المحامي محمودعمر
(علي بدران) هي احدى القرى الكردية تقع الى الشمال من ناحية (جل آغا) منطقة (ديركا حمكو) أخذت اسمها من شخصين يدعى الاول(علي) والثاني اخت له تدعى (بدرى) هذين الشخصين الكريمين كانا يعملان كمصلحين دينيين اجتماعيين يدعوان الناس الى مكارم الأخلاق والتمسك بالقيم النبيلة واكراما لهما سميت القرية باسميهما وما زال قبريهما شاهدين في القرية، ضمن مقرتها الكبيرة، ولها أي للقرية مكانة دينية معتبرة في عموم المنطقة منذ ايامهما والى يومنا هذا وتشكل مقبرتها مزارا يقصده العامة منذ القدم، وضمن حملات التعريب الجائرة لتغيير ديمغرافية المناطق الكردية ومسح الأسماء الأصيلة من ذاكرة الكرد، تم تعريب اسمها مرتين في الاولى الى (علي بدران) ولم يشكل ذلك حفيظة لدى أهلها لقرب التسمية المعربة من الإسم الأصل، ولكن غليل الشوفينية لم يشفى فعربت مرة اخرى الى (البدر ).

ليست لأنها قريتي ومسقط رأسي وفيها ملاعب صباي وأجمل ذكرياتي وايام سعادتي، فهي أي (علي بدران) كانت جميلة بكل المقاييس فيها كروم العنب وبساتين كافة أنواع الأشجار المثمرة فضلا عن حقول القمح والشعير والبقوليات فيها النهر والنبع وأشجار التوت التي ما زالت تزين المكان وظلت لوحدها صامدة ليومنا هذا تحارب جفاف الطقس وجشع ابن آدم .
لا يختلف الطقس في (علي بدران) في اطار هذه الظاهرة عنه في بقية قرى المنطقة، حيث يبدأ النهار بيوم ربيعي مشمس، مشرق، لا تنفر من برده، وتميل لدفء شمسه، قطرات الندى تجبر أوراق الشجر والزهر على الإنحناء لتسقط بهدوء على الأعشاب الناعمة التي كسرت قشر الأرض ورفعت رأسها بخجل للتو، كل شيء يبدو هادئا هانئا، وفجأة يجن جنون الطبيعة وتأبى الا ان تشذ عن قواعد رتابتها المعتادة، ربما لتغير فينا شيئا ما، تثور الرياح وتغير من اتجاهاتها وسرعتها في لحظات، الغيوم تتكاثف، تنقشع، تسوً د، وتسمًر، وتبيًض، يتقاتل البرق والرعد، شراراتها تبعث الهلع في نفوس كل المخلوقات، تستشعر الحيوانات الخطر قبل البشر، تضطرب حركة الطيور تصدر أصواتا مخيفة، تحتار ولا تهدأ لا تلبث ان تقع على شجرة حتى تطير مسرعة الى اخرى، تتخبط وترتطم مع بعضها احيانا في حركتها الجنونية في السماء المنخفض، الضفادع تقطع نقيقها ومعها السلاحف تغادر النهر فالوادي مسرعة نحو المرتفعات لتختبى وتحتمي بالصخور، الديك تبدأ بالصياح ومعها البط والأوز والدجاج، ترفع الأحصنة والبقر والحمير والكلاب أعناقها نحو السماء تختلط أصواتها المضطربة الخائفة مع بعضها البعض، قطعان الغنم تبدأ بثغاء النجدة يدرك الراعي هول الخطر المحدق يدفع بقطيعه مسرعا نحو القرية، انه الفيضان يصيح الراعي مدركا ذلك من كل ما يحدث من حوله في عالم الحيوان.
النهر ما زال هادئا وحدها الأسماك في النبع تهرب في جميع الإتجاهات تائهة ولكن أين المفر، ينتبه سكان القرية ينقل الأطفال نجدة الراعي الى رجالها، الكل يترك عمله ويتجه من فوره باتجاه النبع والنهر لمساعدة الراعي والعبور بالقطيع من الإتجاه الاخر للنهر قبل وصول الفيضان، نحن الأطفال كنا نسرع قبل الرجال وعلمتنا التجربة ان يدس كل واحد منا كيسا في جيبه لغاية في نفس يعقوب، يحاول الرجال ان يبعدونا عن حواف النهر حيث سيحمل معه الفيضان كل خفيف وثقيل، نجتمع في أعلى التلة (المقبرة) ونراقب هذا اليوم الجميل بكل تفاصيله من بعيد، يبدو رأس الفيضان من بعيد كجذع كبير لشجرة قديمة يتدحرج بسرعة فائقة وبحركة لولبية في مجرى النهر، يحاول الرجال ايصال القطيع الى بر الأمان قبل وصول رأس الفيضان، وان لم يحالفهم الحظ فإنهم يشكلون صفا باتجاه واحد بعرض النهر يمسك كل واحد منهم بيد الآخر، ويبدأ الأول بمسك احدى الأغنام ودفعها باتجاه الأخر وهكذا الى ان يصبح كل القطيع في ناحية القرية، يحدث احيانا ان تسقط احداها من يد احدهم فيأخذها الفيضان في مجراه، يحاول الجميع مواساة صاحبها الذي يتقبل الأمر برض، يحمل الفيض معه ومن اماكن بعيدة كل ما تراكم طيلة العام على طرفي النهر من الأغراض المنزلية والأثاث، وجثث الحيوانات واغصان الأشجار، والأحذية، وهكذا يكون حال الفيضان في كل قرية يمر بها وبالرغم مما يحمله من بعض الخسائر الا ان الناس يبدون سعداء بهذا اليوم، يستمر الفيضان في مجراه ومعه تهطل أمطار غزيرة والكثير من البرد الذي يكسو وجه الأرض بلباس أبيض، نحن الصغار نتشارك مع الدجاج في التقاط بعض حباته، ورويدا رويدا يهدأ الفيضان وتعود الحياة الى طبيعتها، تنتشر الغيوم البيضاء في السماء كقطعان خراف موسمية، تشرق الشمس من جديد يطل القوس قزح بالوانه الزاهية الجميلة الكل ينظر اليها بسعادة غامرة، صبي يقفز عليه سيتحول الى أنثى، وكل انثى في قفزتها تتحول الى صبي انها فرصة ـ هكذا تخبرنا اسطورة الكبار ـ لكي يعيش كل منا حلمه الجميل وان كانت مستحيلة، يتراجع منسوب المياه بين البساتين والحقول الموازية للنهر ليعود الى حالته الطبيعية، نحن الصغار نراقب كل ذلك لحظة بلحظة وبعد ان يسود الهدوء، تكون فرصتنا قد حانت نتسابق في النزول من التلة للبحث حول ضفاف النهر وبين الشجر والأعشاب وبرك الماء الراكدة عن الأسماك التي خانتها المياه وتركتها وحيدة تضرب بأجسادها الغضة اليابسة وقد ضلت الطريق نحو موطنها النبع والنهر، نخرج أكياسنا من الجيوب لندس فيها أكبر قدر من سمك اليابسة، بعد كل هذا الخطر، واليوم الحافل نعود نحن الصغار أكثر الرابحين بهذا الصيد ـ السهل ـ الحنيذ.
سيظل يوم الفيضان من أجمل ذكرياتي طفولتي وان لم يعد حيث اختلف الطقس ووجه القرية وحيث لم أعد طفلا، لهذا اليوم مقاربة بسيطة لعمل الثورات فهل نحن الكرد سنصيد في النهاية السمك أم ستتحقق وتتكرر فينا مقولة الأجداد من جديد بأن الكرد بصطادون السمك للناس ولآنفسهم يصطادون القطط بالرغم من اننا لم نقف على التلة وننتظر كلاعبين صغار وأبينا الى أن ندفع قراببن الشهداء على مذبح الحرية.