الشام في الوجدان الكردي

جان دوست
كاتب وروائي

تحظى دمشق الشام كحاضرة مركزية ورمز حضاري وملاذ آمن وأيضاً مكان جميل بمكانة سامية في الوجدان الكردي. وتأتي تلك الأهمية حسب اعتقادي، من أنه كانت أحد حصول صلاح الدين الأيوبي توطيد حكمه وترسيخ بنيانه فيها، فأولاها اهتماماً بالغاً وبنى فيها المدارس والمساجد، وأهتم بأمور الحجاج الذين تمر قوافلهم منها وخاصة قافلة الحج الشامي والقوافل القادمة من الأناضول.

وكذلك كانت الشام تحظى بأهمية كبرى، إذ إن زوار بيت المقدس كانوا يمرون منها لزيارة المسجد الأقصى، والمسيحيون حطوا رحالهم في طريق الحج إلى بيت لحم. لذلك استقر الكرد في الشام منذ حوالي ثمانمائة قرن وصارت حاضنة لهم ووطنًا لا بديلون عنه بديلاً، ولعل المثل الكردي الشهير جداً، والذي ينتشر بين الكرد في كل مكان: (الشام شامكم ولو كانت من تراب) ومعناه: الشام حارة والوطن أهلي، يدل على أن الشام تمتلك حضوراً قوياً في الذاكرة الجمعية الكردية.

والمرجح أن هذه المثل نشأ عن زيارات عديدة قام بها الأكراد لتلك البلاد فرأوها حلوة كأنهم تعلقوا بأهليها، أو لأن المثل قاله لاجئون استقروا في الشام وسكنوا فيها ثم صاروا يشعرون بالحنين إلى بلادهم فيما بعد.

أما كون الشام ملاذاً للكردي حين تضيق به بلاده فيبدو أيضاً أن له جذوراً سابقة. إذ نقرأ في السفر الكردي الخالد (شرفنامة) الذي كتبه الأمير شرف خان البدليسي عام 1695 بيتاً شعرياً لم يقف على شرحه شراح ومؤرخون وهو القائل:

“رجعتُ له حباً لا يرى غيره شامي… هي قلبي يكن بحبك شامي”
والمعنى: لم يعد لدي قيمة عنه الناس هنا، لذلك سأهاجر وأذهب إلى الشام. ولعل الحقيقة لكلمة الشام هنا ليست مجرد ضرورة من ضرورات القافية إن…

ولعل أسطع مثال على كون الشام قبلة للكرد وملاذاً لهم أنها احتضنت الأمير الكبير بدرخان بك الذي لجأ إلى الكردية بإمارة بوطان طويلة، وكذلك احتضنت الشام حفيده جلادت بدرخان الذي أصدر المجلة الكردية الشهيرة هاوار.

وقبل جلادت بسنوات كانت الشام ملاذاً لأحد أعمدة الطريقة النقشبندية، ألا وهو مولانا الشيخ خالد البغدادي الشهرزوري الكردي، الذي هرب من التضييق الكبير الذي تعرض له في مدينة السليمانية الكردية، ثم وجد في الشام مكاناً آمناً لنشر طريقته في الدعوة إلى الدين.

إنها الشام التي تمنى أن تصبح مدينة فاضلة وملهمة دولة مدنية محكومة بالعدل والقانون وتضم جميع المكونات دون فرق، ووجود الكرد وحضورهم فيها يعني أنهم ليسوا طارئين بل إنهم ضمن النسيج الأصيل لهذه البلاد، وعليهم ألا يرضوا أن يكونوا ضمن فريق بل أن يكونوا في صلب الدولة وفي ركن البناء وأن يسجلوا حضوراً لا طرفاً يتقوقع على ذاته وينشر بنفسه غريباً يتردد في طرق الأبواب.

ببلاغة أحمد خاني ليجعل أي مدينة في العالم مكاناً مثالياً له، لكن حقيقة الصورة التي ترتسم في ذهن الكردي دوماً هي أن الشام أفضل بلد يمكن أن يعيش فيها الباحثون عن عيش كريم.

وقصة البيت الشعري هذا أن أمير جزيرة بوطان سجن العاشق ثم لأنه أحب زين شقيقة الأمير، ولم ينفع الوساطات ولم تشفع توسلات تاجين صديقه، فلم هو للوظف الكبير أو القصر، فخرج أمام الناس، عاجزاً عن مساعدة صديقه، ولذلك لم يكن أمامه سوى التهديد بالهجرة واللجوء إلى الشام حيث يعيش كثير من الكرد من ذوي الأصول الكريمة.

وبالفعل فإن الشام قد فتحت الأبواب لكثير من الكرد، ويروى أن جداً الأكبر للصوفي حسو هاجر من مناطق شنكال إلى الشام في بدايات القرن الماضي مع عائلته كشتارو التي يرتبط بها عائلة مفتي الجمهورية الراحل الشيخ أحمد كفتارو، واستقر لاحقاً في دمشق، وكان للألوف من الكرد أبناء من صلب العيش فيها وبنوا ما يشبه الأكواخ في أطراف المدينة وأصبحوا من سكانها.

 

جريدة الثورة السورية

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…

صدرت أربعة كتب جديدة، للباحث : إبراهيم محمود، مترجمَة عن الفرنسية،الأولان : إعداد وترجمة وتقديم لنصوص ذات صلة بموضوع الكتاب، وآخران : بحثان كاملان، مرفقان بدراسة ، وإضافة نصوص، وتعليقات وتقديم، نشرتها في مجموعها دار ” أهوار- بغداد: العراق “، وفي طبعة أنيقة، وقد صمم أغلفتها المعبّرة، الفنان العراقي المعروف: كريم سعدون، والتصميم الداخلي الحِرَفي…

أفين حمو| كاتبة سورية

تنهض رواية “أوان الشدّ: وصال الحبيب للحبيبة” للكاتب محمد فايز حجازي على بنية سردية مركبة، تتشابك فيها الأزمنة مع العواطف، ويتجاور التاريخي مع الإنساني، لتقدّم نصًا يعيد مساءلة الهوية عبر أدوات سردية حديثة تستند في عمقها إلى مرجعية تراثية ومعرفية راسخة.

يشكّل العنوان ذاته بوابة تأويلية تستدعي الذاكرة الثقافية العربية؛ إذ يحيل “أوان…

صبحي دقوري

ليس من اليسير أن يُتناوَل رجلٌ مثل جان دانييل بوصفه صحافيًّا وحسب، فإن في هذا الوصف اختزالًا لحقيقةٍ أوسع، وتقليصًا لدورٍ تجاوز حدود المهنة إلى حدود الفكرة. فالصحافة، كما تُمارَس في الغالب، صناعةُ خبرٍ وتعليقُ ساعةٍ واستجابةُ ظرفٍ؛ أما الصحافة كما أرادها هو، فهي موقفٌ من التاريخ، ونظرٌ في مصير الإنسان، وسؤالٌ عن العلاقة…