شيرزاد عجمو النسر الذي رحل

بهزاد عجمو

قبل أربعين عاماً حيث لم يكن قد أخترع الهاتف الجوال والأنترنيت كانت هناك عادة في المناسبات يرسل الناس لبعضهم البعض كرت معايدة وهي عبارة عن صورة بحجم الكف ويكتب المرسل للمرسل إليه خلف هذا الكرت بعض العبارات وفي تلك الفترة كنت في المرحلة الجامعية في حلب بينما أخي شيرزاد كان في المرحلة الابتدائية في قامشلو فبعثت له بواسطة البريد كرت ضمن ظرف وكانت عبارة عن نسر واقف بشموخ وكبرياء وكتبت خلف الكرت العبارة التالية (أيها النسر يا من تريد الطيران دائماً في أعالي السماء فأخفق جناحيك بقوة لترتفع أكثر فأكثر فمكانك أعلى قمة في الجبال وأعلى طبقات السماء) وفعلاً صدقت توقعاتي فقد طانت كل صفات النسر متوفرة فيه شموخ وكبرياء ونظرات حادة وثابتة وعزيمة لا تلين وشجاعة خارقة يهابه كل الغربان والبوم ومعظم الطيور وفوق ذلك مثل كل الطيور الحرة التي تطير دائماً منفرداً حيث كان يضع كرسيه أمام بيته ويجلس منفرداً ولم يفكر يوماً أن يغادر وطنه الذي يعشقه حتى الثمالة ولقد تعلم هذا العشق على يد والده عبد الباقي عجمو أو بالأحرى في مدرسة والده حيث يعتبر بيت والده مدرسة في الوطنية والكردايتي فنتعلم في هذه المدرسة حب الوطن ورمزية البارزاني الخالد فسمى ابنه البكر برزاني والثاني نيشان ويلقبه (عجمو) ويقصد بذلك أن هناك علاقة حميمية وورديو وأخوية بين برزاني وعجمو فإذا كان برزاني الأخ الأكبر كان عجمو الأخ الأصغر فكما سار والده على نهج البارزاني الخالد سار هذا النسر على نفس النهج حيث عندما كنت أزور بيته أرى صورة كبيرة للبارزاني الخالد قد وضعها على الحائط في الصالون فكان شيرزاد خير خلف لخير سلف ولن هذا لم يعجب الأعداء سواء من الكورد أو النظام المخلوع ففي عام 2011 لفق له أجهزة المخابرات بالتعاون مع أحد عملائهم الكورد تهمة كيدية كاذبة بأن الرئيس مسعود البارزاني قد أرسل له شحنة من الأسلحة فاقتحم ثلاثون عنصراً من المخابرات بيته وفتشوا البيت شبراً شبراً فلم يعثروا سوى على بندقية آلية التي أهداها الرئيس مسعود البارزاني لوالده بعد الانتفاضة الباسلة لأخوتنا الكورد في كردستان العراق وعندما أرسل الرئيس مسعود البارزاني نداءً يطلب الغذاء والدواء فتقدم والده الجميع بدعمه المادي المعنوي فلم ينسى السيد الرئيس ذلك فبعد انتصار الانتفاضة فأرسل لوالده هدية عبارة عن بندقية آلية.

فصادر عناصر المخابرات هذه البندقية واعتقلوا شيرزاد مع أخيه نوزاد وأرسلوهم إلى فرع فلسطين السيء الصيت وما أدراك ما فرع فلسطين وكل العالم يعرف أنه مسلخ بشري حيث يمارس فيه التعذيب الوحشي على أشده وبعد ستة أشهر من التعذيب أطلقوا سراحه فخرج من المعتقل وهو شاحب الوجه وقد فقد الكثير من وزنه ومع ذلك كان أكثر إصراراً وتحدياً ولم يستطيعوا أن ينالوا من عزيمته ولو قيد أنملة فظل نار حب الوطن متقداً في قلبه ورمزية البارزاني نهجاً يسير عليه فحب الوطن ورمزية البارزاني الخالد تعلمها من والده فكان خير خلف لخير سلف وهو علمها لأبنائه أي انتقل حب الوطن ونهج البارزاني الخالد من أب إلى ابن إلى حفيد ولكن يد المنية لا ترحم فقد خطف منا القدر هذا النسر مبكراً ولكن هذه هي الحياة كما يقول الفرنسيين عندما يقومون بواجب العزاء ولكن هذه هي الحياة وهذا هو القدر تكون ظالمة وقاسية وغير عادلة لبعض الناس فلا تعطيهم الفرصة لتحقيق نصف أحلامهم وأمنياتهم بل وحتى جزء يسير منها فإذا كانت عدالة السماء مثل عدالة الأرض فهنا ستكون الطامة الكبرى ولكن عزائنا الوحيد عندما نمر أمام عش هذا النسر الذي أزاله عاصفة القدر الغادرة والظالمة وصعدت بروحه إلى السماء حيث كان عش هذا النسر أمام بيته في مدينة قامشلو ونرى الآن نجليه أو بالأحرى نسريه الذين هما في مقتبل العمر (برزاني وعجمو ) وهما يحاولان الطيران رويداً رويداً ولمسافات وارتفاعات متوسطة بعد علمهما والدهما النسر الطيران على أمل أن يصلا في المستقبل بطيرانهم إلى الارتفاعات الشاهقة في أعالي السماء حيث كان يصل إليها والدهما.

وبعد أسبوع من رحيله زرت ضريحه لقراءة الفاتحة على روحه رأيت نجليه حول ضريحه وانهما قد وضعا راية كردستان على ضريح والدهما النسر الكبير لانهما يعلمان جيداً كم كانت هذه الراية غالية وعزيزة على قلب والدهما وكأنما يعاهدان والدهما بحب هذه الراية وأن يسيرا على درب والدهما في استلام هذه الراية ويرفعوها إلى الأعلى وأن هذه الراية يجب أن تظل مرفوعة منذ أن استلم البارزاني الخالد هذه الراية من الشهيد قاضي محمد في عام 1946 فنم قرير العي أبا برزان فأن نجليك أو بالأحرى نسريك قد استلما الراية وفي المستقبل القريب سيصعدان بها إلى أعلى طبقات السماء لكي تخفق بقوة أكثر ومع مرور السنين سيسلمونها إلى أبنائهم ومن ثم أحفادهم وأنهما قد عاهدا الله بأن تظل هذه الراية مرفوعة كما عاهدت أنت ومن قبلك جدهم.

وكنا نتمنى أن تكون حاضراً وشاهداً ولكن لقد خطفك منا القدر يا أبا برزاني في يوم أسود تاركاً خلفكً كل أمانيك وأحلامك وآمالك ورايتك وأبنتك الصغيرة (سليفا) وهي بعمر الزهور فتظل تردد (أين أبي) فيعجز ألسنتنا أن ترد لها الجواب بسبب الصدمة القاسية حيث لم نكن نتوقع أن يكون جسدك الطاهر تحت التراب وأنت في عز عنفوان رجولتك حيث لم تتجاوز الثانية والخمسين من العمر حيث كنا نتوقع مع مرور السنين القادمة أن ترتفع أكثر فأكثر في طبقات السماء أيها النسر الكردي ولكن القدر كان له رأي آخر وقرار آخر فقد كان هذا القرار ظالماً وقاسياً بحقك يا أبا برزان.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…