أمي بين يديَّ

سيماف خالد جميل محمد

 

 

هناك حيث تنبعث الحياة، حيث كانت روحي تتنفس لأول مرة، هناك أيضاً  أعلنتْ روحي مغادرتها، لم يكن من الممكن أن أتخيل ولو للحظة أن تغادرني أمي، هي التي كانت ولا تزال الصوت الوحيد الذي أبحث عنه في الزحام، واليد التي تربت على قلبي في الأوقات الصعبة، كيف يمكن لخبر كهذا أن يتسلل إلى قلبي بهذه القسوة؟! كيف يمكن لأولئك الأطباء أن يقولوها بتلك البساطة، وكأنهم لا يدركون أنهم يقتلعون قطعة من وجودي؟!

في البداية رفضتُ التصديق، كنتُ أظن أنني إذا تجاهلت الأمر، فلن يصير حقيقة، ربما إن أغمضتُ عينيّ للحظات، سأعيد عقارب الزمن إلى الوراء،  لكن الحقيقة كانت تقترب كالموج الذي يتعذَّر دَفعُه، وكلما حاولت الهروب، ازدادت قرباً.

تلك الليلة، كنت جالسة في غرفة الفندق، أراقب الليل من خلف النافذة، السواد يحيط بكل شيء، ولم يكن يختلف عن الظلام الذي بداخلي، شعرت كأنه يعكس أيامي القادمة، ظللتُ أحدّق في الفراغ، حتى سمعت صوتها يناديني من الغرفة المجاورة:

  • حبيبتي، هل أنتِ بخير؟

كان صوتها هشاً، متعباً، لكنه لا يزال يحمل الدفء ذاتَه، مسحتُ دموعي سريعاً قبل أن أتوجه إليها، جلستُ قربها ووضعتُ يدي على يدها، كما لو أني أتمسك بها حتى لا تبتعد أكثر.

  • أنا بخير، ماما… وأنتِ؟ هل تحتاجين شيئاً؟

ابتسمت رغم الإرهاق الذي يكسو ملامحها:

  • أحتاج فحسبُ، أن تكوني بخير.

شعرتُ بغصّة في حلقي، وعجزتُ عن الرد، وأنا أتمسك بوهمٍ هشّ، أقنعتُ نفسي أن ما تمرّ به مجرد نزلةِ بردٍ قوية، لكن عينيها كانتا تخبرانني بالحقيقة التي أهرب منها.

مرّت سنتان…

بات العلاج الكيميائي ضيفاً ثقيلاً في بيتنا، يأتي ويغادر، لكنه يترك أثره في كل زاوية، كنا نحاول أن نسقي زهرتنا بالحب والصبر، لكن الأيام لم تكن رحيمة، في كل جلسة علاج كنتُ أراقبها بصمت، أبتسم رغم أنني كنتُ أتعذب من الداخل.

في أحد الأيام، بينما كنتُ أمشط شَعرها، شعرتُ أن الحياة نفسها بين يدي، ذلك الشعر الذي طالما اعتنتْ به، بدأ يتساقط بين أصابع يديَّ كذكرى راحلة، كنتُ أظن أنني بتمشيطه أعيد إليها شيئاً من عافيتها، لكنْ عندما رأيت الخصلات تتساقط، كأنها بَتْلات زهرة آيلةٍ إلى الذبول، توقفت يداي، وخنقتني الدموع.

 

همستْ لي بحزن:

  • ابنتي… شعري يتساقط.

ابتسمتُ رغم يأسي:

  • إنه مجرد شعر يا ماما، لا تقلقي.

لكنني كنتُ أنا القلِقة، كنتُ أخشى أن تكون هذه بداية النهاية، أن أستيقظ يوماً فأجد السرير فارغاً، والصمت قد احتلّ المكان، وددت لو أستطيع إيقاف الزمن، وأصرخ وأخبرها أنني لا أريد أن أفقدها، لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى فمي.

لم أتخيل يوماً أن الأدوار قد تنقلب، لطالما كانت أمي تسهر عليّ عندما أمرض، تُطَمْئنُني بكلماتها الحنونة، لم يخطر ببالي أنها ستكون في موضع المريض، وأنا في موضع الحامي. كان المشفى بارداً، يحمل في جدرانه قلقاً صامتاً لا تدفئه البطانيات ولا الدموع المكبوتة.

قضينا أياماً طويلة هناك، كانت الساعات تمرّ ببطء موجع، كأن الزمن نفسه يرفض أن يتحرك، كنتُ أراقبها بصمت، أخشى أن تغفوَ عيناي فأفقدها في غفوة عابرة، لم أكن أستطيع النوم، بل كيف أنام والخوف يلازمني كظلٍّ لا يفارقني؟!

كانت تهمس لي بحنان:

  • نامي ابنتي، أنا بخير.

لم تكن أمي تعلم أن داخلي كان يرتجف، وكنتُ أهرب من الحقيقة، لكني كنتُ أعلم أنها تقترب، ولم أجرؤ على مواجهتها، تحوّلتْ علاقتي بأمي إلى شيء أقوى وأعمق، أمي التي كنتُ أستلهم منها قوّتي، صبري، وأملي، صارت الآن في حاجة إلى قوّتي، كانت صديقتي وملاذي الآمن، لكنها أصبحت طفلتي التي أعتني بها بكل ما أوتيتُ من حُبٍّ واهتمام.

لم يكن ألمي أقل من ألمها، وجدتُ نفسي محاصرة بين مشاعر الطفولة التي غرستها أمي في قلبي، ومشاعر الأمومة التي نمت بداخلي تجاهها، كنتُ أعيش في خوف دائم من أنني قد أخسرها في أي لحظةٍ، كنتُ أضحي بكل شيء لأمنحها الأمان الذي لطالما منحَتْني إياه.

لكن الزمن لم يكن في صفّنا.

رحلتْ أمي..

في يوم لم أستعدَّ له، رغم أنني كنتُ أراه يقترب، غادَرْتِ بهدوء، بِصَمتٍ يحمل آلاف الرسائل والقُبُلات، كما لو كنتِ تعلمين أنَّ كل الكلمات لن تعبّر عن فداحة الخسارة وحجم الوجع.

رحيلكِ كان الفقد الذي لا يُحتمل، فقدتكِ يا زهرة أيامي، يا من كنتِ تملئين عالمي بالدفء، كيف تمكّن ذلك المرض اللعين من الانتصار علينا بهذه الطريقة القاسية؟ كيف استطاع أن يسرقكِ مني؟

كنتُ أعتقد أن الأمهات لا يرحلن أبداً، لكن الحقيقة كانت أقوى من أوهامي، اليوم أعيش في عالم خالٍ منك، لكنه ليس خالياً من روحِك، ومن حبكِ يا أمي، أنتِ لم ترحلي تماماً، أنتِ تسكنين في كل تفصيلة من حياتي، في كل ذكرى، في كل نبضة حياة. لذلك، لن أجعل الفقد هو نهايتنا، سأحمل حبكِ معي أينما ذهبت، وسأجعل من ذكراكِ نوراً يضيء طريقي، لأنكِ كنتِ وستظلين دائماً… بين يدي.

غادرتِ وبقيت أنا وذكرياتي معك.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…