من يوميات عيادتي «رحلة مريضتي: من الكواليس إلى النجومية»

 د. فاضل محمود

رنّ هاتفي، وعلى الطرف الآخر كانت فتاة. من نبرة صوتها أدركتُ أنها في مقتبل العمر. كانت تتحدث، وأنفاسها تتقطّع بين كلمةٍ وأخرى، وكان ارتباكها واضحًا.

من خلال حديثها الخجول، كان الخوف والتردّد يخترقان كلماتها، وكأن كل كلمة تختنق في حنجرتها، وكلُّ حرفٍ يكاد أن يتحطّم قبل أن يكتمل، لدرجةٍ خُيِّلَ إليَّ أنها تخشى حتى صدى صوتها.

​عرّفتني بنفسها بلطف، وأخبرتني بأنها ترغب في زيارة العيادة بناءً على نصيحة أفراد عائلة سبق أن عالجوا أسنانهم عندي. رحّبتُ بها، وقلت بهدوء: «تفضّلي… أنا أسمعك.»

تلعثمت كلماتها للحظة قبل أن تتحدث، ثم قالت بصوت منخفض:

«دكتور فاضل، أسناني تحتاج إلى معالجات كثيرة. راجعت أكثر من طبيب، لكنني لم أستمر في المراجعات. كلما عزمت على زيارة عيادة أسنان، أتراجع في اللحظة الأخيرة. أخاف جدًا من أدوات الأسنان، وحتى صوتها يُربكني. نصحوني بمعالجتها أولًا، ومن ثم التفكير في

«ابتسامة هوليوود (Hollywood Smile)»

لكنني مترددة وخائفة. عندي فوبيا حقيقية من علاج الأسنان.»

حاولتُ تهدئتها قائلًا:

«دعينا نتفق على شيءٍ واحد، الحديث عبر الهاتف لن يفيد. من الأفضل أن تراجعي العيادة لأكشف على أسنانك، ثم أشرح لكِ طريقة العلاج بالتفصيل. وإن لم تقتنعي، فلن نبدأ العلاج نهائيًا.»

سمعتُ في صوتها ارتياحًا خافتًا: «أكيد، دكتور.»

فأكّدتُ لها بصوتٍ هادئ:

«كل شيء سيكون كما تشائين، لا تقلقي.»

ترددت للحظة، كأنها تزن خوفها من جديد مقابل رغبتها الملحة في إنهاء معاناتها من ألم الأسنان.

ثم خرجت كلماتها متذبذبة، تتأرجح بين ارتباكها وجرأتها: «دكتور… متى يمكنني الحضور؟»

أجبتها بجدية صارمة، قبل أن تتراجع عن قرارها: «سأسلّم الهاتف للسكرتيرة لتنسّق معك موعد المراجعة.»

لم أكن أعلم أن تلك المكالمة البسيطة، في هدوئها الظاهر، ستفتح أبواب قصة مليئة بالمفاجآت.

بعد أيام، وقبل موعدها المحدد بأكثر من ساعة، وبينما كنت أودّع أحد مرضاي عند مدخل المركز، انفتح باب المصعد وخرجت منه فتاة بكامل أناقتها وكبريائها، طويلة القامة، رشيقة، ذات حضور وكاريزما وقورة.

ترافقها سيدة تكبرها سنًا، تبين لي لاحقًا أنها والدتها.

 سلَّمتا عليَّ، هي ووالدتها، وذكّرتني بنفسها. لم أصدق في البداية أنها هي ذاتها؛ فقد تخيّلتها هزيلة، منحنية الظهر، وبمظهر متواضع، استنادًا إلى انطباعي عنها من مكالمتها السابقة. رحبت بهما وفتحت لهما الطريق نحو صالة الانتظار.

قبل أن تدخل العيادة، لمحتها مضطربة. كانت تسأل مرضاي أسئلة مختلفة، كأنها تبحث في كلماتهم عما يشجعها.

كانت والدتها تمسك بيدها بإحكام، كأنها تخشى أن تنزلق من قبضتها في لحظة خوف.

تقدمت بخطوات خافتة، كل خطوة تُثقلها ارتباكًا داخليًا، حتى استقرت على كرسي الأسنان.

تشابكت يداها فوق ركبتيها، وعيناها تلاحقان  كل حركة في العيادة بقلق متزايد.

بدأت والدتها بسرد حالتها بصوت يفيض بالرجاء:

“دكتور، لا تؤاخذنا… ابنتي خائفة، وهي تعاني من مشاكل بأسنانها منذ سنوات، ولولا مدح جيراننا لعملك، وتعاملك اللطيف وتشجيعهم، لما تجرأت على المجيء اليوم.

لقد عالجت أسنان ابنتهم منذ فترة طويلة،

وما شاء الله، أصبحت أسنانها جميلة جدًا…

أرجو أن تعالج أسنان ابنتي بنفس الاهتمام.”

رحبت بهما بابتسامة هادئة.

كانت عيناها تتجولان في العيادة، تراقبان كل زاوية وكل جهاز، وكأنها تهمس لنفسها: “كل هذه الأجهزة ستعالج أسناني.”

بعد أن أجريت الفحص السريري والأشعة، لم أستطع إخفاء دهشتي من مدى الإهمال الذي طال أسنانها.

شرحت لهما بهدوء أنها ستحتاج إلى عدة جلسات،

لكن النتيجة ستكون ابتسامة هوليوودية مشرقة.

أومأتا برأسيهما معًا.

كانت عيناهما تحملان موافقةً ضمنية، كأنهما تقولان بصمت: «المهم أن تتعالج، وبلا ألم».

بدأنا العلاج. كانت تفتح فمها بصعوبة، كأنها تخوض معركة صغيرة بين خوفها ورغبتها في الشفاء.

مع كل خطوة، كنت أطمئنها بصوت هادئ وأبدأ بمعالجات بسيطة، وأسألها بلطف: «هل تشعرين بألم؟»، فتهز رأسها نفيًا، وكأنها تستمد جرعة إضافية من الشجاعة لمواصلة العلاج.

 في اختصاصنا، لا يكفي أن نعالج الأسنان فحسب، بل أحيانًا يحتاج الأمر إلى لمسةٍ من علم النفس أيضًا.

فالعديد من المرضى لا يؤجّلون العلاج إهمالًا، بل خوفًا في أغلب الأحيان.

لذلك، أُفَضِّل أن تكون الجلسة الأولى مخصَّصة لإجراء معالجاتٍ بسيطة، كي يتجاوز المريض حاجز الخوف، ويتخطّى فوبيا العيادة تدريجيًا، فيتكوَّن لديه شعورٌ بالثقة والاطمئنان.

وهكذا بدأتُ مع مريضتي هذه بخطواتٍ هادئة وجلسةٍ خفيفة.

مع نهاية الجلسة الأولى، ارتسمت على وجهها ابتسامة صادقة، كأنها اقتنعت بأن القليل من التعاون والصبر سينهيان معاناتها مع الأسنان.

غادرت العيادة مطمئنة، مؤكدةً موعدها القادم، ومنذ ذلك الحين، التزمت بمواعيدها وبالتعليمات الطبية بكل دقة.

ومع كل جلسة، بدأ قلقها يتلاشى شيئًا فشيئًا.

تحوّل القلق إلى ارتياح، ثم إلى ضحكةٍ صغيرة تتلوها ثقةٌ متنامية، يومًا بعد يوم.

تحسّن وضع أسنانها بشكلٍ ملحوظ. حتى إن والدتها لاحظت ذلك في المنزل ، وروت لي كيف أصبحت ابنتها تتلهف لموعدها القادم وتنتظر كل جلسة بفارغ الصبر.

واصلنا العلاج خطوة بخطوة، بهدوء وصبر، حتى انتهينا من كل المعالجات.

وفي اليوم الأخير، بعد تركيب تلبيساتها الجديدة، وقفت أمام المرآة. فجأة قفزت فرحةً كطفلة صغيرة، لا تصدّق جمال وبريق أسنانها.

 ثم قالت بصوتٍ مفعمٍ بالامتنان: «شكرًا…شكرًا…شكرًا!» كررتها عدة مرات وهي تضحك من قلبها.

ثم نظرت إليّ وقالت: «دكتور ، لم أكن أتخيل أنني سأتجاوز خوفي يومًا… شكرًا لأنك جعلتني أبتسم دون أي تردد.»

شكرتني والدتها أيضًا، ثم خرجتا، والابتسامة لم تفارق وجهيهما.

وفي الواقع، لم تمضِ مدة طويلة حتى جاءني عدد من المرضى من قبلِهما، وأخبروني بأنها هي من شجّعتهم على المجيء.

بعد مرور أكثر من عام، فوجئتُ باتصالٍ منها.

توترتُ وهمستُ في سري: أيعقل أنها عادت لتشكو ألمًا في أسنانها؟

لكنّني كنتُ مخطئًا في ظني.

جاءني صوتها مغايرًا تمامًا: قويٌّ، جهوريٌّ، ومفعمٌ بالثقة.

«مساء الخير دكتور فاضل، كيف حالكم؟ هل تذكرتني؟»

أجبتها مؤكّدًا: «طبعًا أتذكّرك… وكيف حالك أنتِ؟»

ردّت بحماسٍ يفيض اعتدادًا بنفسها:

«أنا بخير، بل ممتازة! وفي الحقيقة، لدي طلبٌ صغير… أرجو أن تقبله.»

قلت لها بهدوء واهتمام: «تفضّلي، ما هو؟»

قالت بصوتٍ مليءٍ بالحيوية:

«أرجو أن تكون ضيفًا في برنامجي.»

تملّكني الاستغراب، فقلتُ بدهشة: «برنامج،  ماذا تقصدين؟»

ضحكت بخفة، ونبرة حماسها تسللت عبر الهاتف إلى أذني:

«هل حقًا لم تشاهد برنامجي التلفزيوني بعد؟»

«دكتور، أنا الآن مذيعة في أحد البرامج المهمة.»

«ويشرفني أن أستضيفك، فلَك فضلٌ كبير عليّ لن أنساه أبدًا.»

تجمّدتُ لحظةً وأنا أستمع، غير مصدّق تمامًا ما أسمعه.

اقترحت هي أن ترسل لي رابط برنامجها لأشاهده وأتعرّف على طبيعة الأسئلة.

في ذلك المساء، عدتُ إلى البيت وفتحت الرابط. وما إن بدأت الحلقة حتى اجتاحني شعور  بالدهشة: ها هي فعلًا أمام الكاميرا.

المريضة التي كانت ترتجف يومًا على كرسي العلاج، تجلس الآن كمذيعة محترفة. تتحدث بثقة لا تتزعزع، وتبتسم ابتسامة مشرقة، كأنها تتعمد إظهار أسنانها ، متباهية بها.”وتخاطب الملايين بصوتٍ مفعم بالجرأة.

تأملتُها وأنا أستمع إليها، وكأن صدى صوتها يعيدني بالزمن إلى أول زيارة لها لعيادتي… كيف كانت، وكيف أصبحت؟

تنهدت ببطء، وغمرتني سعادة تدفقت في كياني.

تمتمت في سري:

 «يا الله… كيف تنسج الأيام خيوط الثقة من نسيج الخوف…»

                                **

ملاحظة: لقد عدلت صياغة بعض التفاصيل احترامًا لأخلاقيات المهنة ولم أذكر اسم المريضة حفاظًا على خصوصيتها.

                         

هولير: 12.12.2025

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…