صبحي دقوري
في حديث لللمبدع الفرنسي أريك فويار حول كتابه «الأيتام»الصادر عندأ كت سود بباريس ينطلق من لحظة بصرية خاطفة: صورة فوتوغرافية لشابين مسلحين ينظران إلى العدسة بنوع من التحدي والوقاحة الواثقة. هذه الصورة لا تُعامل بوصفها وثيقة تاريخية جامدة، بل تُستثمر بوصفها شرارة تأمل أدبي وتاريخي واسع. من هذا التفصيل الصغير يبني الكاتب مسارًا تأويليًا يصعد تدريجيًا من فردين مجهولين تقريبًا إلى جيل كامل، ثم إلى بنية اجتماعية واقتصادية كبرى. إنها طريقة تقوم على تحويل الجزئي إلى مدخل لفهم الكلي، حيث تصبح الصورة بوابة لقراءة العنف التأسيسي، ووهم الحرية، وبدايات تركّز الثروة في التاريخ الأمريكي.
في القراءة التي يقترحها فويار، لا يعود الخارجون عن القانون أبطالًا رومانسيين كما صاغتهم الأسطورة الشعبية، بل يتحولون إلى ضحايا بنيويين، أو “أيتام تاريخيين” بالمعنى الرمزي. إنهم يتمتعون بحرية الحركة والسلاح والفضاء المفتوح، لكنهم محرومون من المستقبل والضمان والاستقرار. هنا يحدث انقلاب نقدي مهم: الحرية الظاهرة تُفكَّك بوصفها حرية فارغة، لأنها غير مسنودة بقوة اقتصادية أو موقع مؤسسي. وبينما ينشغل الخيال الجمعي بصور المسدسات والخيول والمطاردات، كانت القوى المالية الكبرى تبني احتكاراتها وتؤسس لسلطة أكثر رسوخًا وأطول أثرًا. هكذا يقيم النص مقابلة حادة بين الحرية الرمزية والقوة البنيوية، بين الحركة الصاخبة وبناء النظام الصامت.
النظرة التي يتوقف عندها فويار في الصورة — نظرة التحدي والازدراء — تتحول إلى عنصر أخلاقي في القراءة. لم يعد القارئ هو من يتأمل الماضي من موقع مريح، بل يبدو الماضي نفسه وكأنه يحدّق في الحاضر ويختبره. الصورة تصير مواجهة، لا ذكرى. وبهذا تتحول الوثيقة من مادة أرشيفية إلى حدث إدراكي حيّ، يُنتج توترًا بين زمنين ويجعل التأمل في التاريخ فعل مساءلة لا فعل حنين. هذه التقنية — تحويل الأثر البصري إلى صدمة أخلاقية — تكشف عن نزعة في الكتابة تجعل من الأدب أداة إيقاظ لا مجرد إعادة سرد.
الفكرة العميقة الكامنة في هذا الطرح أن التاريخ لا يُفهم فقط من خلال العظماء والمنتصرين، بل يمكن قراءته عبر الضائعين والهامشيين. فبدل أن تكون الشخصيات الصغيرة حاشية على متن التاريخ، تصبح عدسة لرؤية البنية كلها. المتشرّد الصغير أو الخارج عن القانون لا يمثل حادثة شاذة، بل عرضًا جانبيًا لنظام أكبر. الأدب هنا لا يضخّم الهامشي ليصنع منه بطلاً، بل يستخدمه ليكشف تناقض النظام الذي أنتجه ثم أهمله. وهذا موقف جمالي ومعرفي معًا، لأنه يقاوم السرد البطولي الرسمي ويستبدله بسرد يكشف الزوايا المعتمة.
أسلوب فويار في هذا المسار يقوم على التكثيف والربط السريع بين المشهد والتاريخ، بين الصورة والنظام، بين الحكاية القصيرة والدلالة الواسعة. لا يقدّم تفسيرًا نظريًا مباشرًا، بل يبني شبكة إيحائية تجعل القارئ يرى العلاقة بنفسه. من صورة شابين مسلحين نصل إلى نقد تركّز الثروة، ومن سيرة شاب خارج عن القانون نصل إلى مساءلة نشأة القوة الأمريكية الحديثة. بهذا المعنى، الأدب لا يشرح الوقائع بقدر ما يعيد ترتيب زاوية النظر إليها. الصورة ليست زينة غلاف، بل مفتاح قراءة؛ والخارج عن القانون ليس بطلاً، بل علامة؛ والشباب المسلح ليس رمز حرية، بل مؤشر هشاشة. هكذا تصبح الكتابة محاولة لقراءة التاريخ الإنساني من خلال هشاشته لا من خلال صلابته، ومن خلال الظلال لا المنصّات.
هكذا تبدأ الحكايات الحقيقية: لا من ضجيج الوقائع، بل من صمت الصور.
هذه الوجوه التي تُلصَق عادة بأسطورة البطولة البرية، بطولة الخارجين على القانون، ليست — إذا أمعنّا النظر — وجوه أبطال، بل وجوه أبناء تُركوا في العراء. حرّيتهم واسعة كالأفق، نعم، ولكنها حرية بلا سقف، وكل حرية بلا سقف تأكلها الريح. كانوا يمتطون الخيل في فضاءات لا نهاية لها، لكن أحدًا لم يخبرهم أن الاتساع ليس وطنًا، وأن المسدس لا يصنع مستقبلًا، وأن الجرأة لا تُغني عن النظام كما لا تُغني النار عن الشمس.
نحن نحب في الحكايات ذلك الفارس المتمرّد، لأن تمرده يريح خيالنا. إنه يعيش ما لا نجرؤ نحن على عيشه، ويطلق النار بدل أن يكتب عريضة، ويهرب بدل أن يفاوض. لكن الأدب — حين يكون صادقًا — لا يتركنا نرتاح طويلًا. إنه يسحب الكرسي من تحت الأسطورة فجأة، ويقول لنا: انظروا مرة أخرى. هؤلاء لم يكونوا سادة التاريخ، بل حطبه الصغير. كانوا يتحركون على السطح، بينما في العمق كانت قوى أخرى، أكثر هدوءًا وأشد قسوة، تجمع المال وتبني الاحتكار وتكتب القوانين.
أيّهما أقوى: يد تحمل مسدسًا أم يد تملك مصرفًا؟
الأولى تُخيف لحظة، والثانية تحكم قرنًا.
إن المفارقة التي تدهشنا أننا حفظنا أسماء المطاردين، ونسينا أسماء الذين اشتروا المطاردة نفسها. أحببنا صخب الطلقات، ولم نسمع خشخشة الأسهم والسندات. كأن التاريخ مسرح، نُصفّق فيه للممثل الذي يسقط قتيلًا، ولا نرى صاحب المسرح الذي قبض ثمن التذاكر كلها.
الصورة إذن ليست تذكارًا، بل محاكمة. نظرة الشابين ليست وقاحة فقط، بل سؤال. ماذا فعلتم أنتم بحريتكم الأكثر أمانًا؟ ماذا صنعتم بأسلحتكم الجديدة: الأقلام، القوانين، الشاشات؟ إنهم ماتوا صغارًا وفقراء، تقول الحكاية، ولكن كم من أحياءٍ اليوم يعيشون طويلًا وفقراء أيضًا، تحت أسماء أخرى ونظم أخر
الأدب هنا لا يدافع ولا يُدين مباشرة. إنه يفعل ما هو أخطر: يغيّر زاوية الضوء. يجعلنا نرى أن البطولة قد تكون قناعًا، وأن التمرّد قد يكون أداة في لعبة أكبر، وأن الفتى الضائع قد يحمل في جيبه سرّ عصرٍ كامل. ومن يدري؟ لعل التاريخ الإنساني — إذا جُرِّد من تماثيله وخطبه — يمكن أن يُقرأ حقًا في قلب صعلوك صغير، وقف يومًا أمام عدسة، وابتسم ابتسامةً لم تكن تعرف أنها ستتحول إلى سؤالٍ بعد مئة عام.