صدر ديوان شعري ” جحيم الأمل ” للدكتور عدنان بوزان

في حضرةِ الشعر، حيث يتناسلُ المعنى من رمادِ الكلمات، وحيث يشعلُ الحرفُ فتيلَ الوجود، يولد هذا الديوان: جحيم الأمل.

ليس عنواناً عابراً ولا استعارةً تلقى على عتبة الصدفة، بل هو صرخةٌ تتناوبُ فيها النارُ والندى، وتتعانقُ فيها خيبةُ التاريخ مع شغفِ الإنسان الذي لا يعرفُ الاستسلام.

“جحيم الأمل” انعكاسٌ للروح حين تلقى في أتونِ الأسئلة الكبرى، في أتونِ الفقد والخذلان، ثم تعودُ لتتشبّث بخيطٍ واحدٍ من الضوء، خيطٍ يشبه شراعاً أحمرَ يشقُّ البحرَ عند الغروب. هنا، الأمل ليس واحةً هادئة، بل هو جحيمٌ مضطرم، يؤلم بقدر ما يبعثُ الحياة، ويحرق بقدر ما يفتحُ نوافذ الغد، ويذكرنا أن لا شيء يولد من السكون، بل من لهبٍ يتقاطع مع الريح.

هذا الديوان ليس مجرد قصائد، بل هو مسيرةُ شاعرٍ يعانق الأرضَ والسماء في آنٍ واحد، يحملُ في كفيه رمادَ السجائر وأشلاءَ الحلم، ويحاول أن يعيد صياغةَ العالم بالقصيدة. كلُّ بيتٍ فيه نزف، وكلُّ كلمةٍ فيه حريق، وكلُّ صورةٍ فيه بستانٌ من الرماد ينبتُ منه عشبُ الرجاء.

هنا يلتقي الحبرُ بالدم، وتتعانقُ المنافي بالوطن، وتصبح القصيدة سيفاً لا ينكسر، وقنديلاً لا يخبو، وسراجاً يحرسُ ذاكرةَ التراب. ومن بين هذه النصوص ينهض صوتُ الشاعر ليقول: لن تموتَ البلادُ وفيها من يُغنّي لها، ولن ينطفئ التاريخُ وفيه من يُؤرّخه بالقصائد، ولن يذبح الأملُ وفيه من يحرسه بالدمع والنار.

“جحيم الأمل” شهادةُ شاعرٍ عاش على تخوم الليل، وأصرّ أن يكتب فجراً من حروفه. هو مرافعةٌ وجودية ضد العدم، واعترافٌ ممتد بأن الشعر ليس ترفاً ولا زينةً لغوية، بل هو سلاحُ الضعفاء، وملاذُ المنفيّين، وذاكرةُ المقهورين، وهو أيضاً الوعدُ الأخير بأن الغد يولد مهما كان الحاضر مثخناً بالخراب.

إنه ديوانٌ يحاور الجرحَ والنجمة، الحلمَ والمشنقة، الوطنَ والمنفى، ليعيد صياغةَ الحكاية التي لم تكتب بعد. وفي كل قصيدةٍ من قصائده نفسٌ طويل، محترق، نابض، يذكرنا أن الشعر لا يعاش في الأبراج العاجية، بل في الأزقّة المظلمة، وفي المقاهي التي تفوحُ منها رائحةُ الدخان، وفي أصوات الطيور المهاجرة التي تبحثُ عن غصنٍ لا يكسر.

فادخلوا إلى هذا الديوان كما يدخلُ العاشقُ إلى غابةٍ مجهولة: بخوفٍ وشغف، برعشةٍ وفضول.

واقرؤوا القصائد كما لو كانت آخرَ وصايا شاعرٍ يقاتل بالكلمات.

ستجدون بين صفحاته عناقيدَ حزنٍ تتدلّى من سقف الليل، وأجنحةَ أملٍ تتكسّر ثم تعود لتحلّق، ستجدون موتاً يشعلُ حياةً، وجحيماً ينبتُ ربيعاً.

هذا هو “جحيم الأمل”:

قصيدةٌ لا تُطفأ، وصوتٌ لا يختفي، ووطنٌ لا يُمحى من ذاكرة القصيدة.

ــــــــــــــــــــــ

على أبواب الزمن

 

على أبوابِ الزمنِ وقفتُ ..

أحملُ تاريخَ ميلادي ..

كما يحملُ جنديٌّ جُرحَهُ في المسير

ترنَّحتْ أعوامي كأرصفةٍ مبلَّلةٍ بالخيبة

وبين صرخاتِ حزني

كنتُ أقرأُ دموعي على

جدرانٍ تشقَّقتْ من طولِ الانتظار.

 

يا وطني …

كيف تسكنُ في صدري كعاصفةٍ لا تهدأ؟

كيف تُصبحُ اسمي حين ينادي الغريبُ على الغريب؟

وكيف تتركني وحيداً

أعدُّ أنفاسي على حبالِ المشنقة

وأكتبُ نشيدي من دخانِ سجائري المتصاعد

كأعمدةِ حزنٍ في سماءٍ بلا نجوم.

 

صرخةُ قصيدتي آخرُ ما أملك

أُطلِقُها في وجهِ الليلِ كي لا أنطفئ

أُطلِقُها في وجهِ الطغاةِ كي يعرفوا

أنَّ الأرضَ لا تموتُ

وأنَّ الحبرَ حين ينزفُ

أمضى من رصاصِهم وأبقى.

 

أنا ابنُ هذا الغياب

ابنُ هذا الرمادِ الساكنِ أكتافَ البيوت

ابنُ هذه المنافي التي لا تُشبهُ غيرَ وجعي

لكنني أقفُ كجذعِ شجرةٍ لا تنحني

أُوزِّعُ ظلالي على العابرين

وأقولُ:

لن تموتَ البلادُ وفيها شاعرٌ يحرسُ ذاكرةَ التراب.

على أبوابِ الزمنِ كتبتُ ديواني: “جحيمُ الأمل”

فكلُّ أملٍ يولدُ من رحمِ النار

وكلُّ قصيدةٍ لا تُقاوِمُ موتَها

لا تستحقُّ أن تُدعى قصيدة.

 

فامنحوني صرخةً أُعلِّقُها على جدارِ النهار

وامنحوني وطناً

يشبهُ عروقَ يدي حين تشتاقُ للغد

وامنحوني موتاً يليقُ بكرامةِ شاعرٍ

لا ينامُ إلا على صدرِ الحقيقة

ولا يصحو إلا على وعدِ الحرية.

 

هكذا أكتبُ…

لا شيءَ يوجِعُني سوى أنني ما زلتُ حيّاً

أحرسُ هذا الحلمَ الذي يتكاثرُ

كالعشبِ في قلبِ الخراب

وأقولُ للأرض:

اصبري

فإنَّ قصيدتي

ستكونُ غدكِ.

===========

لتنزيل الديوان كاملا انقر على الرابط ادناه:
P_Ednan.Bozan

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…