التَّرْجَمَةُ

عِصْمَتْ شَاهِينْ الدُّوسْكِي

لَيْسَتِ الكُتُبُ الَّتِي تُحْرَقُ مَا يُفْجِعُ الذَّاكِرَةَ بَلِ الَّتِي تُتْرَكُ صَامِتَةً

الأَدَبُ الكُورْدِيُّ لَيْسَ فَقِيرًا فِي إِبْدَاعِهِ بَلْ وَحِيدٌ فِي رِحْلَتِهِ

جِئْنَا لِهٰذِهِ الحَيَاةِ لِكَيْ نُغَادِرَهَا… وَلٰكِنْ هَلْ مِنَ الصَّوَابِ أَنْ نُغَادِرَ هٰذِهِ الحَيَاةَ دُونَ أَنْ نَتْرُكَ شَيْئًا لِلْآخَرِينَ…؟

كَانَ مِنْ طَبِيعَةِ هِتْلَر… عِنْدَمَا يَغْزُو مَدِينَةً… أَوَّلَ مَا يَعْمَلُهُ حَرْقُ كُلِّ الكُتُبِ… تِلْكَ الكُتُبُ الَّتِي تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا تَارِيخَ وَفُلْكْلُورَ وَتُرَاثَ ذٰلِكَ البَلَدِ وَأَعْلَامَهُ، فَكَانَ يَتْرُكُ لَهُمُ الرَّمَادَ.

هِتْلَرُ لَمْ يَكُنْ غَبِيًّا لِيَقُومَ بِهٰذَا التَّصَرُّفِ… بَلْ عَلَم أَنَّ نُورًا عَظِيمًا يَتَجَلَّى مِنْ خِلَالِ هٰذِهِ الكُتُبِ… وَفِيهَا قُوَّةٌ مَا بَعْدَهَا قُوَّةٌ تَبْقَى لِلْأَجْيَالِ سَنَدًا وَأَسَاسًا وَدَعْمًا رُوحِيًّا وَإِبْدَاعِيًّا… وَكَانَ يُشْرِفُ بِنَفْسِهِ عَلَى حَفْلَةِ حَرْقِ الكُتُبِ…

فِي السَّاحَةِ الأَدَبِيَّةِ الكُرْدِيَّةِ… كُتَّابٌ وَشُعَرَاءُ مُبْدِعُونَ… أَعْمَالُهُمْ تَغْفُو عَلَى الرُّفُوفِ، مُكَدَّسَةً، يَتَرَاكَمُ عَلَيْهَا الغُبَارُ… يَا تُرَى لِمَاذَا لَا تُتَرْجَمُ أَعْمَالُ الأُدَبَاءِ الكُورْدِ المُتَمَيِّزِينَ إِلَى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ…؟ لِيَطَّلِعَ عَلَيْهَا العَرَبُ والعالم بِصُورَةٍ عَامَّةٍ وَالعِرَاقِيُّونَ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ… الفُلْكْلُورُ وَالتُّرَاثُ وَالتَّارِيخُ الأَدَبِيُّ الكُرْدِيُّ… أَزْخَرُ بِالمَلَامِحِ وَالأَسَاطِيرِ وَالقِصَصِ الوَاقِعِيَّةِ الرَّائِعَةِ، وَالإِبْدَاعَاتِ الفِكْرِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهٰذَا الإِنْسَانِ المُرْتَبِطِ بِهٰذِهِ الأَرْضِ وَيَسْكُنُ فِي جَسَدِهِ الحُبُّ وَالأَلَمُ… لَيْسَ الكُتُبُ الَّتِي مَر عَلَيْهَا الزَّمَنُ مُرُورَ الكِرَامِ فَقَطْ، بَلِ المُعَاصِرِينَ مِنَ الكُتَّابِ وَالشُّعَرَاءِ… إِنَّهَا خُطْوَةٌ تَتَّخِذُهَا جَمِيعُ الدُّوَلِ الَّتِي تَبُثُّ لِلْعَالَمِ رُوحَ شَعْبِهَا، نِضَالَهُ، طُمُوحَهُ، آلَامَهُ، أُمْنِيَّاتِهِ… وَأَحْلَامَهُ… كَيْفَ عَرَفْنَا فِيكْتُورَ هِيغُو، سَارْتَر، كَافْكَا، وَآخَرِينَ إِنْ لَمْ تُتَرْجَمْ أَعْمَالُهُمْ…؟

القَارِئُ العَرَبِيُّ عَامَّةً وَالعِرَاقِيُّ خَاصَّةً لَا يَعْرِفُ الكَثِيرَ عَنِ الأُدَبَاءِ الكُورْدِ… فَفِي الأُمْسِيَةِ الَّتِي أَلْقَى فِيهَا الشَّاعِرُ المُبْدِعُ لَطِيفُ هِلْمِتْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْضُ مَسَارَاتِ حَيَاتِهِ وَتَجْرِبَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ وَمَقَاطِعَ مِنْ قَصَائِدِهِ… فِي المَقَرِّ العَامِّ لِلأُدَبَاءِ وَالكُتَّابِ العِرَاقِيِّينَ… عَدَدُ الجُمْهُورِ يُعَدُّ عَلَى الأَصَابِعِ، وَالأُمْسِيَةُ لَمْ يَحْضُرْهَا عَرَبٌ وَمُعْظَمُهُمْ مِنَ الكُورْدِ… يَا تُرَى مَا السَّبَبُ…؟ عِلْمًا أَنَّ الأُمْسِيَةَ كَانَتْ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ… سَأَتْرُكُ هٰذَا السُّؤَالَ لِلأُدَبَاءِ الكُورْدِ وَالعَرَبِ…

نَسْمَعُ بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ إِنَّ كَاتِبًا بَاكِسْتَانِيًّا أَوْ هِنْدِيًّا أَوْ رُوسِيًّا… أَوْ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ آخَرَ… قَدْ كَتَبَ عَنْ أَحَدِ الأُدَبَاءِ وَعَنْ وُجُودِهِ فِي العِرَاقِ وَعَنِ التُّرَاثِ وَصِفَاتِ وَآمَالِ الكُورْدِ… يَكُونُ قَدْ حَازَ عَلَى تِلْكَ المَعْلُومَاتِ خِلَالَ وُجُودِهِ فِي العِرَاقِ أَوْ خِلَالَ بَحْثِهِ المُسْتَمِرِّ، يَا تُرَى أَيْنَ نَحْنُ مِنْ هٰذَا…؟

لَا أَعْنِي أَنَّ التَّرْجَمَةَ عَقِيمَةٌ… بَلْ ضَئِيلَةٌ جِدًّا فِي عَالَمٍ أَدَبِيٍّ كُورْدِيٍّ نُرِيدُ لِلأَدَبِ الكُورْدِيِّ أَنْ يَنْطَلِقَ عِرَاقِيًّا… عَرَبِيًّا… عَالَمِيًّا، وَأَعْتَقِدُ وَاسِعًا… أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِلأَعْمَالِ المُتَمَيِّزَةِ خَيْرُ دَلِيلٍ وَسَبِيلٍ لِهٰذَا الِانْطِلَاقِ، إِذًا لِمَنْ يُوَجَّهُ السُّؤَالُ…؟

السُّؤَالُ الَّذِي فَرَضَ نَفْسَهُ وَانْسَابَ فِي أَوَّلِ الحَدِيثِ… لِمَاذَا لَا تُتَرْجَمُ أَعْمَالُ الأُدَبَاءِ الكُورْدِ المُتَمَيِّزِينَ…؟

 

لِدَارِ الثَّقَافَةِ وَالنَّشْرِ الكُرْدِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهَا المَسْؤُولِيَّةَ الكَبِيرَةَ فِي النَّشْرِ… أَمْ لِلأُدَبَاءِ الكُورْدِ…؟ مَسْؤُولُ دَارِ الثَّقَافَةِ وَالنَّشْرِ الكُرْدِيَّةِ أَدِيبٌ مُبْدِعٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَسْؤُولًا عَنِ الدَّارِ… يَشْعُرُ بِالأَلَمِ وَطُمُوحَاتِ الأُدَبَاءِ الكُورْدِ المُتَمَكِّنِينَ مِنَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَاللُّغَاتِ الأُخْرَى… وَأَذْكُرُ جُهُودَ الخَيِّرِينَ مِنَ الكُتَّابِ الدُّكْتُورِ بَدْرْخَانَ السَّنْدِيِّ، الدُّكْتُورِ نَافِعِ عَقْرَاوِي، وَالأَدِيبِ يُوسُفَ الحَيْدَرِيِّ الَّذِي يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى بَعْضِ الشُّعَرَاءِ الكُورْدِ خِلَالَ تَحْلِيلِهِ المُوجَزِ وَالقَيِّمِ لِلْقَصِيدَةِ المُتَرْجَمَةِ… وَالأَدِيبِ المُبْدِعِ مُحَمَّدِ البَدْرِيِّ وَحَجِّي جَعْفَرَ وَآخَرِينَ لَا تَحْضُرُنِي أَسْمَاؤُهُمْ… وَالجُهْدِ الكَبِيرِ الَّذِي تَبْذُلُهُ صَفْحَةُ آفَاقٍ كُرْدِيَّةٍ وَمَنْ يَقِفُ وَرَاءَهَا…

رَغْمَ المَوَادِّ الأَدَبِيَّةِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُ مَوْعِدَ نَشْرِهَا وَرَاءَ مَجَلَّةِ « الأَدِيبِ الكُرْدِيِّ »… هٰؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ يَخْدِمُونَ الأَدَبَ الكُرْدِيَّ… بِإِخْلَاصٍ وَحُبٍّ وَوَفَاءٍ، وَهُمْ سُعَدَاءُ… بِعَطَائِهِمُ الفِكْرِيِّ هٰذَا رَغْمَ كُلِّ مَا يَحْمِلُونَهُ مِنْ آلَامٍ مِنْ جَرَّاءِ البَحْثِ عَنِ الكَلِمَةِ القَيِّمَةِ… المُتَمَيِّزَةِ.

أَضُمُّ صَوْتِي إِلَى صَوْتِ الشَّاعِرِ « صَدِيقِ شِرُو » عِنْدَمَا قَالَ :

« لَا بُدَّ مِنَ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ الحَضَارَةَ أَوْجَبَتِ الِانْفِتَاحَ نَحْوَ العَالَمِ…»

الكُتُبُ مُكَدَّسَةٌ عَلَى الرُّفُوفِ وَلَمْ تُحْرَقْ، فَأَيْنَ اليَدُ الَّتِي تَمْسَحُ هٰذَا الغُبَارَ المُتَرَاكِمَ عَلَيْهَا…؟

 

١٩٩٢/٩/١٠ – بغداد

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…