واسيني الأعرج تحت مجهر «سيرة النصّ المفتوح» لأماني محمد ناصر

صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب “سيرة النصّ المفتوح – رحلة واسيني من تلمسان إلى السوربون” للباحثة والكاتبة السورية أماني محمّد ناصر. وهو يمثل دراسة نقدية معمّقة تتناول المسار الإبداعي والفكري للروائي الجزائري واسيني الأعرج، أحد أبرز الأصوات السردية العربية المعاصرة، من جذوره الريفية الأولى في تلمسان إلى موقعه الأكاديمي في جامعة السوربون بفرنسا.

تسعى أماني محمد ناصر إلى قراءة تجربة واسيني ضمن مفهوم “النصّ المفتوح”، بوصفها مشروعاً سردياً لا يتقوقع في شكلٍ واحد ولا يذوب في المركزيات الجاهزة، إنّما يختبر اللغة والتاريخ والهوية في فضاء من التفاعل بين الذاكرة الفردية والجماعية.

تنطلق الدراسة من فرضية أن واسيني الأعرج أعاد عبر رواياته رسم خرائط الوطن الممزّق، وبنى من اللغة ملاذاً لألمه، ومن الرواية وطناً بديلاً للمنفى والخسارة.

يتألف الكتاب من ستة فصول رئيسة، تبدأ بسيرة الطفولة والنشأة في القرى الجزائرية، مروراً بتجربته في دمشق وتكوينه الأكاديمي في السوربون، وصولاً إلى تحليلات معمقة لموقع المرأة في عالمه الروائي، وتأثير الموروث الشعبي والثقافة السورية والعراقية والعربية عليه. كما تتوقف المؤلفة عند علاقته بالثورات العربية والجزائرية، وتبرز كيف تحوّلت رواياته إلى فضاء مفتوح للتأمل في العنف، الذاكرة، والهوية.

تكشف فصول الكتاب عن تداخل العوامل الاجتماعية والسياسية في تكوين حساسية واسيني الفنية: من طفولته في الريف وتكوينه اللغوي بين العربية والفرنسية، إلى صراعاته بين الانتماء والمنفى. وتشير الباحثة إلى أن واسيني، بتجربته الغنية، جسّد نموذج الكاتب الذي جعل من المنفى مساحة للكتابة الحرة، ومن الحكاية وسيلة للمقاومة الثقافية.

يتميّز العمل بعمق توثيقي وأكاديمي لافت، إذ يعتمد على حوارات مباشرة مع الأعرج، ويستند إلى مصادر عربية وأجنبية، ليقدّم صورة بانورامية لرحلته الإنسانية والفكرية. تنسج ناصر قراءتها بمقاربة نقدية تتقاطع فيها الدراسات السردية مع علم الاجتماع الثقافي، فتُعيد تأطير الأعرج داخل سياق الأدب العالمي، كصوتٍ عربي حمل لغته من أوجاع القرى إلى رحابة الجامعات الفرنسية.

يشار إلى أن الكتاب يقع في ٨٨ صفحة من القطع الوسط، ولوحة الغلاف للفنان الكردي العراقي عمر سيّد، وتصميم الغلاف للفنان جونا ليونارد.

ممّا جاء على الغلاف الخلفي للكتاب:

هذا الكتاب ثمرة حوار طويل، متأمّل، صبور، مع الروائي الجزائري واسيني الأعرج، ينطلق من سيرة الحياة ليتوغّل في سيرة الكتابة، يتّخذ من السؤال مدخلاً لاستخلاص ما يتوارى خلف النصوص، ويقارب التجربة الروائية بوصفها بناءً متواصلاً، لا لحظة منفصلة عن سياقها الاجتماعيّ والسياسيّ واللغويّ.

ترافق الباحثة أماني محمد ناصر الروائيَّ في ارتحالاته من قريته “سيدي بوجنان” في تلمسان إلى أحياء دمشق وأزقّتها، ومن مقاعد الدراسة في جامعة الجزائر إلى قاعات السوربون. تستنطق تفاصيل الطفولة، وتعيد طرح أسئلة التكوين الأولى: علاقة الكاتب بالقرية، بالمرأة، بالجدّة فاطمة التي كانت ذاكرة حيّة، بحقول القمح وحكايات الاستعمار، بتجربة الأب العامل والمناضل، وبالتحوّلات التي طرأت على لغته وهو ينتقل من العامية الريفية إلى اللغة العربية فإلى الفرنسية. 

كلّ مشهد من هذه المشاهد مفتاح لفهم المنابع التي خرج منها السرد عند واسيني، والتوتّرات التي عاشت في لغته، والمآزق التي واجهها حين قرّر أن يكتب في مناخ اجتماعيّ مشحون بالمحو والمنع والتباس الهويّة.

تقوم الكاتبة بتركيب صورة متعدّدة الأبعاد للروائيّ، دون استعجال الخلاصات. تعود إلى الجذور الأمازيغيّة، الأندلسيّة، الماركسيّة، وتضعها في تماسّ مباشر مع يوميّات الطفولة في قرية حدودية، عرفت مناضليها وخائنيها، شهدت الفلاحين وهم يهاجرون إلى فرنسا، وحفظت حكايات الأولياء كما حفظت خرافات الاستعمار.

“سيرة النصّ المفتوح” يقترح قراءة متأنّية لمسار روائيّ عرف كيف ينقل ألم المكان إلى الجملة، ويحوّل شظايا السير الذاتية إلى بنى سردية متعدّدة الطبقات، وهو لا يحتفي بما تحقّق فقط، بقدر ما يضع اليد على ما لم يُقل، ويمنح الحكاية صوتها من جديد.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صالح أحمد بربهاري *

 

في يوم خريفي هادىء وبينما كنت غارقاً في العمل داخل حقلي المتواضع في القرية رن جرس هاتفي وأنتشلني من دوامة الغرق تلك لأجلس وأستند الى أحد جذوع أشجار العنب والعناقيد تتدلى من فوقي ولالتقط أنفاسي ولأرد أيظاً على المكالمة التي جاءتني وما أن خرجت الهاتف من جيبي حتى وقع بصري على…

إبراهيم محمود

استهلال

دنيز وزياد ليسا خلاصة الكردية

ليسا أول الكردية

ليسا آخر الكردية

إنما تأكيد ديمومة الاسم بمعناه المشترك

في أبجدية معنى أن تكون كردياً

هما لم يمضيا إلى حتفهما

إنما إلى زحفهما

إلى مضاء عزيزتهما

لم يقولا: وداعاً يا حياة

إنما سلام عليك يا حياة

لم يتفقدا اسميهما الينبوعيين

إنما أضافا إلى نهرهما الكردي زخم خصوبة

وفي الذي أسمّيه باسمهما

باسم كل كردي يصعد…

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي…

عبد الستار نورعلي

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

 

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

 

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

* *

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

 

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في…