الحاج صالح أحمد جتو: رجل الكرم والنضال

يسر موقع ولاتى مه أن يقدم إلى قرائه الأعزاء هذا العمل التوثيقي القيم بعنوان (رجال لم ينصفهم التاريخ)، الذي ساهم الكاتب : إسماعيل عمر لعلي (سمكو) وكتاب آخرين في تأليفه.

رفوف كتب

وسيقوم موقع ولاتى مه بالتنسيق مع الكاتب إسماعيل عمر لعلي (سمكو). بنشر الحلقات التي ساهم الكاتب (سمكو) بكتابتها من هذا العمل، تقديرا لجهوده في توثيق مسيرة مناضلين كورد أفذاذ لم ينالوا ما يستحقونه من إنصاف وتقدير في صفحات التاريخ.

إن هذا الكتاب يمثل جهدا جماعيا لإحياء الذاكرة الوطنية الكوردية وتخليد رموزها الذين سطروا ملاحم العطاء والتضحية، كما يأتي نشره على حلقات في إطار التزامنا الثقافي بتقديم محتوى توثيقي رصين يربط الأجيال بماضيها النضالي المشرف.

من خلال هذا المشروع، يسعى ولاتى مه إلى أن يكون جسرا بين القارئ والتاريخ الحي، وفاء لرجال حملوا راية الحرية بإيمان وصبر، وأثبتوا أن الكلمة الصادقة قادرة على إبقاء الذاكرة حية مهما طال الزمن.

ادارة (ولاتى مه)

=============

الحاج صالح أحمد جتو: رجل الكرم والنضال

سمكو عمر لعلي

المقدمة

في صفحات التاريخ، تظل بعض الأسماء خالدة بفضل ما قدمته من مواقف مشرفة، وما جسدته من قيم نبيلة. ومن بين تلك الشخصيات، يبرز اسم الحاج صالح، صالح أحمد جتو، المعروف بـ صالح حجي محو، ابن قرية كنكلو الواقعة في المثلث الحدودي التابع لمدينة ديرك. لم يكن مجرد رجل عادي في مجتمعه، بل كان رمزًا للكرم والشهامة والمواقف الوطنية التي ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال.

لقد نشأ الحاج صالح في بيئة تربى فيها على قيم العطاء والضيافة، إذ كان والده، الحاج محو، من أشهر رجال الكرم والأخلاق في المنطقة. وحين شبّ صالح، لم يكن أمامه سوى السير على خطى والده، ليكمل مسيرته الحافلة بالبذل والتضحية. ومنذ صغره، لمع اسمه بين أبناء قريته، ليس فقط بفضل كرمه، ولكن أيضًا لمواقفه المشرفة في دعم القضايا العادلة ومساعدة المحتاجين، حتى أصبح بيته ملاذًا لكل من تقطعت به السبل، ومنبرًا لدعم الثورات الكردية في مراحلها المختلفة.

النشأة والتكوين

ولد الحاج صالح عام 1951 في قرية كنكلو، ليجد نفسه محاطًا بقيم الكرم والجود، فقد كان والده، الحاج محو، رجلًا مضرب المثل في حسن الضيافة والتعامل الكريم مع الآخرين. لم يكن الكرم في بيتهم مجرد صفة، بل كان أسلوب حياة، فكان منزلهم عامرًا بالضيوف، وسفرته لا تخلو من الطعام. ترعرع صالح في هذه البيئة، فشرب من معينها وتشرّب هذه القيم حتى أصبحت جزءًا من شخصيته.

كبر صالح وأدرك أن عليه أن يحمل إرث والده، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل تجاوز حدود الكرم العائلي ليصبح داعمًا للثورات الكردية، وسندًا لكل من احتاج إلى مساعدة. وفي فترة شبابه، بدأ يلعب دورًا بارزًا في دعم الحركات التحررية الكردية، حيث لم يكن بيته فقط مكانًا للضيافة، بل أصبح أيضًا محطة للثوار والمناضلين الذين كانوا يجدون فيه الأمان والراحة.

دوره في دعم الثورات الكردية

لم يكن الحاج صالح مجرد شخص كريم يفتح بيته للضيوف، بل كان داعمًا حقيقيًا للثورات الكردية، وخاصة ثورتي أيلول وكولان، حيث قدّم الدعم المادي والمعنوي لهما. كان من بين الرجال الذين استقبلوا البيشمركة في منزله، ووفّر لهم المأوى والإمدادات الضرورية لمواصلة نضالهم.

وعندما زار الرئيس مسعود البارزاني العاصمة السورية دمشق عام 1986، كان الحاج صالح من بين الشخصيات التي حظيت باستقباله، حيث كانت تربطه به علاقة قوية، وكان يلتقيه كلما زار دمشق. لم تكن تلك مجرد لقاءات عابرة، بل كانت دليلًا على مكانته بين الشخصيات البارزة في دعم القضية الكردية.

لم يقتصر دعمه على الثوار فحسب، بل امتد ليشمل كل من يحتاج إلى مأوى أو مساعدة، ففي عام 1974، حين لاحقت السلطات الأمنية السورية الفنان الكبير محمد شيخو، لجأ الأخير إلى منزل الحاج صالح، حيث مكث عنده حتى تمكن من الانتقال لاحقًا إلى كردستان العراق عبر الشاعر عمر لعلي. وكان للحاج صالح دور بارز في تسهيل هذا الانتقال، إذ لم يتردد لحظة في تقديم المساعدة رغم المخاطر التي كانت تحيط به.

وفي عام 1975، عندما لجأ العديد من الأكراد العراقيين إلى سوريا بعد انهيار الثورة، لم يكن الحاج صالح متفرجًا على معاناتهم، بل كان من أوائل الذين قدموا لهم المساعدة. وحتى أشجار الحور التي كانت ملكًا له، لم يتردد في التضحية بها حين طلب منه الشاعر عمر لعلي استخدامها لبناء مساكن اللاجئين. لقد كان رجلاً يرى في العطاء واجبًا، وليس مجرد فعل تطوعي.

منزل الحاج صالح: مأوى للثوار والمحتاجين

كان منزل الحاج صالح أشبه بحصن آمن لكل من احتاج إلى مأوى. لم يكن يميز بين شخص وآخر، فكل من جاء إليه وجد فيه قلبًا رحيمًا ويدًا سخية. لم يكن بيته فقط ملجأً للبيشمركة، بل كان أيضًا مكانًا لتأمين احتياجاتهم المختلفة، من طعام ولباس ومستلزمات أخرى.

وكان لنهر السفان، الذي يمر عبر قريته، دور مهم في استضافة الضيوف والمسافرين، حيث كان منزله القريب من النهر يشكل محطة استراحة لهم. لقد كان وجوده في هذه المنطقة الجغرافية الحساسة سببًا في تحوله إلى شخصية محورية في دعم الحركة التحررية الكردية.

وفاته وحزن المنطقة عليه

للأسف، لم يُكتب للحاج صالح أن يعيش طويلًا، حيث وافته المنية عام 1991 إثر حادث اجتماعي مؤسف، ليترك فراغًا كبيرًا في قلوب كل من عرفه. لقد كان رحيله صدمة لأبناء المنطقة، الذين بكوه بحرقة، إذ لم يكن مجرد رجل كريم، بل كان أبًا وأخًا وسندًا لكل من احتاج إليه.

لقد بقيت سيرته العطرة حاضرة في ذاكرة الأجيال، وما زال الناس يروون قصص كرمه وشهامته ونضاله، مؤكدين أن أمثاله لا يُنسَون، بل يخلدهم التاريخ بفضل أفعالهم النبيلة.

الخاتمة

إن الحديث عن شخصية مثل الحاج صالح .صالح أحمد جتو لا يمكن أن يختزل في كلمات قليلة، فهو كان رمزًا للكرم، ونموذجًا للإنسان الذي لم يتوانَ عن تقديم المساعدة لكل محتاج. لم يكن مجرد داعم للثورات الكردية، بل كان جزءًا منها، حيث قدم كل ما يستطيع في سبيل القضية الكردية، غير مبالٍ بالمخاطر التي قد تحيط به.

وحتى بعد رحيله، بقيت ذكراه حيّة في قلوب كل من عرفه، وستظل قصصه تُروى للأجيال القادمة، ليبقى اسمه خالدًا في ذاكرة المخلصين. رحم الله الحاج صالح، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خيرًا عن كل من أحسن إليهم خلال حياته.

المعلومات من ابن اخيه بهمن

كوردستان:هولير11/2/2025

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…