري، ومنخرطةً في تكوينه الجواني.

لكن ما يمنح هذه الشهادة فرادتَها هو إصرارُ الشاهدة على كشف الجانب الإنساني خلف صورة قرينها الشاعر، حيث تتناول تقلباته المزاجية، وصراعاته العائلية، وهشاشته الوجودية، وانكساراته النفسية، وتصفه بأنه:

“رفض الواقعَ بتفاصيله القاسية، وفقدان العدالة الاجتماعية فيه، واختار حياةَ التمرد والسُكر أكثر من حياة الصحو”،

مُظهرةً بذلك أن انحياز “سعيد”ها؛ الأمير إلى “الشاعر” كان خيارا وجوديا.

وحيث يحضر الموت في قلب تجربة سعيد تحسين الشعرية، لا كفكرة ميتافيزيقية مجردة، بل كظلٍّ دائم، ورفيقٍ داخلي، وصوتٍ لا يغيب، تدلي بيازيد بأن سعيدا، الشاعر والإنسان، “أعلن تصالحه مع الموت حدَّ التماهي”، لتختزل بذلك طبيعة العلاقة بين الذات الشاعرة وفكرة الفناء، لا كخاتمة فحسب، بل كعنصرٍ بنيويٍّ في وعيه الشعري واليومي.

ومن هنا، تصبح ـ بحسب بيازيد ـ عباراته المتكررة في لحظات الثمالة، مثل: “الحياة عبثية” و”الموت يغريني”، مفاتيح لفهم تكوينه النفسي وقلقه الوجودي.

وحيث لا يُستدلّ على الموت في آثار سعيد تحسين بوصفه هروبا من الحياة، بل باعتباره اقتحاما للنفس في حقلٍ آخر من المعرفة، أو ملامسةً للمجهول، أو استكشافا لعوالم لم يخُضها الأحياء بعد؛ يرى أ.د. نجمان ياسين أن الشاعر، وهو يتخذ العشق تِرْياقا حيال الفناء، يعتبر المرأة عشبةً للخلود، أو يتوسمها، على الأقل، “خلاصا من الموت.” ويُشير تاليا إلى أن المرأة في نصوص سعيد تحسين ليست مجرد أنثى للغزل، بل ملاذٌ من العدم، وتحويلٌ للألم إلى معنى رهيف.

ويأتي د. فيصل القصيري ليضيف، في الإطار نفسه، منظورا أكثر تجريدا، حيث يرى في سعيد تحسين مخلصا لقضية الشعر بوصفه تعبيرا عن أزمة الذات، وتدوينا لمقهورية الروح، ويربط بين الحب والموت بعلاقة جدلية، مستشهدا بـ: “وسأموت قبل جميع العشاق”، و” كنتُ قريبا من الموت / عندما جئتِ إليَّ / تحملين الأمل.”

ليقودنا إلى تفكيك ثلاثية الحب/الموت/الحياة، بوصفها شبكةً وجوديةً مترابطة، لا يُفهَم أحدها دون الآخر. ويستشف القصيري أن تلاشي الحب، عند سعيد تحسين، لا يبعث على التوازن، بل يستدعي الانهيار، ويدفع نحو الزوال.

هكذا، يتّضح أن تجربة سعيد تحسين الشعرية لا يمكن قراءتها كبحثٍ عن الخلاص، بل كفعلِ حفرٍ في عمق الكينونة؛ وقد يلتقط القارئ المقتفي وهو يتنقل بين ايقونات “موت جديد”* و “رقصة النجوم”**ان الشاعر لا يسعى إلى ترميم العالم، بقدر ما يجنح إلى مساءلته؛ لا يكتب ليُحدث ثورة بلاغية، بل ليبقى متماسكا أمام التفكك الداخلي.

ولعلّ أبرز ملامح هذه الرؤية أن سعيد تحسين لم يرَ الحب خلاصا، بل امتحانا للهشاشة، ولم يرَ في الشعر قناعا، بل تجربة لحم ودم. ولهذا ظلّ شعره، رغم خصوصيته، حميما، لأنه يتكلم من موقع الكائن المنكسر، لا من منصة النبوءة. فهو لم يكن يكتب ليُخلَّد، بل ـ كما تقول بيازيد ـ “لينجو”.

هنا تتكامل الشهادات الثلاث ـ بيازيد، وياسين، والقصيري ـ لا بوصفها ملاحق تفسيرية، بل نصوصا موازية (paratexts)  تُسهم في تعميق فهم التجربة الشعرية، لا من خارجها، بل من صلبها، أو على الأقل من أقرب تخومها؛ ليس من منطلق شرح النص، بل من أجل كشف طبقاته المستترة، وإعادة تأويله في ضوء علاقته المعقّدة بالموت، والحب، واللغة، والذات.

ولا تقتصر هذه النصوص المحيطة على تلك الشهادات الثلاث، بل ثمّة إفضاءات أخرى وردت في مستهل “الأعمال”، يمكن اعتبارها شهادات إضافية تُسهم في إضاءة شخصية الشاعر وعوالمه، وتساعد المتلقي على فهم مزاجه الشعري وجوّ الكتابة، إلا أن المقام لا يتّسع هنا للتعريج عليها.

في ضوء هذا كله، لا يُقرأ سعيد تحسين كشاعر تقليدي، بل كشاهد هشّ على تصدّعات الوجود في عالمٍ فقد تماسكه. وهو إذ يبادر، لا يدّعي البطولة، ولا يتقمص دور العارف، بل يصوغ شعريته من هشاشة الكائن، ويستدرج قارئه لا ليتعاطف، بل ليشاركه الوجع ذاته.

وهكذا، يصبح الشعر عند سعيد تحسين فعلا تأويليا مشتركا، لا تجربة فردية مغلقة

 . *ـ اسم ديوان للشاعر   **ـ اسم ديوان للشاعر

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…