الطعام في خيمة العزاء.. تأثير أدوات الإنتاج الحديثة في تغيير عادة تقديم الطعام في خيمة العزاء – منطقة عفرين نموذجًا

أحمد بلال 

تلعب أدوات الإنتاج ووسائل الحياة الحديثة دورًا مهمًا في تشكيل عادات الشعوب وتقاليدها. ومع تطور وسائل النقل، وأساليب التنظيم الاجتماعي، تغيّرت الكثير من الممارسات التي كانت راسخة في المجتمعات الريفية، ومنها عادات العزاء والضيافة. ويُعدّ ما شهدته منطقة عفرين – جبل الأكراد مثالًا واضحًا على هذا التحول.

العادات القديمة قبل ظهور خيمة العزاء

في الماضي، كان العزاء في قرى عفرين يقوم على التكافل الجماعي. فعند وفاة أحد أبناء القرية، يجتمع الأهالي لتوزيع المهام:

مجموعة من الشباب تتولى حفر القبر.

ومجموعة أخرى تُرسل إلى القرى المجاورة لإبلاغهم بوفاة أحد أبنائهم.

وفي يوم الدفن، يحضر أهالي القرى المجاورة سيرًا على الأقدام للمشاركة في التشييع. وبعد انتهاء مراسيم تلقين الميت، كان الشيخ أو أحد أقارب المتوفى يوزّع بصوت عالٍ المعزين على بيوت القرية التي تطوّعت مسبقًا لاستقبال الضيوف.

كان هذا التقليد ضروريًا؛ لأن المعزين يقطعون مسافات طويلة مشيًا، مما يستوجب توفير الراحة والطعام لهم. وهنا كانت تظهر روح التعاون الحقيقي بين أهل القرية، إذ يتكفّلون مع أهل الميت بتأمين الضيافة، فيذبح أهل المتوفى ذبيحة ويوزعون اللحم، بينما يتولّى الجيران إعداد الطعام وجلبه.

ظهور خيمة العزاء وتحوّل العبء

مع مرور السنوات وظهور خيمة العزاء، تغيّر نمط استقبال المعزين. فبدل توزيع الضيوف على بيوت القرية، أصبح معظم الناس يجتمعون في خيمة واحدة. ومع ذلك، بقيت عادة تقديم الطعام قائمة، لكنها تحوّلت تدريجيًا إلى عبء ثقيل على أهل الميت، خصوصًا مع ارتفاع التكاليف واتساع حجم الضيافة.

لقد أصبحت خيمة العزاء مسؤولية كبيرة، تزيد من المشقة النفسية والمادية على ذوي الفقيد، في وقت هم أحوج فيه للراحة والتخفيف.

تغير الظروف… وتغيّر العادات

اليوم، ومع توفر وسائل المواصلات الحديثة، لم يعد المعزون يقطعون المسافات سيرًا على الأقدام، بل يصلون بسرعة وسهولة بسياراتهم. وبذلك انتفت الحاجة القديمة لتأمين الطعام والراحة للضيوف، لأن الظروف التي فرضت هذا الواجب لم تعد موجودة.

لذلك يرى الكثيرون و أنا معهم  أن الاستمرار في تقديم الطعام داخل خيمة العزاء لم يعد ضروريًا، وأن التخفيف عن أهل المتوفى هو الأولى، احترامًا لحزنهم وتقليلًا لعبئ التكاليف المادية.

إن التحولات في أدوات الإنتاج ووسائل الحياة، من المواصلات إلى أساليب التنظيم الاجتماعي، تُحدث تغييرات واضحة في عادات الشعوب وتقاليدها. وما شهدته عادات العزاء في منطقة عفرين مثال جلي على ذلك؛ فحين تتغير الظروف، ينبغي أن تتغير معها الممارسات التي لم تعد تخدم المجتمع، بل تثقل كاهله.

وهكذا يتبين أن العادات ليست ثابتة، بل تتطور بقدر ما تتطور أدوات الحياة.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجابر حبيب

 

ـ النصوص بين السخرية والوجع والذاكرة

في مجموعة “حارس المدفأة” لا يقدّم الكاتب قصصاً تُحكى بقدر ما يخلّف آثاراً تُلمَس؛ كأن كل نص ليس سوى بقايا احتراقٍ داخليّ، جمرٌ لم ينطفئ بعد، لكنه لم يعد قادراً على الاشتعال الكامل. إننا أمام كتابة تثق بالندبة لا بالحكاية، و لا تعوّل على الحدث، وإنما على ما يتركه…

ماهين شيخاني

مقدمة:

الأديب يعشق الكلمات، والكلمات تعشق الوحدة.

والوحدة… لا تتزوج جيداً.

هذه حقيقة قديمة، مؤلمة، لا يجرؤ معظم الأدباء على البوح بها. لكن جروحهم مكتوبة بين سطور نصوصهم. وفي المجتمعات الشرقية، حيث الزواج قدسية والطلاق وصمة، يصمت الأديب أكثر. لكن نصه… لا يصمت أبداً.

الجزء الأول: الغرب – حيث صرخوا بألمهم

فرانز كافكا: العاشق الذي هرب من الحب

لم يتزوج…

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…