صبحي دقوري
ليس السؤال الذي تطرحه رواية «ﺟﻣﮭورﯾﺔ اﻟﻛﻠب» هو: ما قصة الكلب؟ بل: ما الذي يحدث للانسان حين يصبح الكلب علامة؟. فالرواية منذ عتبتها الاولى لا تقدم الكلب ككائن طبيعي، بل كـ اثر لغوي يتكاثر عبر النصوص والامثال والاقتباسات، بحيث يغدو الكلب نصا داخل النص.
ان الرواية تبدا بفضاء من الاستشهادات: مثل كردي، نصوص تراثية، واقوال دينية. وهذه الافتتاحية ليست تزيينا ثقافيا، بل هي بنية ارشيفية تعلن ان الكلب في الرواية ليس حيوانا بل اثرا تاريخيا في اللغة. فعندما يقال:
«حين تحب انثى فانك تحب صوت ديك اهلها ونباح كلبهم،»
فان الكلب هنا لا يحضر بوصفه جسدا، بل بوصفه علامة على الانتماء والمحيط الثقافي.
ومن هنا تبدا عملية التفكيك. فالنص لا يواجهنا بحيوان، بل بمفهوم للكلب، او لنقل بخطاب عن الكلب. وهذا الخطاب يتوزع بين ثقافتين: ثقافة شرقية ترى الكلب نجسا او هامشيا، وثقافة اوروبية تمنحه موقعا شبه انساني.
لكن الرواية لا تكتفي بوضع هذين الخطابين في مواجهة، بل تعمل على تفكيكهما معا. فالشرق الذي يحتقر الكلب لا يخلو من قصص الوفاء المرتبطة به، والغرب الذي يرفعه الى مقام الصديق لا يخلو من تاريخ طويل من العنف تجاه الانسان والحيوان معا. وهكذا يتبين ان الثنائية نفسها — شرق/غرب، انسان/حيوان، طهارة/نجاسة — ثنائية غير مستقرة.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ اقتصاد العلامة الحيوانية في النص. فالكلب يتحول الى نقطة تقاطع لعدة دوال:
● دال الحضارة
● دال السلطة
● دال الطاعة
● دال الوفاء
غير ان ايا من هذه الدلالات لا يستقر. فكل معنى يولد ليقوضه معنى اخر. ان الكلب في الرواية يتحرك داخل لعبة الاختلاف (différance) التي تجعل المعنى مؤجلا دائما.
شخصية الراوي، على سبيل المثال، تبدا من موقف ثقافي واضح: النفور من الكلاب. غير ان هذا الموقف لا يبقى ثابتا؛ فمع تقدم السرد يتعرض للتشقق. فحين يواجه الراوي الكلب الاوروبي — الكلب الذي يحمل اسما ويعيش داخل البيت — يبدا الخطاب الثقافي الذي يحمله بالانزلاق. هنا يصبح الكلب حدثا تفكيكيا يزعزع يقين الهوية.
ان اللقاء مع «بيانكا» يمثل لحظة مفصلية في هذا السياق. فهي لا تمثل الغرب بوصفه جغرافيا، بل بوصفه خطابا مختلفا عن الحيوان. ففي علاقتها بكلبها تتجلى رؤية للعالم ترى الحيوان شريكا في الحياة، لا موضوعا للاستعمال. لكن هذا الخطاب نفسه لا يخلو من مفارقة: اذ ان الحضارة التي تمنح الحيوان هذه المكانة هي ذاتها التي انتجت تاريخا طويلا من الحروب.
وهكذا يصبح الكلب في الرواية نقطة تفكيك للانسانوية نفسها. فالانسان الذي كان يعرف نفسه في مقابل الحيوان يجد نفسه فجاة في وضعية مقلوبة: الحيوان يصبح معيارا اخلاقيا.
ان هذا الانقلاب يعيد طرح السؤال الذي كان دريدا قد اثاره في نصوصه عن الحيوان:
من يملك الحق في تعريف الحيوان؟ الانسان ام الخطاب الذي ينتجه الانسان عن الحيوان؟
في «ﺟﻣﮭورﯾﺔ اﻟﻛﻠب» لا نجد جوابا نهائيا. فالنص يظل يتحرك في مساحة بينية، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع الخطاب الثقافي. الكلب ليس مجرد موضوع في الرواية؛ انه الحد الذي تتفكك عنده الحدود.
ويمكن القول ان الرواية، في بنيتها العميقة، تمارس ما يشبه ازاحة مركز الانسان. فالعالم الذي تصفه لم يعد عالما يتمحور حول الانسان وحده. الكلب، الطيور، البحيرة، الطبيعة كلها تدخل في شبكة من العلاقات التي تجعل الانسان مجرد عنصر داخلها.
وفي هذا السياق يصبح العنوان نفسه — «ﺟﻣﮭورﯾﺔ اﻟﻛﻠب» — عنوانا مفارقا. فالجمهورية، بوصفها نظاما سياسيا بشريا، تنسب هنا الى الحيوان. وهذا الاسناد ليس عبثا بل اشارة الى زعزعة الحدود بين السياسي والبيولوجي.
ان الرواية لا تقول ان الكلاب تمتلك جمهورية، بل توحي بان الانسان قد يجد نفسه — دون ان يدري — يعيش داخل جمهورية اخرى غير تلك التي يعتقد انه ينتمي اليها.
وهكذا يخرج القارئ من النص لا بفكرة نهائية، بل بسؤال مفتوح:
هل الكلب في الرواية حيوان يدخل عالم الانسان، ام ان الانسان هو الذي يكتشف انه كان يعيش دائما في عالم الحيوان دون ان يدرك ذلك؟