قراءة نقدية وأدبية في رواية يوسف الكوردي لكاتبها المهندس يونس عبدالعزيز

صالح أحمد بربهاري *

 

في يوم خريفي هادىء وبينما كنت غارقاً في العمل داخل حقلي المتواضع في القرية رن جرس هاتفي وأنتشلني من دوامة الغرق تلك لأجلس وأستند الى أحد جذوع أشجار العنب والعناقيد تتدلى من فوقي ولالتقط أنفاسي ولأرد أيظاً على المكالمة التي جاءتني وما أن خرجت الهاتف من جيبي حتى وقع بصري على أسم الأستاذ المهندس يونس عبدالعزيز الذي يكنى لدينا ب (أبا رۆژ) وعلى الفور بادرته بالترحيب:- اهلاً أبا رۆژ … كيف الحال وكيف هي أحوال العائلة..؟

جائني صوته الهادىء الرزين من الجهة المقابلة : أنا بخير والعائلة كذالك وأنتم كيف هي أحوالكم..؟

وبعد جملة من التحايا والأستفسارات العائلية وعن سبب غيابه الطويل أخبرني بأنه كان منهمكاً طيلة الفترة الماضية في أعداد رواية ( يوسف الكوردي) والتي سترى النور قريباً وتحدث بنوع من الغبطة والآنشراح النفسي عن هذا العمل الكبير وكيف أنه أخذ منه وقته وعقله وعواطفه حتى تمكن أخيراً من نسج خيوط الرواية بجميع تفاصيلها وبإتقان حرفي محكم بحيث يجعلها في مصافي أعظم الروايات العالمية.

وأنا أستمع لكمات هذا الآنسان الكبير غمرني فيض من الشعور بالفخار والآعجاب لمثل هذا الجهد العظيم وهذا الإصرار في العمل، والإبداع في إخراج الآعمال الآدبية التي حرمنا منها ككورد في السابق والآن أصبح بإمكاننا أن ندون جزءاً من تاريخنا الناصع من خلال كتابة الروايات الآدبية أو أي نوع أخر من الكتابات بما يمليه عليه ضمائرنا وقدرتنا الذاتية وليس من خلال الأعداء وجلاوزتهم فيما مضي من التاريخ ونعيد صياغة تاريخ المنطقة وأحداثها المتشاعبة بشكلها الصحيح الآصيل بعيداً عن تحريف وتخاريف الآنظمة القمعية المستبدة التي أحتلت أرضنا وشوهت تاريخنا عن سابق قصد وتصميم.

ولم ينسى أبو رۆژ قبل أن ينهي مكالمته بأن يمدني بجرعة عالية من الثقة والشحن العطفي عندما أخبرني بأن إبداعه ومجهوده هذا لم يكن ليرى النور لولا تشجعينا له وثنينا عليه في كتاباته السابقة وهذا بحد ذاته أضاف حملاً ثقيلاً على أكتافه متوعداً ذاته بأن يكون على قدرالمسؤولية وأن يكون أهلاً للأمانة التى حملناه أياه في نقدنا وقرائتنا لآعماله الكتابية السابقة والتي لا تقل بنظري في جودتها وقيمتها الآدبية عن تحفته العالمية التي أبصرت النور تحت أسم ( يوسف الكوردي).

وبعد مرور ثلاثة أشهر تقريباً تمكنت أخيراً من الحصول على نسخة من رواية (يوسف الكوردي) التى أهدانى أياها مشكوراً مؤلفها المبدع الآستاذ المهندس يونس عبدالعزيز.. ويا لها من رواية عالمية عظيمة وجميلة ويا له من جهد وإبداع كبير..

وما أن وقع نظرى على غلاف الرواية وصفحاته حتى شدني اليها منظرها الآنيق وطباعتها الحديثة الجميلة ولغتها العربية الرصينة الصافية التي لا ينافس المؤلف أحداً أخر عليها في المنطقة برمتها، وكذالك سرديتها المتقنة البليغة بحيث أن مجرد الولوج في قرأة السطر الآول من الرواية يجعلك بأن تصبح أحد شخوصها وتمارس دورك في كل ثنية أو حادثة أو منعطف ولج اليه المؤلف لمحاكاة نسج فصول روايته ويستحيل أن تفارق أحداثها للحظة..

هنا لا بد من الآشارة الى بعض الأمور المهمة التي أستطاع المؤلف من خلالها من إخراج هذه الرواية بكل هذه الحنكة والدراما الآدبية وكل هذا الإبداع منها:-

1-عبقرية المعمار السردي (الهندسة الأدبية)

لم تكن خلفية الكاتب الهندسية مجرد مهنة، بل انعكست كـ (دقة إبداعية) في بناء الرواية. لقد نجح المهندس والكاتب الكبير يونس عبد العزيز في تشييد نص لا ثغرة فيه، حيث تتشابك الأحداث بتناغم مذهل يشبه تلاحم الأحجار ورصها في صرح أثري مذهل. هذا الإتقان وهذه الحرفية العالية في الصياغة والسرد يجعل القارئ يشعر بأمان فني وصفاء نفسي وشعور طاغ بالتذوق الفني المغلف بالنشوة الإنسانية المصطفاة، وكأن هناك يداً خبيرة تمسك بزمام السرد وتقوده نحو غاية فكرية مرسومة بدقة لغاية تلاطف الضمير والوجدان الإنساني الحي.

2-بلاغة اللغة: السهل الممتنع

يستحق الكاتب الكبير يونس عبدالعزيز الثناء على لغته التي تنساب كالنهر، فهي لغة رشيقة تبتعد عن الأستعراض الجوف وتستقر في وجدان القارئ. لقد استطاع المهندس يونس أبا رۆژ أن يطوع الحرف ليخدم الفكرة التي ناضل من أجلها وأبدع في إخراجها، فجاءت المفردات منتقاة بعناية فائقة لا تقبل الآنشطار أو التأویل، وتعبر عن أقصى درجات الألم وأسمى لحظات الأمل دون تكلف ورتوش، مما جعل النص يتنفس روحاً وشاعرية لا نظير لها على الإطلاق.

 3- يوسف الكردي: أيقونة إنسانية خالدة

إن براعة الكاتب في رسم شخصية “يوسف الكوردي” تتجاوز مجرد الكتابة عن بطل رواية، لقد خلق كياناً حياً يتعاطف معه القارئ، يشاركه زفراته وتطلعاته. الثناء هنا يوجه لقدرة الكاتب على سبر أغوار النفس البشرية وفهم تعقيدات الهوية، حيث جعل من قضية يوسف قضية عالمية تلامس كل إنسان مغمور يبحث عن ذاته، محولاً الخاص إلى عام والذاتي إلى كوني والإنعدام الى وجود يفيض إبداعاً وإنسانية.

 4- العمق الفلسفي والجرأة الفكرية

يحسب للمهندس والكاتب المبدع يونس عبد العزيز جرأته في طرح أسئلة الوجود والاشتباك مع التاريخ بوعي نقدي ثاقب. الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي مشروع تنويري يدعو لإعادة قراءة الذات والآخر. لقد قدم الكاتب جرعة مكثفة من الحكمة المغلفة بالدراما، مما يرفع العمل من مصاف الروايات المسلية إلى مصاف الأدب الرفيع الذي يترك أثراً لا يُمحى.

5-  الخاتمة الاستثنائية: بصمة المبدع

نختم هذا الثناء بالتأكيد على أن رواية “يوسف الكوردي” هي شهادة ميلاد لكاتب يمتلك رؤية بصرية مذهلة، استطاع من خلالها نقل المشاهد وكأنها لوحات سينمائية مرسومة ومنحوتة بالكلمات. إنها عمل أدبي إبداعي متكامل يعيد الاعتبار للرواية الكوردية الرصينة التي تلبس اللباس العربي وتجمع بين المتعة الفنية والعمق المعرفي الآصيل.

إن المهندس يونس عبد العزيز في روايته (يوسف الكوردي) لم يكتب رواية فحسب، بل أهدى المكتبة الكوردية والعربية على حد سواء تحفة فنية تتسم بالنبل في الطرح، والجرأة في الإخراج، والبراعة في التنفيذ، والرقي في التعبير.

حيث ينظر للأدب كـ “الثوب القشيب” الذي يغلف الفكر والعاطفة، ويقيم بناءً على عمقها الإنساني، وقدرتها على الارتقاء بالمجتمع وتجاوز الواقع لتقديم حياة منظور فني أعمق وأرقى، مع التركيز على أصالة البناء الفني ووحدة العمل، وأن الرواية العظيمة يوسف الكوردي تضرب بدورها في صراعات إنسانية وتمتع القارئ بعمق، لا بسطحية المادة، ويشدد على ضرورة أن تقدم لنا التجارب فيض من خيرفي حياتنا الواقعية وتعطينا شعوراً بالخلاص من قيود الشؤون العملية التي أنهكتنا وتنهكنا على الدوام.

* كاتب وناقـــــــــــــد من إقليم كوردستان

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

استهلال

دنيز وزياد ليسا خلاصة الكردية

ليسا أول الكردية

ليسا آخر الكردية

إنما تأكيد ديمومة الاسم بمعناه المشترك

في أبجدية معنى أن تكون كردياً

هما لم يمضيا إلى حتفهما

إنما إلى زحفهما

إلى مضاء عزيزتهما

لم يقولا: وداعاً يا حياة

إنما سلام عليك يا حياة

لم يتفقدا اسميهما الينبوعيين

إنما أضافا إلى نهرهما الكردي زخم خصوبة

وفي الذي أسمّيه باسمهما

باسم كل كردي يصعد…

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي…

عبد الستار نورعلي

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

 

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

 

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

* *

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

 

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في…

ماهين شيخاني

 

استيقظتُ متأخراً على غير عادتي، حلقي جاف كأنه ابتلع حفنة من التراب، وشيءٌ ما يشبه الطعم الحديدي يتخمر في فمي. على الطاولة، بيضة مسلوقة وخبز يابس وكوب شاي بارد. عضضتُ الخبز، فتحوّل بين أسناني إلى رماد، كأن أحدهم عبأً جوفي برماد موتى محترقين.

ظللت ألوك الرماد بصمت. لا طيور في الخارج، لا صوت…