يسر موقع ولاتى مه أن يقدم إلى قرائه الأعزاء هذا العمل التوثيقي القيم بعنوان (رجال لم ينصفهم التاريخ)، الذي ساهم الكاتب : إسماعيل عمر لعلي (سمكو) وكتاب آخرين في تأليفه.
وسيقوم موقع ولاتى مه بالتنسيق مع الكاتب إسماعيل عمر لعلي (سمكو). بنشر الحلقات التي ساهم الكاتب (سمكو) بكتابتها من هذا العمل، تقديرا لجهوده في توثيق مسيرة مناضلين كورد أفذاذ لم ينالوا ما يستحقونه من إنصاف وتقدير في صفحات التاريخ.
إن هذا الكتاب يمثل جهدا جماعيا لإحياء الذاكرة الوطنية الكوردية وتخليد رموزها الذين سطروا ملاحم العطاء والتضحية، كما يأتي نشره على حلقات في إطار التزامنا الثقافي بتقديم محتوى توثيقي رصين يربط الأجيال بماضيها النضالي المشرف.
من خلال هذا المشروع، يسعى ولاتى مه إلى أن يكون جسرا بين القارئ والتاريخ الحي، وفاء لرجال حملوا راية الحرية بإيمان وصبر، وأثبتوا أن الكلمة الصادقة قادرة على إبقاء الذاكرة حية مهما طال الزمن.
ادارة (ولاتى مه)
======
نوري علي الياس (أبو صلاح) – سيرة مناضل كردي لم يعرف الاستسلام
سمكو عمر لعلي
المقدمة
في تاريخ الحركات السياسية الكوردية، هناك أسماء برزت نتيجة تضحياتها، إخلاصها، وإصرارها على تحقيق أهدافها رغم قساوة الظروف. أحد هذه الأسماء هو نوري علي الياس، الملقب بـ نوري شرنخي أو نوري عيشة، والذي شكّل نموذجًا نضاليًا بارزًا عبر مسيرته الطويلة. ولد عام 1932 في منطقة قرى شرنخ الواقعة في كوردستان الشمالية، وعاش طفولة صعبة انتهت به إلى الهجرة إلى سوريا مع والدته وأخواته وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.
لقد شكّلت البيئة التي نشأ فيها نوري علي الياس، والحالة السياسية المضطربة التي شهدتها المنطقة الكوردية خلال القرن العشرين، عوامل أساسية في تشكيل وعيه السياسي وانخراطه في العمل الحزبي الكوردي، حيث انتسب إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سوريا، ثم واصل نضاله بعد الانشقاقات السياسية ضمن الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا (البارتي). لم يكن نضاله مجرد انتماء شكلي للحزب، بل كان مناضلًا لا يكلّ ولا يملّ، صلبًا في مواقفه، دقيقًا في متابعته لكل كبيرة وصغيرة، ولا يسكت عن الأخطاء سواء على نفسه أو على رفاقه.
الهجرة إلى سوريا: بداية رحلة النضال
بعد أن اضطر إلى مغادرة مسقط رأسه في شرنخ وهو في سن المراهقة، وجد نوري علي الياس نفسه في بيئة جديدة، لكن هذه الهجرة لم تكن نهاية مشاكله، بل بداية تحديات جديدة، حيث نشأ في بيئة زراعية قاسية في قرية قصر الديب، وعمل في الزراعة والفلاحة لإعالة أسرته. لكنه لم يكن مجرد فلاح يسعى إلى لقمة العيش، بل كان شابًا واعيًا متابعًا للأحداث السياسية التي تعصف بالمنطقة الكوردية.
مع تزايد الاضطهاد ضد الكورد في مختلف أجزاء كوردستان، كان لابد أن يختار طريق النضال، وهو ما دفعه للانضمام إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سوريا. كان هذا الحزب في بداياته يمثل الأمل للكثير من الشباب الكورد الساعين إلى حقوقهم المشروعة، وبالنسبة لنوري، كان الحزب منصة تعبير عن تطلعاته السياسية والقومية.
الانخراط في العمل الحزبي والنضال السياسي
لم يكن نوري شرنخي عضوًا عاديًا في الحزب، بل كان نشيطًا، جادًا، وعنيدًا في الدفاع عن مبادئه. وعندما حدث الانشقاق داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سوريا، اختار مواصلة نضاله ضمن صفوف الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا (البارتي).
كان نوري يرى أن العمل الحزبي يتطلب الجدية والانضباط، لذلك لم يكن يتهاون مع أي نوع من التراخي أو الإهمال، سواء كان من نفسه أو من رفاقه. هذا الموقف جعله شخصية تحظى باحترام رفاقه، لكنه أيضًا جلب له تحديات وصراعات داخل الأوساط الحزبية، حيث لم يكن يتردد في نقد الأخطاء وتصحيح المسار.
رفاق دربه: جيل ذهبي من المناضلين
خلال مسيرته النضالية، كان نوري شرنخي محاطًا بجيل من المناضلين الذين تركوا بصماتهم في التاريخ الكوردي. لقد عمل جنبًا إلى جنب مع شخصيات بارزة مثل:
رشيد عمر (أبو خنجر)
محمد شيرو (أبو عثمان)
عبدالله لوند (أبو عبيد)
صوفي عمر
خليل حجي كوفي (أبو هوشنك)
أكرم (أبو قهرمان)
حسن صوفي (أبو عكاش)
هؤلاء المناضلون كانوا يشكّلون جزءًا من جيل ذهبي، عمل بإصرار في ظروف صعبة دون أن يفقد الأمل أو يتراجع عن مبادئه. لقد كانوا نموذجًا للعمل السياسي والنضالي الصادق، واستطاعوا تجاوز الكثير من العقبات رغم قلة الإمكانيات.
مواقفه السياسية وصلابته في الدفاع عن المبادئ
عُرف نوري شرنخي بمواقفه الصارمة تجاه أي تقصير أو انحراف داخل العمل الحزبي، حيث لم يكن يتسامح مع التراخي أو الفساد السياسي، وكان دائمًا على استعداد للمواجهة في سبيل المبادئ التي آمن بها. لم يكن يسعى إلى المناصب أو المصالح الشخصية، بل كان يرى أن النضال يجب أن يكون خالصًا لحقوق الشعب الكوردي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
الالتزام الحزبي بين الواجب العائلي والانضباط التنظيمي
قصة يرويها لنا ابنه صلاح
في عام 1983، كنت طالبًا في مرحلة البكالوريا(السادس الاعدادي)، وعضوًا في الحزب ضمن الهيئة الطلابية في مدينة ديريك. كنت ملتزمًا بالضوابط التنظيمية، وأدرك جيدًا أن لكل هيئة حزبية اجتماعاتها المستقلة، ولا يجوز تجاوز الحدود التنظيمية بين الفروع المختلفة.
ذات مساء يوم خميس، عدت إلى قريتنا بعد أسبوع من الدراسة، فاستقبلني والدي وقال لي بحزم:
“يا صلاح، لدينا الليلة اجتماع حزبي، ويجب أن تحضر معي لتقرأ لنا تقرير الحزب وتشرح ما ورد في Dengê Kurd (صوت كورد)، الجريدة الحزبية.”
نظرت إليه باستغراب وقلت له بكل احترام:
“لا يجوز لي تنظيميًا أن أحضر معكم الاجتماع، فلكل هيئة اجتماعاتها المستقلة.”
لكن والدي، الذي كان يدرك أهمية فهم أعضاء الحزب للقرارات والتوجيهات لانهم كانو لا يجيدون القراءة والكتابه، ردّ قائلاً:
“تعال إلى الاجتماع، وبعدها اذهب إلى هيئتك واكتب في تقريرك ماشئت .”فنفذت ما طلب مني والدي لحضور الاجتماع ..
ولكن لم يكن أمامي سوى الالتزام بمبادئي التنظيمية بعدها، فاعتذرت منه قائلاً:
“والله سأكتبها في اجتماعنا الحزبي القادم، فهذا خرق تنظيمي لا يمكن تجاوزه.”
وبالفعل، ذهبت إلى هيئتي وكتبت تقريرًا مفصلًا عن هذا الخرق التنظيمي، موضحًا فيه ما حدث بالتفصيل. لم يمر وقت طويل حتى التقى والدي، بعد أسبوع، بالمرحوم اكرم”أبو قهرمان” المسؤل الحزبي لهم في مدينة ديرك ، حيث دار بينهما حديث حول الموضوع.
قال له الرفيق اكرم أبو قهرمان معاتبًا بلطف:
“ماذا تفعل يا أبا صلاح؟ تأخذ صلاح ليقرأ لكم التقرير والجريدة الحزبية؟ ألا تعلم أن هذا خرق تنظيمي؟”
أجابه والدي، بابتسامة تنم عن واقعيته وحكمته:
“بلى، أعلم أنه خرق تنظيمي، لكن الا تعلم ان هيئتنا جميعاً لا يجيدون القراءة والكتابه ، لو لم يكن صلاح موجودًا، ليقرأ لناالتقرير ساطلب هذا من شخص آخر ربما من حزب آخر؟ لماذا لم تعينون شخصًا مثقفًا ضمن هيئتنا ليقرأ لنا التقارير والمنشورات الحزبية؟”
ضحك الاخ اكرم أبو قهرمان وقال له بصدق:
“والله ما قصّرت يا أبا صلاح!”
رحمهم الله جميعًا، فقد كانوا رجالًا مخلصين لحزبهم، حريصين على مبادئهم، حتى وإن اختلفت طرقهم في التعامل مع القوانين التنظيمية.
وفاته وإرثه النضالي
رحل نوري علي الياس عن هذا العالم في 25 نيسان 2011، لكنه ترك وراءه إرثًا نضاليًا يتذكره كل من عرفه. لقد عاش مناضلًا مخلصًا، لا يلين أمام الصعاب، ولم يتراجع عن مبادئه حتى آخر لحظة في حياته. إن ذكراه لا تزال حية في وجدان رفاقه وأبناء قريته، فهو مثال للمناضل الذي لم يبحث عن المجد الشخصي، بل عن مستقبل أفضل لشعبه.
الخاتمة
إن سيرة نوري علي الياس (أبو صلاح) ليست مجرد قصة فردية، بل هي حكاية جيل كامل من المناضلين الذين كافحوا في أصعب الظروف، ورفضوا الاستسلام رغم التحديات الجسيمة. لقد كان مناضلًا حقيقيًا، عاش ومات من أجل قضيته، وبقي اسمه محفورًا في ذاكرة كل من عرفه.
رحمة الله عليه وعلى جميع رفاق دربه، ونور على أرواحهم الطاهرة.
المعلومات من ولده صلاح
كوردستان:هولير
10/2/2025