فرهاد دريعي
ليست الثقافة قيمة مطلقة بذاتها ولا المعرفة فضيلة مكتفية بنفسها إذ كثيرا ما تتحول حين تنفصل عن التواضع إلى عبء رمزي ثقيل، بل إلى أداة إقصاء ناعمة تمارس سلطتها باسم الوعي والتنوير.
ففي اللحظة التي يتوهم فيها الإنسان أن ما يعرفه يرفعه فوق الآخرين، تفقد الثقافة معناها الإنساني، وتغدو شكلا من أشكال التعالي المقنّع، عند هذا الحد الفاصل يتشكل ذلك الالتباس العميق بين ثقافة المتعجرف وعجرفة الثقافة، حيث تتقاطع ذات فردية متضخمة مع بنية ثقافية تبرّر هذا التضخم وتعيد إنتاجه.
ثقافة المتعجرف لا تنبع بالضرورة من معرفة راسخة، بل كثيرا ما تتغذى من معرفة مبتورة أو محفوظة أو مستعارة، فالمتعجرف لا يسعى إلى الفهم بقدر ما يسعى إلى الامتلاك، ولا يتعامل مع الثقافة بوصفها تجربة إنسانية مفتوحة، بل بوصفها رصيدا رمزيا يمنحه شعورا بالتفوّق. لذلك تتحول اللغة لديه إلى استعراض والمصطلح إلى أداة إرباك والحوار إلى ساحة لإثبات الغلبة لا لبلوغ المعنى.
في هذا السياق لا يُنظر إلى الاختلاف باعتباره احتمالا معرفيا مشروعا، بل يُدان بوصفه نقصا أو جهلا أو خروجا عن الصواب الذي يتوهّم المتعجرف أنه يحتكره.
غير أن هذه الحالة الفردية لا تنمو في فراغ، بل تجد بيئة حاضنة في عجرفة ثقافية أوسع، تتجسد حين تُقدَّم ثقافة بعينها على أنها المعيار الأعلى، وحين يُعاد تصنيف البشر وفق قربهم أو بعدهم عن هذا المعيار. عندئذ لا تعود الثقافة مجالًا للتعدد، بل تتحول إلى سلطة رمزية تمارس الإقصاء بهدوء وتمنح نفسها شرعية التفوق باسم العقل أو الحداثة أو الرقي. في ظل هذه العجرفة تُهمَّش الثقافات الشعبية، وتُختزل الذاكرات المحلية وتُقصى اللغات الصغيرة، لا لافتقارها إلى القيمة، بل لأنها لا تنتمي إلى المركز الذي يحتكر تعريفها.
الفارق الجوهري بين المثقف الحقيقي والمتعجرف لا يكمن في مقدار المعرفة، بل في العلاقة مع الجهل. فالمثقف يدرك أن المعرفة أفق لا يُغلق، وأن السؤال فضيلة، وأن الاعتراف بحدود الفهم شرط للتقدّم. أما المتعجرف فيخشى السؤال لأنه يهدد صورته، وينكر حدوده المعرفية لأنه لا يحتمل فكرة النقص. المثقف يميل إلى التبسيط دون تسطيح، ويشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه ما يقول، بينما يرى المتعجرف في التعقيد قيمة بحد ذاته، وفي الغموض وسيلة للتمايز لا أداة للفهم.
وغالبا ما تخفي العجرفة الثقافية هشاشة نفسية عميقة، فهي ليست علامة قوة بقدر ما هي ردّ فعل دفاعي أمام خوف دفين من العادية أو التلاشي أو فقدان الاعتراف. كما تسهم في تغذيتها أنظمة تعليمية تمجّد الشهادات أكثر مما تمجّد التفكير، وتكافئ الحفظ بدل الفهم، وتربط القيمة باللقب لا بالأثر، ثم تأتي وسائل التواصل الحديثة لتضاعف هذا الميل حيث يُختزل الوعي في اقتباس لامع أو موقف صاخب أو استعراض ثقافي سريع، يفرغ المعرفة من عمقها ويحوّلها إلى مادة للاستهلاك اللحظي.
حين تسود ثقافة التعجرف، يخسر المجتمع أحد أهم شروط تماسكه وهو الحوار و يتحول النقاش إلى صراع، ويغدو الاختلاف تهديدا، وتُغلق المساحات المشتركة لصالح اصطفافات حادة. والأسوأ من ذلك أن الناس تنفر من الثقافة ذاتها، لا لأنها معقدة أو عميقة، بل لأنها متعالية، تُشعرهم بالدونية بدل أن تفتح أمامهم أفق الفهم. عند هذه النقطة تموت الثقافة حيّة، وتفقد وظيفتها التنويرية، وتتحول من جسر يربط البشر إلى جدار يفصل بينهم.
البديل عن هذا المسار ليس في تمجيد الجهل ولا في تبسيط مُخل، بل في استعادة التواضع بوصفه شرطًا معرفيا وأخلاقيا. فالثقافة التي تستحق اسمها هي تلك التي تنزل إلى الناس دون أن تفقد عمقها، وتحترم التجربة الإنسانية بقدر احترامها للنظرية، وتؤمن بأن الحقيقة لا يسكنها فرد ولا تحتكرها جماعة. ثقافة ترى في الاختلاف ثراءً، وفي الحوار ضرورة، وفي السؤال بداية لا نهاية.
في المحصلة، أخطر ما يهدد الثقافة ليس القمع الخارجي، بل الغرور الداخلي. فحين تنفصل المعرفة عن التواضع، تتحول إلى شكل آخر من أشكال الهيمنة، مهما ادّعت التنوير. الثقافة في جوهرها ليست ما نعرفه فقط، بل ما نصبحه عبر ما نعرف. وما لم تقترن المعرفة بوعي إنساني أخلاقي ستظل عاجزة عن أداء دورها الحقيقي، وستبقى عجرفة الثقافة مرآة لثقافة المتعجرف، في دائرة مغلقة لا تنتج سوى المزيد من العزلة.