عبدالجابر حبيب
في كل مرحلةٍ من تاريخ البشرية، يظهر سؤالٌ بسيطٌ وعميق: من يريد البناء حقّاً، ومن يريد الخراب متنكراً بلباس الإصلاح؟
في الأزمنة المتعبة، لا يُعرَف الناس بما يقولون، بل بما يزرعون.
فهناك من يمدّ يده إلى الأرض ليغرس شجرة، وهناك من يمدّها ليوقظ ذئبًا نائمًا في العتمة. كلاهما يدّعي أنه يريد الخير، لكن الحصاد وحده يفضح النيات.
من يريد البناء لا يحتاج إلى ضجيج الطبول. يكفيه أن يضع حجراً فوق حجر، وأن يفتح نافذة للضوء، وأن يترك للريح مهمة حمل البذور. أمّا من يريد الخراب، فإنه يعيش على إثارة الغبار، ويصنع من كل اختلافٍ عاصفةً، ومن كل كلمةٍ شرارةً.
الحقائق لا تحتاج إلى أسماء.
من يشعر أن الحديث يخصّه، فليفتش في مرآته. فالذي لا يضمر سوءاً لا يرتجف من التلميح، ولا يخاف من السؤال. وحده صاحب القلق الدائم يظن أن كل جملةٍ سهمٌ موجّه إلى صدره.
المشهد اليوم أشبه بساحةٍ تتزاحم فيها الأقنعة.
بعضهم يريد أن يظل في الصورة ولو تغيّر الزمن وتبدّلت الوجوه.
وبعضهم يحاول العودة إلى مسرحٍ لم يعد يتّسع لخطواته.
وآخرون يسكبون الزيت على نارٍ صغيرة لتصبح حريقاً كبيراً، ثم يقفون بعيداً يتفرجون على الدخان.
وسط هذا الصخب، يُنسى الصوت الأهم: صوت الناس.
أولئك الذين لا يملكون سوى رغيفهم وأحلامهم البسيطة.
هم الهدف الحقيقي لكل نزاع، وهم الخاسر الدائم في كل معركةٍ لا يفهمون أسبابها. تُزرع الخصومات في أرضهم، بينما ثمارها المرة تقع فوق رؤوسهم.
التاريخ يعلّمنا درساً واضحاً:
حين يهدأ الغبار، يتبيّن أن السلام أكثر شجاعةً من الحرب، وأن العاقل أقوى من الغاضب، وأن اليد الممدودة أثقل وزناً من القبضة المرفوعة.
ما أجمل اللحظة التي ينتصر فيها الهدوء على الصراخ،
والتعقّل على الاندفاع،
والإنسان على الوحش الكامن في داخله.
في تلك اللحظة فقط تُفتح الأبواب بدل المتاريس، وتُبنى جسور المحبة بين القلوب، ويكتشف الجميع أن العيش المشترك ليس شعاراً بل ضرورة حياة.
الصفاء لا يعجب سدنة الفتن.
هناك دائماً من يقتات على الكراهية، ويخاف من المصالحة كما يخاف الليل من الفجر. كلما رأى الناس يقتربون، سعى إلى التفريق بينهم. وكلما خمدت نارٌ، بحث عن عود ثقاب جديد.
أداتهم المفضلة ليست بندقيةً ولا سكيناً، بل كلمةٌ مسمومة.
كلمةٌ تُلقى بلا ضمير، فتتحول إلى خنجرٍ في قلب المجتمع.
هكذا تُصنع الأحقاد:
بجملةٍ كاذبة، بصورةٍ محرّفة، بخبرٍ مُضلِّل، بإشاعةٍ تُطلَق ثم تُترك لتفعل فعلها.
إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس عدوّاً ظاهراً، بل خطاباً مريضاً يتسلل إلى العقول فيُفسدها من الداخل. وحين يتغلغل هذا الخطاب، يصبح الهدم أسهل من البناء، والانتقام أقرب من العدالة.
ما الطريق لإغلاق أبواب الظلام؟
أعتقد أنّ الطريق يبدأ من الشجاعة الأخلاقية.
من الاعتراف بأن لا مستقبل يُصنع بالتحريض، ولا وطن يُحمى بالكراهية.
يبدأ من ثقافةٍ جديدة تقول إن الاختلاف قدرٌ لا لعنة، وإن التنوع قوةٌ لا تهديد.
نحتاج إلى عقولٍ باردة وقلوبٍ دافئة،
إلى منابر تنشر الطمأنينة لا الهلع،
إلى أصواتٍ تداوي الجروح بدل أن تنكأها.
والأهم من ذلك كله هو أن نتعلم كيف نكشف مروّجي الفتنة من دون مطارداتٍ صاخبة. فالكاذب يفضحه انفعاله، والمحرّض يكشفه ارتباكه، وصاحب الغرض يظهر وحده حين لا يجد من يصدّقه.
لسنا بحاجة إلى محاكماتٍ طويلة لنعرف من يريد الخير ومن يتاجر بالشر. يكفي أن نراقب من يفرح إذا هدأت النفوس، ومن يغضب إذا تصافحت الأيدي.
إن الأوطان لا تقوم على ذاكرةٍ مليئةٍ بالثأر، بل على غدٍ مليءٍ بالأمل.
والمدن لا تُبنى بالحقد، فلنترك للذين يعيشون على الفوضى ضجيجهم،
ولنمنح أنفسنا فرصة أن نحلم بهدوء.
عندها فقط يموت الذئب جوعاً، ويكبر البناء.
في النهاية لا يبقى في الميدان إلا صنفان:
من حمل حجراً ليبني،
ومن حمل عود ثقابٍ ليحرق.
والتاريخ يعرف كيف يميّز بين الاثنين.