العنف اللفظي… الطريق السريع نحو العنف الجسدي

خالد حسو

“حين تموت لغة الاحترام… يولد العنف بأبشع صوره”

منذ أكثر من عقدين، ومع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، تغيّرت ملامح الخطاب العام في العالم كله، وليس في عالمنا الشرق الأوسطي فقط. لم تعد الكلمات تُنتقى بعناية، ولم يعد الناس يحسبون حساباً لما يكتبونه أو يقولونه. بل أصبح البعض يكتب كما يشتم في لحظة غضب، ويرد كما يهاجم في الشارع.

لقد تحولت هذه المساحات الافتراضية إلى ساحات حرب لفظية مفتوحة على مدار الساعة، يشارك فيها الجميع بلا استثناء: الكبار والصغار، المثقفون والعاديون، الرجال والنساء. وصار القاموس اليومي مليئاً بألفاظ لم تكن يوماً جزءاً من ثقافتنا ولا تراثنا الاجتماعي.

الشتائم بدل الحجة

صار كثيرون، خاصة من جيل الشباب، يظنون أن السبّ والشتم هو أسرع طريق لإثبات الذات، وأن الإهانة اللفظية دليل قوة، بينما في الحقيقة، لا الشتائم تقنع، ولا الإهانة تنتصر في نقاش.

لقد تغيّر مضمون النقاش. كان الاختلاف في الرأي قديماً يصنع ثقافة متنوعة، أما اليوم فالاختلاف يصنع عداوة، والكلمة القاسية تولد أخرى أقسى، حتى يتحول الحوار إلى معركة كلامية لا فائدة منها.

وهنا تكمن الخطورة… فالعنف اللفظي ليس مجرد كلمات عابرة. هو بداية سقوط أخلاقي، ومقدمة لانفجار اجتماعي قد لا نتحمّل نتائجه.

القانون لا يحمي الشتّامين

القوانين في معظم دول العالم واضحة وصارمة في هذا المجال. حرية التعبير مكفولة، لكن ضمن حدود الأدب والاحترام، لا ضمن حدود الشتيمة والإهانة.

هناك فرق كبير بين نقد الفكرة وبين سبّ صاحبها، بين مناقشة الرأي وبين تحقير صاحبه، بين الرد بالحجة وبين الرد بالبذاءة.

ولذلك تسعى القوانين إلى حماية الأفراد والمجتمع من هذه الموجة القبيحة، خاصة حين تتحول الشتائم إلى تشهير أو اتهامات باطلة أو تهديد مباشر.

العنف يبدأ من الكلمة

ليس جديداً القول إن معظم أشكال العنف الجسدي تبدأ من عنف لفظي. كلمة تجرح… فتردها كلمة أشدّ… ثم يتحول الصراع من خلف الشاشات إلى مواجهة على أرض الواقع.

كم من جريمة وقعت لأن أحدهم لم يضبط لسانه؟
وكم من صداقة أو علاقة عائلية أو زمالة انهارت بسبب كلمة قاسية قيلت في لحظة تهوّر؟

المجتمعات التي تفقد احترام الكلمة، تفقد تدريجياً احترام القانون، ثم تسقط في فوضى الضرب والاعتداء والانتقام.

عالم بلا احترام… عالم بلا أمان

ما الذي يمنعنا من النقد بأدب؟ ولماذا يظن البعض أن الشتيمة أسرع من التفكير؟
الاختلاف طبيعي بل ضروري، لكن الأهم أن نحافظ على جسر التواصل بيننا دون أن نقطعه بالإهانات.

مجتمع بلا احترام، مجتمع بلا أمان.
والكلمة الجميلة صدقة، والكلمة القاسية سلاح مدمر.

الكلمة تبني بيتاً، وتجمع قلوباً، وتقيم جسوراً.
والكلمة أيضاً قد تهدم وطناً، وتزرع الحقد، وتفجر النزاعات.

رسالتي لكل من يقرأ:

▪ لا تجعل لسانك سيفاً مسلطاً على الناس.
▪ احترم نفسك أولاً كي تحترم الآخرين.
▪ اختلف كما شئت… لكن بأدب.
▪ ناقش كما تريد… لكن بوعي.
▪ وتذكّر دائماً: العنف اللفظي بداية الخراب.

احترم لسانك… قبل أن تندم على كلماتك.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…