أهكذا تنقضُّ عليَّ أيها الزمنُ كذئبٍ جائع؟ أهكذا يضيقُ بي المدى حتى تصيرَ الأرضُ حفنةَ غبارٍ في قبضتي؟ قلْ للريحِ أن تخلعَ عني جلدَ هذا التيه، أن تحصدَ ما تبقّى من وجوهٍ ذابلةٍ سقطتْ تحت معاولِ الضوء، وقلْ للسماءِ: أنا السُّرابُ إن خانني العطشُ، أنا الجرحُ إن خانهُ الملحُ، وأنا آخرُ ما لفظتْهُ الحروبُ من أغنياتٍ مكسورة. حطِّمْ قيدَكَ أيها القلبُ، اكسرْ يدَ الظلِّ التي تقودُك للعدم، دُسْ على النبوءاتِ التي غرزتها الأحلامُ في خاصرتك، واغمدْ في حلقِ الغيابِ سيفَ حضورِك، ارفعْ منارَ الرمادِ حتى يصيرَ الكونُ قبضةَ دخان، حتى يصيرَ الليلُ ندبةً على جبينِ الوقت، حتى تقولَ: هذا أنا، وهذا موتي يُولدُ في ضحكتي، وهذا حصانُ السنينِ يسقطُ صريعًا على أعتابِ الوهم. قد آن أن ينحني السوادُ تحت قدميَّ، قد آن أن ينطفئَ القمرُ في كأسِ ندمِهِ، فيا أيها الليلُ، أيها الفراغُ النازفُ في أوردتي، انزعْ وجهَكَ عن وجهي، لا أريدُ أن أكونَ مرآتك، لا أريدُ أن أرثَ عنكَ وحشتكَ، لا أريدُ أن أكونَ ظلك. فلتحترقْ كلُّ الشموعِ التي لم تضيء إلا الظلام، وليتحجَّرْ هذا الزمنُ في حنجرتي، وليكنْ هذا الصمتُ نصلًا أخيرًا أطعنُ به وجهي قبل أن يخذلني النور.
التعليقات (0)