المرأة الكوردية بين تحديات الغربة وصناعة المستقبل

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت مرحلة جديدة من إعادة بناء الحياة الاجتماعية في المهجر، وبرز فيها دور المرأة الكوردية بشكل لافت. فلم تعد المرأة حبيسة البيت أو مقتصرة على تربية الأطفال وخدمة الزوج كما كان الحال في السابق، بل تحولت إلى شريكة حقيقية في اتخاذ القرار الأسري، ومساهمة أساسية في تأمين نفقات الأسرة ومتطلبات الحياة اليومية.

أثبتت المرأة الكوردية في بلدان الغربة أنها الركيزة الأساسية في بناء الأسرة والحفاظ على تماسكها، إذ تحملت مسؤولية تربية الأبناء على القيم الكوردية واللغة الأم، إلى جانب تشجيعهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع الأوروبي، مما جعلها حلقة وصل حيوية بين ثقافتين مختلفتين، وساهمت في حماية الهوية من الذوبان.

 كان لها حضور واضح في الحياة الثقافية والاجتماعية، حيث شاركت في المهرجانات والندوات الأدبية والجمعيات النسوية، وأسهمت في تعليم اللغة الام للأجيال الجديدة من خلال الأسرة والمؤسسات والجمعيات، إضافة إلى نقل التراث الشعبي من أغانٍ ورقصات وأزياء تقليدية، الأمر الذي ساعد في الحفاظ على العادات والتقاليد الكوردية.

ولم يقتصر دورها على الجانب الاجتماعي والثقافي، بل امتد إلى المجالين السياسي والحقوقي، حيث شاركت في الأحزاب والمنظمات المدنية، ونشطت في الدفاع عن حقوقها وحقوق شعبها، وساهمت في إيصال القضية الكوردية إلى المؤسسات والبرلمانات الأوروبية ومنظمات حقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بقضايا الحرية والعدالة.

وقد استفادت العديد من النساء الكورديات من فرص التعليم والتدريب المهني التي أتاحتها الدول الأوروبية، ما مكّنهن من العمل في مجالات متنوعة مثل التعليم، والتمريض، والإعلام، وغيرها من الأعمال المفيدة، الأمر الذي عزّز مكانتهن الاقتصادية ورفع من شأنهن داخل الأسرة والمجتمع، وجعل المرأة قادرةالاعتماد على نفسها في تأمين معيشتها حتى في حال غياب الرجل.

ورغم النجاحات التي حققتها المرأة الكوردية في المهجر، فإنها لا تزال تواجه صعوبات تعلم اللغة، والحواجز الثقافية، و، والصراع بين القيم التقليدية ومتطلبات الحداثة، فضلًا عن الضغوط الأسرية والاجتماعية وآثار الصدمات النفسية الناتجة عن الحروب واللجوء. إلا أنها استطاعت، بوعيها وإرادتها، تحويل هذه التحديات إلى دافع للنجاح والتميّز وبناء مستقبل أفضل لأطفالها.

كما أظهرت قدرة عالية على الاندماج الإيجابي في المجتمع الأوروبي دون التفريط بتماسك الأسرة أو الوقوع في التفكك والانحراف، فحافظت على الاستقرار الأسري، وشاركت بفعالية في منظمات المجتمع المدني والمراكز الثقافية، وأسهمت في تنظيم المهرجانات والفعاليات التراثية، إلى جانب مشاركتها في التظاهرات التضامنية دعمًا للأشقاء في مناطق الأشرفية وشيخ مقصود في حلب، ورفضًا للإرهاب والتطرف.

وعلى الرغم من تمسّكها بقيم الأسرة ورفضها للطلاق بوصفه ظاهرة غريبة عن المجتمع الكوردي، لما يحمله من آثار سلبية على الأطفال والأسرة، فقد لوحظ في السنوات الأخيرة ازدياد حالات الطلاق داخل الجالية الكوردية، وهو ما يستدعي دراسة هذه الظاهرة ومعالجة أسبابها الاجتماعية والنفسية.

وفي المحصلة، لعبت المرأة الكوردية وتلعب دورًا محوريًا وفاعلًا في بناء المجتمع في المهجر، حيث مثّلت نموذجًا للمرأة المثقفة والقوية والقادرة على التوفيق بين الحفاظ على هويتها القومية والانخراط الإيجابي في المجتمعات التي تعيش فيها، مساهمةً بذلك في تعزيز قيم التعايش والمساواة والحرية، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.

 

 

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…

جليل إبراهيم المندلاوي

 

عَليلُ الوَجدِ قَلبٌ أحمقٌ مُرتابْ

تَمَهَّلْ ما بهذا الوَجدِ عَيشٌ طابْ

فَخَلفَ الوَجدِ بابٌ مُبهَمُ المَغزى

بَهيُّ الشَّكلِ فَخمٌ فاتِنٌ جَذّابْ

يَظُنُّ المُبتَلى سِحراً به يُشفى

ولكنْ ما وَراءَ السِّحرِ سِرٌّ غابْ

أتَعلَمُ ما الذي يَحويهِ هذا السِّرْ

أتَدري ما الذي يَخفى وَراءَ البابْ

فَخَلفَ البابِ مَكرٌ فِتنَةٌ شَكوى

بَلاءٌ حَيثُ لا خِلٌّ ولا أصحابْ

فَكَم مِن تائِهٍ في الحُبِّ يُستَغبى

يَظُنُّ الغَيَّ رُشداً…