علي حاج موسى أحمد المناضل المنسي

يذكرنا الرجل الإنسان، المفعم بالإنسانية والقيم النبيلة علي حاج موسى بالمقولة الكردية المأثورة: “Hin dikin û hin dixwin”، أي بعضهم ينجزون والبعض الآخر يجنون ثمار إنجازاتهم.

نستطيع أن نسميه وبكل جدارة  المناضل الوفي لشعبه وأمته، لأنّه ناضل حتى أواخر مراحل عمره من أجل قضية شعبه وأمّته.

 

الولادة والمنشأ:

ولد المناضل علي موسى في مدينة ديريك لأسرة كردية بسيطة ولكنها متعرّقة الجذور في الأصالة وحبّ القومية والشعب والأمة عام ١٩٥١، أسرة مكونة من أربعة أشقاء: محمد، حسن، عبدالله بالإضافة إلى علي وأختهم الوحيدة هدية، وأصول عائلته تعود إلى مدينة خربيت في شمال كردستان حيث كان جده هوفانيس من أسرة غنية وكبيرة في ايالة كردستان، وقد تم ذكرهم ضمن مخطوطة عثمانية محفوظة في متحف استانبول واعتبار عائلتهم ضمن العشر عائلات الأكثر نفوذاً في ايالة كردستان ولكن بعد مجازر عام 1915 وهجوم الجيش العثماني  على خريبت اضطرت العائلة إلى النزوح وبقي والد علي المرحوم موسى مع أبيه الذي آثر مقاومة الهجوم العثماني مع أبناء مدينته من الكرد والأرمن بينما ذهبت أخته الوحيدة  لوسي مع أعمامهم باتجاه هايستان.

بعد مقاومة بطولية اقتحم الجيش العثماني مدينة خربيت و كان أول ضحاياه قائد المقاومة هوفانيس الذي قتله جنود العثمانيين وزوجته أمام عيني موسى الصغير الذي لم يكن قد تجاوز العاشرة من عمره، وكان هوفانيس قد وضع ابنه موسى أمانة عند أحد الضباط الكرد في الجيش العثماني من أهالي خربيت وله علاقة عائلية معهم وخاصة بعد اشتداد وعنف الهجوم العثماني على المدينة.

ترك منظر قتل والد ووالدة موسى أمام ناظريه ومن ثم حرق جسدهما أثراً عميقاً في نفس ذلك الطفل الذي كره الأتراك  وكره كل شيء يمت لهم بصلة. 

لم يطل بقاء موسى عند صديق أبيه بسبب سوء معاملة زوجته له  على الرغم من أن والد موسى كان قد أعطى زوجها مبلغاً كبيراً من المال لقاء حماية ورعاية ابنه، فاتجه الطفل موسى  نحو مدينة ديرك في العام1916 واستقر في قرية گرزيرين أول الأمر حيث تولى الشيخ الكردي أحمد رعايته إلى أن بلغ سن 18 وعندها غادر موسى گرزيرين بعد أن قدم الشكر والعرفان للشيخ أحمد، فاستقر في قرية كرزيارات آباسا وفيها تزوج أمينة صالح ابنة القرية.

كان موسى يمتلك مقدار 50 كيساً من الأراضي الزراعية وحوالي 25 كيساً في قرية خانا سري، ولكنه تعرض إلى مشاكل يومية من قبل بعض الطامعين بأرضه من أهل القرية حيث أحرقوا أرضه  وعرّضوه لشتى أنواع المضايقات ما اضطر إلى ترك أراضيه واستقر في ديرك وهو لا يملك إلا بيتاً كان اشتراه سابقاً، فعمل بائعاً متجولاً في القرى المجاورة.

في ديريك ولد علي الابن الثالث للمرحوم الحاج موسى.

تلقى علي تعليمه في مدينة ديريك وأتمّ مراحل تعليمه الابتدائية والإعدادية والثانوية فيها. في العام ١٩٦٩ اجتاز امتحانات الشهادة الثانوية، الفرع العلمي بتفوق،

يقول عنه صديقه الأستاذ جوزيف انطي:

(( كان علي موسى شعلة من الذكاء وكان متدينا يحبه كل اصدقائه)).

وكذلك يؤكد صديقه محمد خليل عثمان بدرخان حفيد الأمير بدرخان

وصديقه على مقاعد الدراسة على أنه:

(( كان شهماً شجاعاً، يحب قوميته  الكردية بشكل كبير ومن الأوائل بيننا ولولا ظروفه لكن درس الطب  وبسبب تلك الظروف اضطر إلى الاكتفاء بدراسة المعهد الصحي)).

 توجه إلى دمشق بعد نيله الشهادة الثانوية و درس في المعهد الصحي،  وكان من أوائل المراقبين الصحيين في ديريك، وانخرط في العمل السياسي الكردي رفقه السياسي الكردي وابن خالته حواس حاج أحمد على عكس باقي اخوته الذين ابتعدوا عن الانخراط في الأحزاب ولكنهم كانوا مهتمين بقضايا وطنهم وشعبهم وربوا أولادهم على ذلك.

 

تعرّضه للملاحقة والاعتقال والتعذيب:

   علي حاج موسى وبكل جدارة مناضل وفيّ لشعبه وأمته لأنه تعرض للاعتقال بسبب مواقفه الوطنية والقومية للملاحقة الأمنية والمخابراتية، ومن أبرز المرّات التي تعرض فيها للاضطهاد والتعذيب:

أولاً: تعرضه إلى الاعتقال بعد زيارته إلى جنوبي كردستان بمهمة حزبية بعد أن وشى به أحد عملاء الأجهزة الأمنية، وفي المعتقل تعرّض إلى أشد أنواع العنف والتعذيب أدت إلى إصابته بارتجاج في المخ لازمه إلى آخر يوم من عمره، وهذه الإصابة كانت سبباً في تغيير حياته نحو الهمّ والعذاب وليحالفه سوء الحظ والطالع طوال العمر.

ثانياً: بعد انتفاضة شعبنا في عام 2004، واجه من جديد عنفاً أشد من العنف الذي تعرّض له سابقاً، حيث اعتقل وطُرد من وظيفته بالمشفى الوطني في مدينته ديريك لأنه كان أول كردي رفع علم كردستان فوق سطح المشفى؛ وهنا بدأت معاناته مع الفقر والعوز، وساءت حالته الصحية والنفسية أكثر.

ثالثاً: يؤكد بعض أفراد عائلته على أنه تعرض للمرّة الثالثة لظلم اجتماعي وعائلي بالإضافة إلى الاضطهاد السياسي والحزبي بالقول:

 (( لزيادة الضغط عليه وتعذيبه تمّ إجباره وهو يعاني من مرض نفسي على أثر التعذيب الوحشي الذي مورس عليه من الزواج بامرأة لم يكن يريد الاقتران بها، على الرّغم من أنه طلقها بعد تلقيه العلاج بصدمات كهربائية عام ١٩٩٢ واستعاد جزءاً من عافيته، إلا أنه أعادها إلى ذمته مرة أخرى تحت تأثير الضغط الشديد.

 

اضطهاد شعبه له:

    مع الأسف كان اضطهاد شعبه له موازياً لاضطهاد أجهزة الأمن والمخابرات، فعلى الرّغم من كل ما ذُكر عنه لم يلتفت إليه شعبنا وحتى أهل ديريك لم يكلفوا نفسهم بالحديث عنه وعن نضاله؛ وعندما تعرّض للاعتقال والتعذيب والظلم من أجلهم لم يتواصلوا معه ولم يواسوه، ما جعل حالته النفسية والاجتماعية تزداد سوءاً، لذلك اضطر بعد فصله من الوظيفة عام ٢٠٠٤ للنزوح إلى العاصمة دمشق بحثاً عن لقمة العيش له ولأفراد أسرته ولكنه لم يستطيع الاستمرار في العيش هناك أيضاً ما دفعه للتوجه مع أسرته إلى اقليم كردستان  بعد اندلاع الأزمة السّورية عام ٢٠١١ واستقروا في العاصمة هولير.

رابعاً: صحيح أن المناضل علي يئس من مساعدة شعبه له ومن خذلان أهالي ديريك له ولم يقدّروا جهوده ونضاله وإخلاصه إلا أنه لم ييأس من متابعة مسيرة نضاله من خلال زرع محبة الوطن والأرض والشعب في نفوس أولاده وأولاد إخوته كذلك، لذلك دفع ابنيه حسين وديار للانخراط في صفوف الپيشمرگة، كما ويعتبر  ابن أخيه الكاتب والمؤرخ بهجت أحمد أحد الباحثين الأكاديميين  في التاريخ الكردي القديم والحديث  بغيه إظهار التاريخ الحقيقي لشعبنا العريق، وله مؤلفات تاريخية هامة باتت بمثابة مصادر موثوقة في تاريخنا، وكذلك ابن أخيه الإعلامي معاذ أحمد.

 

رحيله الحزين

   رحل المناضل علي حاج موسى في يوم السبت الموافق ٥ كانون الثاني عام ٢٠٢٠إثر جلطه قلبية، ودفن في مقبرة “بحركه” التابعة للعاصمة هولير.

نعم، رحل بهدوء دون أن يسمع برحيله سوى أفراد عائلته وبعض المخلصين والمحبين له ولنضاله، ولم تقم أطراف الحركة السياسة الكردية والشّخصيات الحزبية والقيادة ولا منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وغيرهم المتكاثرين في مجتمعنا بتكليف نفسهم بالتواصل مع أولاده وأهله ومحبيه للقيام بواجب الدفن والعزاء والمواساة، ولم يتواصلوا مع الجهات المسؤولة والمعنية في الاقليم لنقل جثمانه إلى مدينته ديريك التي أحبّها وأهلها وأخلص لهم وضحّى من أجلهم.

لم تقم له خيمة عزاء تليق به، ولم يتسابق الآخرون على إلقاء الكلمات والخطابات في مجلس عزائه.

خير ما نختتم به  ما قاله عنه صديق طفولته وجاره الشاعر واللغوي الكردي عادل عمر سيف الدين قائلاً:

((كان علي حاج موسى يتميز بصفتين قلما يتميز بهم غيره وهما: الذكاء الشديد إلى درجة العبقرية وتدينه الصحيح والمعتدل. فقد كان وعلى الرغم من الظروف التي تعرض لها مؤمناً، تقياً وورعاً، وكان واعياً جداً لأصول وشرائع دينه، ويتمسك بها عن قناعة ورضا بالإضافة طبعاً إلى اتزانه ونضاله في سبيل قضية شعبه وأرضه ووفائه لأهله وأصدقائه)).

*الدّراسة واردة في كتاب ” رجال لم ينصفهم التّاريخ”.

*جزيل الشّكر والامتنان للمؤرخ والكاتب بهجت أحمد ولآل حاج موسى على توثيقهم للمعلومات الواردة في الدّراسة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

حِينَ تَعجِز اللغةُ المُباشِرة عن اختراقِ جُدرانِ العاداتِ المُتَصَلِّبة ، وَحِينَ يُصْبحُ الوَعْظُ ثقيلًا على الأُذُنِ والعقلِ ، تُولَد السُّخْرِيَةُ بِوَصْفِها فَنًّا للقَوْلِ غَيْرِ المُباشِر ، وَلِسَانًا يُضْحِكُ لِيُبْكي ، وَيُخْفِي الجُرْحَ في ابتسامةٍ . لَيْسَت السُّخريةُ تَرَفًا بَلاغِيًّا ، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ فِكريٌّ وأخلاقيٌّ ، وَسِلاحٌ حضاريٌّ…

هند زيتوني| سوريا

عن دار زمكان في بيروت ظهر ديوان الشاعرة المبدعة إفين حمو ” ظلّ يتيم في حقيبة يدي”، ضمن سلسلة إشراقات التي يشرف عليها الشاعر القدير أدونيس، وجاء الديوان مقسماً لأربعة أقسام، لكنه كان أشبه بأنشودة موسيقية طويلة وتراتيل صوفية متناغمة تعشقها الأذن.

وقبل أن نقرأ الديوان، نشمُّ رائحة الحنين والاغتراب. فالماضي المؤلم ما…

يسر موقع ولاتى مه أن يقدم إلى قرائه الأعزاء هذا العمل التوثيقي القيم بعنوان (رجال لم ينصفهم التاريخ)، الذي ساهم الكاتب : إسماعيل عمر لعلي (سمكو) وكتاب آخرين في تأليفه.

وسيقوم موقع ولاتى مه بالتنسيق مع الكاتب إسماعيل عمر لعلي (سمكو). بنشر الحلقات التي ساهم الكاتب (سمكو) بكتابتها من هذا العمل، تقديرا لجهوده في توثيق مسيرة مناضلين كورد أفذاذ لم ينالوا ما يستحقونه من إنصاف وتقدير…

تلقى موقع ولاتي مه، صباح اليوم، نبأ وفاة السيد عصمت نايف خاشو (أبو ديندار)، شقيق الكاتب تنكزار ماريني، والصديق فرح خاشو، ووالد الصديق ديندار خاشو، وذلك في الوطن، بعد مسيرة حافلة بالعطاء.

وبهذه المناسبة الأليمة، يتقدم موقع ولاتي مه بأحر التعازي إلى الشاعر تنكزار ماريني، وإلى الأخ العزيز ديندار خاشو، وإلى عموم…