استعارة فرح

سيماف خالد محمد
كنتُ جالسةً مساءً أستمع إلى الأغاني وأقلب صفحات كتاب، حين ظهر إشعار صغير على شاشة هاتفي، كانت رسالة من فتاة لا أعرفها مجرد متابعة لصفحتي منذ سنوات.
كتبت لي دون مقدمات:
أنا أتابعك دائماً وأرى أنك تكتبين عن القصص الاجتماعية، هل يمكنك أن تكتبي قصتي؟ أريد أن يكتب أحد عن وجع طفولتي، ربما إذا قرأتها مكتوبة أستطيع أن أتحرر قليلاً من الألم الذي يثقل صدري.
ترددت للحظة ثم قلت لها: “أرسلي لي صوتك وبعدها سأقرر.”
وصلني التسجيل الصوتي وما إن استمعت إليه حتى لم أجد نفسي قادرة لا على الرفض ولا على الصمت، لم أنتظر طويلاً حتى بدأت بكتابة القصة.
تقول الفتاة:
كنت طفلة صغيرة لم أتجاوز الثانية عشرة من عمري حين بدأت حكايتي مع الفقر والحرمان، كنا قد انتقلنا من قريتنا الصغيرة إلى مدينة أخرى بحثاً عن حياة أفضل، لكن كل شيء كان أصعب مما تخيلنا.
جلسنا في بيت بالإيجار وأبي يعمل ليل نهار ليؤمّن لنا ما يسد رمقنا، ولم يكن لدينا ما يكفي من المال حتى للملابس البسيطة.
كبرت وأنا أرتدي الثياب نفسها أغسلها وأعيد ارتداءها حتى بهت لونها وضاقت عليّ، لم يكن لي غير بنطال مخمل قديم يكبرني بمقاسين، فأضطر أن أرتدي تحته طبقات من الملابس كي يثبت على جسدي الصغير.
كنت أذهب إلى المدرسة أحياناً بخجل وأحياناً برضا كاذب، ليس لأنني راضية حقاً بل لأنه لم يكن أمامي خيار آخر.
ثم جاء يوم غيّر حياتي كلها أخذتني خالتي معها واشترت لي “أڤرول” مع بلوزة حمراء، كانا أجمل ما امتلكت يوماً وشعرت أنني أملك الدنيا بأكملها.
ارتديتهما في الأعياد، المناسبات ومشيت بين البنات لأول مرة وأنا أشعر أنني مثل غيري لكن فرحتي لم تدم طويلاً.
جاءت خالتي ذات يوم تطالب أمي بثمن الأڤرول، جلست أمي مكتوفة اليدين تفكر من أين تأتي بالمبلغ، وبدأت تلوم نفسها لأنها سمحت لي بلحظة فرح لم تكن من حقنا.
منذ تلك اللحظة صار هذا اللباس الذي أحببته أثقل من أي حجر على صدري، كنت أعرف أنه دين فوق فقرنا وأن سعادتي الصغيرة ليست مجانية.
مرت الأيام كبرت قليلًا وصرت أرى العالم يقيّم الفتيات من ثيابهن، كنت أنظر إلى البنات حين يلبسن الجديد وأحسد ضحكاتهن اللامبالية، كنت أتمنى فقط أن أجرب شعور أن أكون مثلهن ولو ليوم واحد.
وفي يوم من الأيام دفعتني الرغبة والملل من ثيابي المكررة إلى استعارة بنطال وكنزة من إحدى قريباتي، لم أرد أن أذهب بهما إلى حفلة أو مناسبة فقط أردت أن أرى نفسي مختلفة في المرآة.
ارتديتهما، سرّحت شعري، وقفت أمام المرآة وابتسمت كنت كطفلة تلمس الحلم لأول مرة، لكن لحظتي الصغيرة تحولت إلى كابوس عندما عاد أبي فجأة ورآني.
لا أعرف ماذا رأى فيهما ولا لماذا اشتعل غضباً بتلك الصورة، أمسك بي وضربني بعنف لا يعرف الرحمة مزّق البنطال والكنزة على جسدي، وتركني أبكي متخبطة بين الرعب والألم والدموع.
لم أفهم شيئاً: هل كان ذنبي أنني رغبت بثوب جميل؟ أنني أردت أن أفرح ولو للحظة؟
تلك الليلة لم تترك أثرها على وجهي وجسدي فقط، بل حطّمت في داخلي شيئاً لم يلتئم حتى اليوم.
شعرت بالخجل أمام الفتاة التي أعارتني ملابسها، بالذنب لأنني سببت لأمي وجعاً جديداً،وشعرت أنني مذنبة فقط لأنني تمنيت.
منذ ذلك اليوم أقسمت أنني لن أمد يدي إلى ثياب أحد، ولن أطلب شيئاً لا أملك ثمنه حتى لو حرمت نفسي من أشياء كثيرة، لكنني بقيت أحمل داخلي ذلك الكسر.
١١-٩-٢٠٢٥
هولير

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…