نظرات في “سعيد تحسين بك: الأعمال الشعرية الكاملة”(6)

إبراهيم سمو ـ المانيا

بين “سؤال الشعر” او قل سؤال العشق وسؤال الوجود:

في إطار العلاقة التي يقيمها “هايدغر” بين “سؤال الشعر” و”سؤال الوجود”، تتفتح تجربة سعيد تحسين الشعرية على آفاق الممكن، بما يمكّنها من تجاوز حدود الواقع المألوف صوب أبعاد أكثر عمقا وكثافة. هنا، لا تقتصر الكلمة على أداء وظيفتها التعبيرية التقليدية، بل تتحول إلى أداة كشف وتأويل، تتفتح بها سريرة الشاعر كزهرة تتنفس عبر التأمل الفلسفي، متجلية في مستويات الدلالة والإيحاء والتصوير الجمالي، بينما تفيض روحه بإيقاع داخلي نابض وعاطفة متدفقة.

وانسجاما مع ما يطرحه “أدونيس” حول دور الشاعر، لا يتوقف سعيد تحسين عند رصد العالم، بل يعيد صياغته وتحويله إلى قصيدة مكتملة، حيث يهيمن “البعد الشعري” على سائر الأبعاد، ويغدو النص رئةً يتنفس بها الكائن، أو جناحين يحلّق عبرهما نحو فضاءات تتجاوز محدودية الواقع. وضمن هذا المنظور، يصبح الشعر عملية خلق أصيلة، لا مجرد انعكاس، ويغدو العالم نفسه مادة أولية قابلة لإعادة التشكيل، يتخللها خيط رفيع من المعنى المرهف، يتذبذب بين “اليقين” و”التساؤل” بانسيابية لغوية آسرة.

في هذا السياق، يتبدّى العشق في تجربة “تحسين” كقوة كونية نابضة، تمنح الوجود كثافته الوجدانية ومعناه الأعمق.
ليست اللغة لديه مجرّد وسيلة للتعبير، بل هي فضاء كشف وتأويل، ينفذ عبره إلى الجسد والروح لا بوصفهما عنصرين متقابلين، بل كقطعتين من نار واحدة، متوهجتين في قلب القصيدة.

هنا، لا يعود العشق انفعالا عاطفيا طارئا، بل يتحوّل إلى مشروع حياة، تتداخل فيه التجربة الشعرية مع رؤية فلسفية ناضجة، تنفتح أحيانا على أبعاد سياسية كامنة؛ إذ يصبح العشق موقفا من العالم، واستعادة حارقة للمعنى في وجه التفكك والابتذال.

وفي إطار بحثه عن رموز دلالية، ينطلق الشاعر من صورة الموج، ذلك العنصر الذي يمثل الحركة والتجدد الدائمين، ليبث في ذاته الروح والحيوية، ويعيد إليه شبابه في طقس شعري أشبه بالبعث:

“وانتعشتُ على صخب الموج ليعود إليّ شبابي ثانية… وأحيا من جديد.” (ص 95)

ولا يقتصر هذا الاتصال على بعده الحسي فقط، بل ينطوي على عودة إلى “الذاكرة المؤسسة”، إلى “القبلة الأولى”، حيث تتجلى القصيدة كتجربة جسدية وميتافيزيقية معا، تصاعدت فيها الروح طائرا يرقص من الفرح:

“قبّلني قبلةً طويلة / أشعرتني بأني طائر في السماء / رقصتْ روحي من الفرح / كان ذلك قبل سنين.” (ص100)

وتأسيسا على هذه الرؤية، لا يُنكر صاحب “الاعمال” الجسد في شعره، بل يحتفي به بوصفه مكونا جوهريا في تجربة العشق، غير أنه يتجاوز التعامل معه كأداة حسية صرفة، ليُصوّره كوسيط روحي تتماهى فيه الأنفاس والضوء والندى. فتتحول عملية جمع قطرات الندى وإطلاقها إلى استعارة لتحرر الأرواح من سكونها، وتتسع رمزية القمر ليغني ل”القلوب الظامئة”، ول” الأحضان المتلهفة”، ول” الشفتين القرنفلتين” في انتظار اللقاء.

في هذا الإطار، لا تُقدّم العشيقة بوصفها موضوعا للغواية أو الإثارة، بل كتجسيدٍ للفيض العاطفي والاحتراق الداخلي؛ نهر متدفق يتحدى الزمن والمسافات. فالحب، في هذه التجربة، لا يُراد له أن يكون خلاصا، بل هو احتراق متجدد: يُشعل القلب عند اللقاء، ويذيب الروح في الفراق.

ويترسخ ارتباط الجسد هنا بالرمز بعيدا عن الابتذال؛ إذ يتحول النهد إلى صورة لكبرياء الجسد الأنثوي الذي يتحدى الزمن وتدفق الأيام. ويتماهى هذا البعد الجسدي مع الهم الوجودي العام في شعر سعيد تحسين، حيث يصبح الجسد ساحةً للعشق والتمرد والاحتراق الداخلي معا.

ويتسع الأفق الرمزي في تجربته ليشمل تمثيل المرأة كاستعارة للوطن. فكما أن الزهور والسنابل تحتاج إلى الدماء لتنمو، فإن الوطن في رؤيته يحتاج إلى العشاق لا المحاربين، إلى القلوب لا البنادق. ومن ثم، تغدو العلاقة العاطفية مرآة للعلاقة مع الأرض، ويتحول الحب إلى فعل مقاومة يتحدى القهر والنفي.

وتبعا لهذا التصور، لا تظهر الأنثى ككائن سلبي يتلقى العاطفة، بل كرفيقة في مشروع التحرر الوجودي والإنساني. وهو ما يفتح المجال لتساؤلات عميقة: هل يستعير الشاعر صوت الأنثى ليُخفي شوقه المكبوت ضمن مجتمع محافظ؟ أم يتحدث نيابة عنها، معبرا عن توقها إلى حرية مكبوتة؟ لعل الإجابة تجمع بين الوجهين، إذ يكتب الشاعر من هامش الواقع، ومن صميم التوق إلى التحرر الجسدي والروحي.

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في تصور “المدينة الفاضلة”، التي يُعيد سعيد تحسين صياغتها وفق رؤيته الخاصة، مدينة يسكنها العشاق والعاشقات، حيث يكون الشعر لغتها الرسمية، والحب دينها اليومي. صباحها رقص وغناء، ومساؤها عناق وأحاديثها قصائد؛ حلم بمكان تكون فيه المشاعر علنية، ويكون الجمال جماعيا ومتاحا للجميع.

وفي خواتيم التجربة، يبلغ الحلم ذروة الاحتراق لا بوصفه فناءً، بل بوصفه تجليا؛ إذ يتوق الشاعر إلى أن يحترق ليغدو جسدا من نور للعشاق، طائرا يحلق، أو نجمةً تتوهج، أو رايةً تخفق في وجه الريح. وحتى فعل الثورة هنا يتخذ طابعا حسيا، فالمحبوبة تتحول إلى رمز للتحرر، وكأن الثورة تبدأ من الجسد، من لمسة، من قبلة، من عناق.

هكذا، تنصهر الأبعاد الجسدية والروحية والرمزية في وحدة شعرية متماسكة، تُحوِّل العاطفة إلى كينونة متجددة، والبوح إلى فعل تحرر، والقصيدة إلى وطن بديل يسكنه الشاعر.

يتبع >>

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…