صبحي دقوري
هناك في الحياة ما يبدو ضروريًا إلى حدّ البداهة: الخبز، والماء، والسقف، وبعض الطمأنينة إن تيسّرت. غير أن في حياة الإنسان ضرورات أخرى، أقل صخبًا، وأبعد عن العيون، ولكنها لا تقل جوهرية عنها شأنًا، بل لعلها أعمق أثرًا في بقاء الإنسان إنسانًا. ومن هذه الضرورات الأدب والفن. فهما ليسا ترفًا تستدعيه وفرة العيش، ولا زينةً تضاف إلى الحضارة بعد اكتمال أدواتها، بل هما من صميم ما يجعل الوجود البشري قابلًا للاحتمال، وجديرًا بالمحبة، ومستحقًّا لأن يُعاش.
نحن لا نحيا بما نأكله وحده، بل نحيا كذلك بما نأمله، وبما نتذكره، وبما نعجز عن قوله فنلجأ إلى القصيدة، أو إلى الرواية، أو إلى اللوحة، أو إلى الموسيقى، كي تقول عنا ما نعجز نحن عن الإفصاح عنه. ذلك أن الإنسان، مهما بدا عمليًا أو منشغلًا أو غارقًا في مقتضيات الواقع، يحمل في أعماقه حاجة لا تسكت: أن يفهم ما الذي يفعله هنا، وأن يخفف عن قلبه وطأة الزمن، وأن يعثر، وسط هذا العالم الذي يمرّ سريعًا، على شيء من المعنى، وشيء من العزاء، وشيء من الجمال.
من هنا كان الأدب أكبر من أن يكون تسلية، والفن أسمى من أن يكون مجرد مهارة. إنهما، في جوهرهما، طريقة أخرى لرؤية العالم. بل لعلّهما طريقة أخرى لقول الحقيقة نفسها. فنحن نخطئ حين نظن أن الحقيقة هي فقط ما يمكن قياسه، أو لمسه، أو إثباته بالأرقام والتقارير والموازين. هذا وجه من الحقيقة، نعم. لكنه ليس وجهها الوحيد. فثمة حقيقة أخرى، أكثر خفاءً وأشد التصاقًا بالروح: حقيقة ما نشعر به إزاء الأشياء، وما تتركه فينا الأيام من أثر، وما تصنعه الذكرى في القلب، وما يوقظه الحنين من عوالم نكاد نظنها ذهبت، فإذا بها تنهض فينا دفعة واحدة عند بيت من الشعر، أو جملة من رواية، أو مشهد من لوحة.
العلم، من غير شك، يعلّمنا كثيرًا عن العالم. لكنه لا يقول لنا كل شيء. إنه يفسّر، ويصنّف، ويحلّل، ويقيم الحدود بين الأشياء. أما الأدب والفن فيردّان إلى العالم سرّه الذي تكاد المعرفة الجافة تنتزعه منه. فالشجرة في كتاب النبات جنسٌ وفصلٌ وتركيبٌ ووظيفة. ولكنها في عين الشاعر ظلّ طفولة، ورفيق عزلة، وصورة من صور الزمن حين كان أكثر براءة. والبحر عند الجغرافي مساحة وموج وعمق وتيار. ولكنه عند الكاتب الكبير قلق، ونداء، ومصير، ووعد لا يتحقق إلا ليبدأ من جديد.
وهذا لا يعني أن الفن يكذب، أو أن الأدب يبتعد عن الواقع. بل على العكس من ذلك: قد يكون الفن أصدق من الوقائع حين تعجز الوقائع عن الإفصاح عن كامل معناها. فالحدث، في ذاته، شيء؛ ولكن وقعه في النفس شيء آخر. وما الإنسان في نهاية الأمر إلا هذا الأثر الحيّ الذي تتركه فيه الأشياء. الأدب لا يغيّر العالم الخارجي دائمًا، لكنه يكشف العالم الداخلي الذي من دونه يصبح كل وصف ناقصًا، وكل تفسير مبتورًا، وكل حقيقة باردة على نحو لا يُحتمل.
لهذا السبب كان الأدب العظيم هو ذاك الذي لا يكتفي بعرض الحياة، بل ينفذ إلى باطنها. لا يصف الوجوه فقط، بل يلتقط ما يمرّ عليها من تعب ورجاء وندم وصمت. لا يروي الحوادث فحسب، بل يصغي إلى ما تختبئ الحوادث وراءه من قدر. إنه لا يعطينا العالم كما يبدو للعيون وحدها، بل كما يمرّ عبر الذاكرة والخيال والحنين والخوف والانتظار. وهذه هي معجزته الكبرى: أنه يضيف إلى الواقع بعده الإنساني، ويمنح الأشياء العادية كثافتها الروحية.
وما أجمل أن نتأمل في هذا السرّ: كيف يستطيع كلام مكتوب على صفحة أن يهزّ قلبًا بعيدًا، وكيف يمكن لعبارة واحدة أن تحمل إلينا عالمًا كاملًا من المعاني. لعلّ هذا هو المجد الحقيقي للغة. فهي، في يد الأديب، لا تعود وسيلةً للتبليغ فحسب، بل تصبح بيتًا للروح. الكلمة عندئذ لا تخبر فقط، بل تكشف. لا تنقل المعنى وحده، بل تنقل معه النبرة، والرعشة، والخفاء، وكل ما يجعل التجربة الإنسانية أكثر من مجرد خبر يقال أو حادثة تُروى.
غير أن الأدب لا يكون عظيمًا لأنه متأنق، ولا لأن عباراته لامعة، ولا لأن صاحبه بارع في الزخرفة. فكم من كلام مصقول لا روح فيه، وكم من عبارة متواضعة في ظاهرها تملك من الصدق ما يجعلها أبقى من خطب طويلة وكتب أنيقة. الأدب الكبير هو أدب النبرة الصادقة، لا الضجيج اللفظي. هو الأدب الذي نشعر، ونحن نقرأه، بأن أحدًا ما قد مرّ حقًا بالتجربة التي يكتب عنها، أو أنه أحبّها، أو خاف منها، أو تألم بها، أو حلم من خلالها بشيء أجمل من هذا العالم.
ولعل هذا هو أيضًا ما يمنح الفن منزلته الأخلاقية الرفيعة. فهو لا يعظ مباشرة، ولا يرفع إصبعه في وجه الناس، ولا يوزّع الحكم عليهم كما تفعل الخطب. لكنه، من غير أن يدّعي الوعظ، يرقّي الإحساس، ويهذّب النظر، ويوقظ في النفس طاقة التعاطف والشفقة والانتباه. إنه يعلّمنا، من غير ضجيج، أن نرى الآخر لا بوصفه رقمًا أو صورة عابرة، بل بوصفه عالمًا كاملًا من الخسارات والآمال والأسرار. وبذلك يصبح الفن مدرسة في الرهافة، ويغدو الأدب تدريبًا خفيًا على الإنسانية.
ثم إن من أجمل ما يفعله الفن بنا أنه يحررنا من بلادة العادة. فما أكثر ما نرى ولا نبصر، وما أكثر ما نمرّ على الأشياء كما تمرّ الظلال. غير أن فنانًا حقيقيًا يكفيه أحيانًا أن يزيح عن العالم غبار الألفة، حتى يعود كل شيء جديدًا كما لو أنه يُخلق أمامنا الآن. هذا الشارع الذي ألفناه، هذه السماء التي لم نعد نرفع إليها رؤوسنا، هذا الوجه الذي حسبناه عاديًا، هذا الحزن الذي ظنناه شخصيًا وضيقًا؛ كل ذلك يستعيد في الأدب والفن معناه الواسع، وعمقه، وألقه الأول.
هنا تحديدًا تتجلى نعمة الجمال. ليس الجمال ترفًا بصريًا، ولا لذة سطحية عابرة، بل هو نوع من الخلاص المؤقت من ابتذال العالم. إنه اللحظة التي نشعر فيها أن الوجود، رغم ما فيه من قسوة وعبث وانقطاع، ليس كله خطأ، ولا كله ظلامًا. قد تكون لوحة جميلة، أو مقطع موسيقي، أو فقرة روائية، كافية لأن تعيد إلى النفس توازنها، وأن تهمس لها بأن الحياة، مهما أثقلتها الأيام، ما زال فيها ما يستحق التأمل والحب والامتنان.
ولذلك يبدو لي أن المجتمعات التي تزدري الأدب والفن، أو تؤجلهما إلى ما بعد الانتهاء من “الأهم”، لا تفهم في الحقيقة ما هو الأهم. لأن الأهم ليس فقط أن نبني البيوت، بل أن نعرف لماذا نعود إليها. وليس فقط أن نربح الوقت، بل أن نملأه بما يجعله أقل فراغًا. وليس فقط أن نعيش طويلًا، بل أن تكون لحياتنا نبرة، وصورة، ومعنى. وما الأدب والفن إلا حراسة خفية لهذا المعنى الذي يضيع كلما طغت المنفعة على الروح، وكلما ظنّ الإنسان أن ما لا يُشترى ولا يُباع لا قيمة له.
قد لا يمنع الأدب حربًا، وقد لا يوقف طغيانًا، وقد لا يمحو الفقر من الأرض. وهذه حدود يعرفها الأدب نفسه. لكنه يفعل ما لا ينبغي الاستهانة به: يحفظ في الإنسان ما يجعله أرفع من العنف، وأبعد من الوحشية، وأقرب إلى تلك الصورة النبيلة التي يحب أن يراها في نفسه. إنه لا يغيّر العالم دائمًا من خارجه، لكنه كثيرًا ما يغيّره من داخله، من ذلك الموضع السري الذي تتشكل فيه نظرتنا إلى الآخرين، وإلى الألم، وإلى الجمال، وإلى المصير.
وهكذا، حين نقول إن الأدب والفن حاجة إنسانية، فإننا لا نبالغ، ولا نُحسن العبارة فحسب. نحن نصف حقيقة بسيطة وعميقة معًا: أن الإنسان من دونهما يقدر أن يعيش، نعم، لكنه يعيش أقلّ مما ينبغي. يعيش بغير أفق، أو بغير دهشة، أو بغير لغة كافية لوجعه وفرحه. أما مع الأدب والفن، فإنه لا يكتفي بعبور الأيام، بل يتعلّم كيف ينظر إليها، وكيف يصالحها أحيانًا، وكيف يترك فيها أثرًا من روحه قبل أن يغيب.
وفي نهاية المطاف، لعل الأدب والفن ليسا سوى هذه المعجزة الهادئة: أن يهبا للعابر شيئًا من البقاء، وللفاني شيئًا من الخلود، وللحياة، على قصرها وغموضها ونقصها، شيئًا من الجمال الذي يجعلها أجمل مما هي، وأعمق مما تبدو، وأقرب إلى أن تُغفر