الفن والحياة في كتاب “الصوت الندي: تأملات في الأداء والأغاني”

في زمن تتسارع فيه الأزمات السياسية والاجتماعية في العالم العربي، يأتي كتاب “الصوت الندي: تأملات في الأداء والأغاني” للكاتب والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد كملاذ ثقافي يعيد النظر في دور الغناء كأداة للحفاظ على الذاكرة الجماعية والتعبير عن الهوية الوطنية.

صدر الكتاب مؤخراً عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله ودار جسور ثقافية في عمّان، ويقع في 253 صفحة من القطع المتوسط، مع غلاف فني مصمم بواسطة ابنة المؤلف، الفنانة ميسم فراس. الكتاب مهدى إلى حفيدة الكاتب “زينة”، التي ألهمته لاستكشاف عالم الأغاني كجزء من التراث الإنساني.

فراس حج محمد، المولود في نابلس عام 1973، عضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين وحاصل على ماجستير في الأدب الفلسطيني، يُعد من الأصوات البارزة في الأدب المعاصر. له أكثر من 42 كتاباً، بما في ذلك دواوين شعرية ودراسات أدبية، ويتميز بقدرته على ربط الشعر بالحياة اليومية.

في هذا الكتاب، يعكس تجربته الشخصية كشاعر وجد وغزل، مستلهماً ذكريات طفولته المرتبطة بأصوات فيروز وأم كلثوم ونجاح سلام، ليبني تحليلاً ثقافياً يجمع بين العاطفة والنقد.

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول تُسمى “مقامات”، مستوحاة من التراث الموسيقي العربي، ويبدأ بتأملات شخصية حول الغناء كذاكرة. يصف حج محمد كيف شكلت أغاني أمه ووالده وجدته وعيه الثقافي، معتبراً الغناء وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، خاصة في سياقات وطنية مثل أغاني أم كلثوم بعد نكسة 1967، حيث دعمت المجهود الحربي وأصبحت رمزاً للصمود.

يؤكد العلاقة التاريخية بين الشعر والغناء، مستشهداً بقول حسان بن ثابت: “الشعر ديوان العرب”، ويشارك تجربته في كتابة نصوص شعرية صالحة للتلحين، مثل ديوان “نفسي غني” وأناشيد الأطفال.

في الكتاب، يخصص مساحة كبيرة لأيقونات الطرب العربي. يصف أم كلثوم بـ”ظاهرة فنية فريدة”، مشيراً إلى تفاعل جمهورها المثقف، وينتقد تقطيع أغانيها على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً ذلك تشويهاً للتراث. يستشهد بآراء إدوارد سعيد ومحمود درويش حول أهميتها، ويمدح فيروز كصوت يعبر عن الجمال والألم الإنساني والفلسطيني. كما يدافع عن الأغنية الشعبية الأردنية، مثل أغاني سميرة توفيق، وإدراجها في المناهج التعليمية لتعزيز الهوية الوطنية، وينتقد الهجمات عليها كمحاولة لمحو التراث الشعبي.

أما النقد التربوي، فيبرز في انتقاد حج محمد لإدراج قصيدة “أنا وليلى” لحسن المرواني في المناهج الفلسطينية، معتبراً إياها غير صالحة تربوياً بسبب محتواها العاطفي المفرط، ويقترح معايير جديدة لاختيار النصوص التعليمية. يطرح فكرة استخدام الأغاني في التدريس، مثل تعليم النحو عبر الأغاني، لتعزيز الذكاء الموسيقي لدى الطلاب. 

يرى حج محمد في الغناء ملاذاً إنسانياً يعزز الأمل والصمود. ينتقد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الذائقة الجماهيرية، معتبراً إياها تغيرت نحو السطحية، ويربط الغناء بالرسالة الوطنية التي تعبر عن هموم الشعب وآماله. كما يذكر أسماء فنانين آخرين مثل أليسا، ميادة الحناوي، وكاظم الساهر، ليبرز تنوع الأغاني السياسية والشعبية.

في منشوراته على منصة X، يروج حج محمد للكتاب بحماس، مشاركاً فهرسه وصور غلافه، مما يعكس شغفه الشخصي. النقاد يصفون الكتاب بأنه “عمل يجمع بين العاطفة والتحليل”، ويُتوقع أن يثير نقاشات حول دور الفن في التعليم والمقاومة الثقافية.

بهذا الكتاب، يثبت فراس حج محمد أن الغناء له مهمات أخرى غير الترفيه، فهو جزء أصيل من الهوية العربية، يربط الماضي بالحاضر ويواجه العتمة بالنور. يتوفر الكتاب في المكتبات الفلسطينية والأردنية، وسيكون متوفرا في معرض عمان الدولي القادم للكتاب في جناح دار جسور ثقافية ودار الرعاة، ومن المتوقع كذلك صدوره بصيغة إلكترونية في فترة لاحقة من هذا العام.

رام الله–18 أغسطس 2025

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…