شيركوه محمد
عندما تُلقي باللائمة على غيرك، فأنت لا تُدين الآخر بقدر ما تُفرِّغ ذاتك من مسؤوليتها. اللوم ليس موقفًا أخلاقيًا بقدر ما هو انسحاب داخلي من الفعل، ومن السؤال، ومن الحق في أن تكون فاعلًا في مصيرك. في تلك اللحظة، يتحول الإنسان من ذاتٍ تسأل من أنا؟ إلى كائنٍ يكتفي بسؤالٍ أسهل من السبب؟. غير أن سؤال الهوية لا يبدأ من الخارج. إنه يبدأ من الداخل، من تلك الجوارح التي تئنّ من تبعاتها اليومية، وتشتكي من نتائجها، دون أن تجرؤ على مساءلة أصلها. فـ“من أنا؟” ليس سؤال معرفة، بل سؤال مواجهة.
الجسد حقيقة البداية لا نهاية الهوية، حين نعود إلى واقعنا الجسدي، نجد أنفسنا رجالًا أو نساءً بحسب تكوين بيولوجي واضح لا خلاف عليه. ومن هذا التحديد تنبثق حقوق وواجبات، أدوار ومسؤوليات. هذه حقيقة أولى، ضرورية، لكنها غير كافية فلجسد يجيب عن ما نحن، لكنه لا يجيب عن من نحن.
الهوية لا تُختزل في الأعضاء ولا تُحسم بالتصنيف. إنها تُختبر في الخوف، في الاختيار، في القدرة على تحمّل العواقب. تُختبر حين يصمت الجسد، ويتكلم الوعي.
الزاوية المظلمة حيث نُخفي ما نخشى الاعتراف به
كل إنسان يحمل زاوية داخلية يخشى الاقتراب منها. ليست لأنها شرّ، بل لأنها تكشف هشاشته. هناك تتراكم الأسئلة المؤجلة، والتناقضات، وتبريرات الصمت، وصورة مثالية عن الذات تُصرّ على أنها “الحق” أمام الآخرين، هذه الزاوية لا تبقى واحدة. مع كل مرة نؤجّل فيها الاعتراف، ومع كل مرة نبرّر الخطأ لأن مواجهته موجعة، تتحول الزاوية إلى زوايا، ثم إلى بنية نفسية كاملة. وحين نُمعن في الدفاع عن يقيننا، نبتعد أكثر عن حقيقتنا. وهنا، يصبح من الضروري أن ندرك أنه إذا كان العدل أساس الحكم، فإن الصراحة هي أساس كل شيء؛ لأنها وحدها القادرة على هدم الأقنعة قبل أن تُقيم نظامًا جديدًا من الوهم .الميراث الخفي، ما قبل الفرد الا وهو ليست كل زوايانا من صنعنا. كثيرٌ منها موروث: خوف، صمت، تعريفات جاهزة للشرف والسلطة والطاعة والنجاة. نولد داخل سرديات لم نخترها، ونقنع أنفسنا أنها “الطبيعة”. لكن الخطورة لا تكمن في الميراث ذاته، بل في عدم مساءلته. حين يتحول الموروث إلى عذر، يصبح قيدًا. وحين يصبح القيد هوية، يفقد الإنسان قدرته على التغيير.
الهوية حين تصبح مسؤولية: الأب مثالًا هنا يبلغ سؤال “من أنا؟” ذروته حين تتحول الهوية إلى مسؤولية تجاه آخرين. أن تكون أبًا لهؤلاء الأطفال، وزوجًا لأمهم، لا يعني حمل صفة اجتماعية فحسب، بل يعني أنك أصبحت حلقة في سلسلة الوجود. ما تمرّره لهم وعيًا أو خوفًا، شجاعة أو إنكارًا سيستمر بعدك.
كيف تقبل على نفسك أن يعيش أبناؤك الألم ذاته الذي عشته؟
كيف تسمح بأن يُعاد إنتاج الجرح، فقط لأنك لم تمتلك شجاعة مواجهته في زمنك؟
أن تحمي أبناءك، وأن تؤمّن لقمتهم، وأن تجعلهم أفضل منك، ليس فعل رعاية فقط؛ إنه فعل فلسفي. اعتراف بأن حياتك ليست النهاية، وأن معناها لا يكتمل إلا إذا تجاوزك من بعدك.
و الوطن حين تتحول الهوية إلى جرح سياسي، الوطن ليس جغرافيا فقط، بل شرط نفسي للكرامة.
أن تكون بلا وطن قاسٍ، لكن الأشد قسوة أن يكون لك حق فيه ثم يُسلب، أو تتركه لغيرك ليقرر مصيرك. هنا، لا يعود الصمت حيادًا، بل تنازلًا عن الوجود. وعند الإنسان الكوردي، تتضاعف المعضلة. فسؤال الهوية لم يعد فرديًا فقط، بل صار جماعيًا: هل نعيش كأفراد بلا قرار؟ أم نورّث أبناءنا وعيًا بحقهم في تقرير مصيرهم؟ تطبيع الحرمان هو أخطر أشكال الهزيمة، لأنه يحوّل الظلم من حالة طارئة إلى عادة، ومن جرح إلى هوية.
المعرفة بلا فعل كالخيانة الهادئة أن تعرف أن شيئًا ما خطأ، ثم لا تعترف به، ولا تحاول تغييره، هو أخطر أشكال التواطؤ مع الذات. المشكلة ليست في الخطأ ذاته، بل في استدامته بالصمت. بين الوعي والفعل فجوة، وفي هذه الفجوة تتآكل الكرامة، ويُعاد إنتاج الألم جيلًا بعد جيل. فبهذا تكون نقطة التحول كالتغيير شرطٌ للوجود هنا لا يعود السؤال: من أنا؟ بل يصبح: ماذا أفعل بما أنا عليه؟
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
ليست هذه الآية وعدًا سحريًا، بل شرطًا أخلاقيًا، لا تغيير في الواقع دون تغيير في الوعي، ولا تحرر في الخارج دون مواجهة في الداخل، ولا مستقبل لأبناءٍ يُورَّثون الصمت بدل المعنى.
الخلاصة تكمن في أن الوجود موقف لا تعريف و سؤال “من أنا؟” لا يُجاب بنص، ولا يُحسم بانتماء.
إنه يُجاب بالفعل: بما تحميه، بما ترفض تمريره، وبما تجرؤ على تغييره.
وعندما يدرك الإنسان والكوردي على وجه الخصوص أن وجوده ليس معطًى نهائيًا بل مسؤولية تاريخية، يتحول من كائنٍ يشتكي من المعنى إلى ذاتٍ تصنعه.
المانيا 06.01.2026