قادة الإبداع المسرحي

ابراهيم البليهي

المسرح هو الأكثر تأثيرًا في أجيال الأمم الغربية منذ عصر النهضة وحتى اليوم إن المسرح عنصر أساسي في ثقافة التحديث فالعالم والطبيب والمحامي وغيرهم يتذكرون الشخصيات المسرحية والروائية وما يرد في الأفلام أكثر مما يتذكرون الشخصيات التاريخية لذلك تجد المؤلفين الغربيين في مختلف التخصصات يستشهدون بالشخصيات المسرحية والروائية فيوردون مقاطع لتقريب الأفكار للقراء لأن الشخصيات المسرحية والروائية هي الأكثر بروزًا في أذهان الجميع …..

لذلك يقول الناقد البريطاني بول جونسون في كتابه (المثقفون):

(( أدرك كل من يحاول السيطرة على عقول الناس أن المسرح هو الوسيلة المثلى))

وما أريد التنبيه إليه هو أن قادة الإبداع المسرحي قد نجوا من التأطير التعليمي فنجت أذهانهم من التطويع كما نجت من العزوف والانسداد الذي يصيب العقول إذا اضطرت للتعلم اضطرارًا فبقيت أذهانهم تستمع بالمعرفة وتتطلع إلى التعرف على المجهول وظلوا يبتهجون بما تتلقاه أذهانهم من معارف لأنهم يستمتعون بها فاستمرت مرونتهم الذهنية فصاروا قادرين على التفكير خارج الأنساق التي يتطبَّع بها الجميع ….

فشكسبير هو إمام المسرح منذ عصر النهضة وقد علَّم نفسه فجاء بالبديع المدهش وما يزال محل إعجاب ومتابعة الملايين في كل العالم إنه أشهر شخصية عالمية ليس فقط في مجال المسرح وإنما هو الأشهر بإطلاق ….

أما المبدع المسرحي الآخر فهو المبدع النرويجي إبسن الذي يقول عنه الناقد بول جونسون:

((إبسن كان أول من استخدم المسرح بشكل واضح ومنظَّم وبنجاح مدهش من أجل إحداث ثورة في التوَجُّهات الاجتماعية)) والمعروف أن إبسن لم ينل تعليما جامعيا فقد كان تدريبه العملي في مجال الكيمياء والصيدلة لكن عقله كان مفتوحا للأفكار والتصورات والصِّيَغ الجديدة للحياة فأبدع في مجال مختلف كليا عن مجال تدريبه العملي …..

يأتي بعده المسرحي الألماني بريخت الذي توقف بعد بضعة أشهر فقط عن مواصلة الدراسة في كليه الطب وتفرغ للإبداع المسرحي وحقق نجاحات عالمية لذلك يصفه بول جونسون بأنه الخليفة الطبيعي لإبسن وبأنه: ((كان أكثر كتاب العالم تأثيرًا))

كما يأتي اسم العبقري برنارد شو في طليعة المبدعين في مجال المسرح وهو لم ينل من التعليم سوى المرحلة الابتدائية لكنه من أبرز أئمة الإبداع المسرحي كما أنه مفكر عالمي عظيم ……

وحين ننتقل إلى أمريكا نجد أكبر كتاب المسرح يوجين لم ينل تعليما جامعيا فنجا من التأطير التعليمي وسَلِم عقله من العزوف والرفض الذي يخلقه التعلُّم اضطرارًا وظل عقله مرنا ومفتوحا وبقي شغفه بالمعرفة متجددًا ……

وحتى في مجال التمثيل المسرحي يأتي شارلي شابلن في الذروة لأن مواهبه لم تتعرض للارباك والانسداد الذي يُخَلِّفه التعلُّم اضطرارًا …….

هذه نماج مضيئة من قادة الإبداع وهم يأتون ليبرهنوا على صحة نظريتي: (العبقرية اهتمامٌ تلقائيٌّ قوي مستغرق وأن التعلُّم اضطرارًا مضادٌّ لطبيعة الإنسان التلقائية ) إنهم نماذج تضاف إلى نماذج أخرى تتنوع بتنوع مجالات الإبداع وهي عمومًا تضع أمام المسؤولين عن التربية والتعليم أعمق التساؤلات عن طبيعة العقل البشري وكيفية تفاعله مع التعلم بشغف مقابل التعلم بكُرْه واضطرار …………

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر حديثاً عن منشورات رامينا، ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها الدار، كتاب «الفنّ النظريّ» للكاتب والناقد والفنان طلال معلّا، وهو عمل فكري وجمالي يتناول العلاقة المتشابكة بين الفن والفلسفة، وبين الصورة والفكر، وينفتح على جملة من الأسئلة المتصلة بالجمال والمعرفة والثقافة وتحوّلات الرؤية الفنية.

ينطلق الكتاب من النظر إلى تاريخ الفن باعتباره، في أحد وجوهه، تاريخاً…

نصر محمد / ألمانيا

سامية يحيى إبراهيم، ابنة عامودا، خريجة معهد إعداد المعلمين. عملت معلمة لمدة خمسة عشر عاما، ثم تقاعدت مبكرا. تكتب الشعر منذ ما يقارب خمسة وعشرين عاما، ولها ديوان مطبوع بعنوان «صلوات الأشجار»، صادر عن اتحاد مثقفي روجآفا كردستان، إضافة إلى نصوص كثيرة غير مطبوعة،…

السويد – خاص: صدر حديثاً الكتاب الأربعون للشاعر والناقد لقمان محمود بعنوان (الحياة الكامنة خلف الكلمات)، عن دار “49 بوكس” في السويد. يقع الكتاب في (234) صفحة من القطع المتوسط، وهو استكمالٌ لمشروع لقمان محمود في مجال السرد، حيث سبقت له إصدرات عدة في هذا السياق، منها: “ترويض المصادفة” عام 2011، “زعزعة الهامش” عام 2019، “كسر…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، بحزن وأسى كبيرين، نبأ رحيل الفنانة كولستان طاهر- سوباري، التي توفيت ليلة أمس، تاركةً وراءها حضوراً فنياً وذكريات راسخة في نفوس وقلوب أسرتها وعائلتها، وذويها، وأصدقائها ومحبي فنها.
لقد عُرفت الراحلة بصوتها المميز، وبموهبتها الفنية التي لم تقتصر على الغناء، إذ عرفتها خشبات المسرح فنانةً…