قلم المرأة .. قلم الحمرة.. بين حرية التعبير  وجرأة التمرد ..

كردستان يوسف

هل يمكن أن يكون قلم المرأة حراً في التعبير؟ من روح هذا التساؤل الذي  يبدو بسيطاً لكنه يعكس في جوهره معركة طويلة بين الصمت والكلمة، بين الخضوع والوعي، بين التاريخ الذكوري الذي كتب عنها، وتاريخها الذي تكتبه بنفسها الآن، فكل امرأة تمسك القلم تمسك معه ميراثاً ثقيلا ً من المنع والتأطير والرقابة، وكل حرف تكتبه يصبح فعلاً وجودياً في وجه سلطة تتقن الاختباء خلف قناع الأخلاق والذوق العام.

إن حرية القلم الأنثوي لا تبدأ من الورق، بل من قرارها الداخلي بأن لا تكون صدى لصوت آخر.

المرأة حين تكتب، لا تمارس هواية، بل تستعيد صوتها المسلوب عبر قرون، وتكتب عن الحب لتفضح الوجع، وتكتب عن الوطن لتعيد تشكيله على مقياس العدالة، وتكتب عن جسدها لتعيد إليه لغته التي صادرها الرجل باسم الحياء والدين والعرف، فالقلم بالنسبة لها ليس أداة كتابة فحسب، بل مساحة مقاومة، ونافذة على حرية مؤجلة، كل نص تكتبه امرأة، مهما بدا بسيطاً، هو شرارة صغيرة في جدار الصمت، وصوت يعبر عن أناها، ورؤيتها واحساسها وكينونتها .

وإذا كان قلم الحمرة رمزاً للجمال الجسدي، فإن قلم الكتابة هو إعلان الوجود الفكري، في الأولى ترسم المرأة ملامحها كما تريد، وفي الثانية ترسم فكرها كما تؤمن، إنهما وجهان لحرية واحدة، حرية أن تمتلك المرأة جسدها وكلمتها معا، دون وصاية أو إذن أو خوف. فحين تضع الحمرة بجرأة، وحين تكتب بصدق، فإنها لا تتزين للعالم، بل تواجهه، وتعيد تعريف أنوثتها خارج قوالب الخضوع والزينة السطحية.

لكن حرية القلم لا تتحقق في الفراغ، فثمة منظومة متشابكة من القوانين الأخلاقية والعادات المكرسة تسعى لاحتواء هذا الصوت أو نفيه، فلقد صنع الرجل عبر التاريخ قانوناً خفياً يحكم ما يمكن للمرأة قوله وما يجب أن تصمت عنه، قانوناً يخلط بين الحياء والقمع، وبين الأخلاق والسيطرة، لذلك كثيراً ما تكتب المرأة بنصف صوت، وتخفي نصف جملتها خوفاً من أن تحاكم بتهمة الجرأة، غير أن اللغة نفسها كانت دائماً ميدانها السري، حيث استطاعت عبر الرموز والاستعارات أن تقول كل ما لا يقال، وأن تمرر الألم في صورة، والرغبة في استعارة، والتمرد في قصيدة.

إن حرية المرأة في الكتابة لا تمنح، بل تُتزع. فحتى حين تمنحها العائلة الثقة، يبقى المجتمع يترصدها بعين الريبة، والعائلة قد تفتح لها الباب، لكن المجتمع يحصي عليها أنفاسها، ورغم ذلك فإن كل نص تكتبه امرأة يشق طريقاً جديداً نحو وعي أكثر جرأة، نحو عالم يرى في الكلمة فعلا ًإنسانياً لا تهديداً أخلاقياً.

القلم الحر ليس سلاحاً ضد الرجل، بل ضد النسيان والتهميش والانكار،  فكما استخدمت القوى المسيطرة عبر التاريخ الحروب لإحراق المكتبات وتدمير الأرشيفات ومسح الجغرافيا وإعادة كتابة التاريخ بما يخدمها، كذلك سعى الذكور عبر اللغة إلى محو ذاكرة المرأة.

لكن ما لا يمكن إحراقه هو الحكاية التي تعيش في القلب، تلك الحكايات التي تتحول حين تكتبها المرأة إلى وثائق حيّة، إلى أرشيف إنساني لا تستطيع القنابل تدميره.

القلم الحر هو أرشيف خالد، لأنه يحفظ الذاكرة ويمنحها شكلاً يقاوم العدم، فحين يكتب الشاعر بلغته الأم المحظورة، أو تدون المرأة حكاية جرحها، فإنهما لا يبدعان فناً فقط، بل يوثقان وجوداً، و الكتابة بهذه الحالة ليست استعراضاً، بل دفاع عن حق الإنسان في أن يتذكر نفسه، هي مقاومة ناعمة ضد طمس الهوية، وتاريخ بديل يكتبه المهمشون والمقموعون بأصواتهم الخاصة.

قد تبدو الكلمة ضعيفة أمام السلطة، لكن قوتها تكمن في قدرتها على البقاء، يمكن للنار أن تحرق الورق، لكنها لا يمكن ان تحرق الفكرة، يمكن للسجن أن يعتقل الجسد، لكنه لا يوقف الحلم.

في النهاية كل مقال صادق، كل قصيدة جريئة، كل نص يواجه القبح بالصدق، هو شرارة مضيئة في وجه الظلام والعتمة.

المرأة التي تكتب بحرية تخلق ذاكرة جديدة للعالم،  فحين تعبر عن جسدها بروحها، أو عن روحها بجسدها، فهي لا تبحث عن فضيحة، بل عن اعتراف إنساني بحقها في أن تكون كاملة، واللغة الرمزية التي تستخدمها ليست قناعاً، بل أداة بقاء، تفتح بها طريقاً في جدار المنع دون أن تصطدم به.

يبقى القلم الأنثوي دليلاً على أن الحرية لا تموت، وأن الذاكرة مهما حاولوا طمسها ستجد دائماً من يكتبها، فكل امرأة تكتب بصدق تضيف لبنة إلى أرشيف الحرية الإنساني، وما دام هناك قلم ينبض على الورق أو على الشفاه، فإن العالم لن يصمت أبدا، لأن الكلمة الحرة سواء خرجت من فم امرأة أو من قلبها تظل الأثر الأكثر بقاء في وجه كل أشكال القمع والنسيان.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…