العبث والمعنى… حين يبتسم كامو في مرآتي

ماهين شيخاني

هناك لحظات في حياة الإنسان يشعر فيها وكأنّه يسير على خيط رفيع مشدود بين الحياة واللاجدوى. في مثل هذه اللحظات، لا نبحث عن إجابات نهائية بقدر ما نبحث عن انعكاس صادق يعيد إلينا شيئاً من ملامحنا الداخلية. بالنسبة لي، وجدتُ ذلك الانعكاس في كتابات الفيلسوف والكاتب الفرنسي ألبير كامو (1913-1960).

ليس كامو مجرد فيلسوف عبثي يثير القلق، بل هو أقرب إلى رفيق في الرحلة: يضع أمامك المرآة ويقول لك إن صمت العالم ليس النهاية، بل البداية. وربما هنا يكمن سرّ قربه من شخصيتي وتجربتي: أنني أجد نفسي في فلسفته، وفي معاركه مع العبث، وحتى في تفاصيل حياته الإنسانية.

الانتحار ومعضلة البداية

في كتابه الشهير أسطورة سيزيف، يفتتح كامو حديثه عن الفلسفة بمقولة صادمة: “المشكلة الفلسفية الوحيدة الجدية حقاً هي الانتحار.” لم يكن يقصد الترويج لفكرة الموت، بل اختباراً جذرياً لمعنى الحياة: هل تستحق أن تُعاش..؟.

كم مرة وجدت نفسي أمام السؤال ذاته..!. ليس كرغبة في الانسحاب، بل كصرخة وجودية أمام فراغ الأسئلة. هنا أدركت أن التفكير في الانتحار، كما عند كامو، ليس نهاية التفكير، بل بدايته.

العبث: حين يصطدم السؤال بصمت العالم

يرى كامو أن العبث يولد من اصطدام توق الإنسان للمعنى مع صمت العالم البارد. هذا الصمت، في نظره، ليس لعنة بل حقيقة. كثيراً ما شعرت بهذا التناقض في حياتي: نسأل، نتأمل، نصرخ، لكن ما يصلنا من الوجود هو الصمت. وهنا بالذات يبدأ التمرد.

القبول والتمرد

ما يميز كامو عن غيره أنه لم يطلب منا الاستسلام، بل القبول بالعبث كشرط أصيل للحياة. ومن ثم، التمرد عليه. القبول لا يعني الخضوع، بل الاعتراف بالفراغ. والتمرد هو أن نملأ هذا الفراغ بما نصنعه نحن: كتابةً، حباً، صداقات، لحظات صغيرة تمنحنا لذة العيش.

هكذا تتحول الحياة، في فلسفته، إلى ثورة يومية صامتة ضد اللاجدوى. وهكذا أجد نفسي قريباً منه، فأنا أيضاً لم أختر الاستسلام لصمت العالم، بل أحاول أن أتمرد بقلبي وكلمتي.

خلق المعنى: من أشعة الشمس إلى كرة القدم

لم يبحث كامو عن معنى متعالٍ، بل عن لذة ملموسة. في كرة القدم، كان يرى درساً في التضامن والجمال، وفي أشعة الشمس يجد عزاءً، وفي صداقة الأصدقاء امتداداً لروحه.

وأنا كذلك أجد أن المعنى لا يسكن في القمم البعيدة، بل في التفاصيل القريبة: ضحكة صادقة، كتاب يرافقني، أو لحظة عابرة مع ابنتَيّ التوأم. وهنا يلتقي الخاص بالعام: كامو أيضاً كان أباً لتوأم، وكأن الحياة شاءت أن تمنحنا هذا الخيط الإنساني المشترك، كدليل أن حتى في قلب العبث يولد معنى عاطفي عميق.

صدفة الميلاد والموت

هناك تفصيل آخر ظل يثير دهشتي: تاريخ وفاة ألبير كامو هو نفسه تاريخ ميلادي. لم أكن يوماً مؤمناً بفكرة “تقمص الأرواح”، لكن هذه المصادفة تركت في داخلي أثراً غريباً، وكأن الزمن أراد أن يربط حياتي برجل علّمني أن أواجه العبث بالتمرد. لم أقرأها كإشارة غيبية، بل كتجسيد للعبث ذاته الذي كان كامو يتحدث عنه: صدف غير مفسَّرة تُلقي بظلالها على معنى حياتنا.

المسؤولية والصدق مع الذات

كامو كان يؤمن أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية. أن تعيش بحرية يعني أن تتحمل تبعات خياراتك. وهذا الدرس أحاول أن أتبناه: أن أعيش بصدق مع نفسي، أن أتحمل مسؤولية أخطائي قبل نجاحاتي، وأن أواجه قصر العمر لا بالخوف، بل بالوفاء للحظة.

في النهاية: التمرد كقدر جميل

لم يقدّم كامو خلاصاً ميتافيزيقياً، بل قدّم دعوة للعيش رغم كل شيء. دعوة لأن نحيا، أن نحب، أن نكتب، أن نضحك، حتى ونحن نعرف أن كل هذا قد يكون عبثياً. العبث ليس نهايتنا، بل بداية حريتنا.

ربما لهذا السبب أجد نفسي قريباً منه: لأنني، مثله، اخترت أن أبتسم وأحب وأخلق معنًى خاصاً بي، ولو في لحظة عابرة تحت أشعة الشمس، أو في ضحكة ابنتَيّ التوأم، أو في مصادفة غريبة بين ميلادي وموته… شاهدة على أن العبث قد خسر جولة أخرى.

الخاتمة :

 قد تبدو المصادفات العابرة مجرد أرقام وأقدار، لكن حين تتقاطع مع تواريخ ميلادنا أو تفاصيل حيواتنا، فإنها تكشف لنا عن بعدٍ آخر للحياة؛ بعدٍ يذكّرنا أن مسار الإنسان ليس فقط ما يعيشه، بل ما يتركه خلفه من أثرٍ وصدى. ربما لا نؤمن بالتقمّص، وربما نختلف في تفسير تلك التوازيّات الغامضة، لكن ما لا خلاف عليه هو أن الأرواح العظيمة، وإن رحلت، لا تفنى. بل تبقى حاضرةً في كل لحظة تُعيد لنا التاريخ بملامح جديدة، كأنها تقول لنا: الإنسان زائلٌ، لكن المعنى خالد.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…