أن تكتب الحياة…

عثمان حمو

لو كنّا في زمن ما قبل العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي، لكانت رواية “إثر واجم” مسرحيةً فلسفيةً جميلةً من شخصين فقط على خشبة المسرح، وراوٍ يدير الدفّة من خلف الستار.

وصلتني منذ فترة رواية الكاتبة مثال سليمان مشكورةً بإهداء جميل، وكعادتي آثرتُ قراءتها بتمهّل وهدوء. وبطبيعة الحال، حاولتُ في البداية فكّ شيفرة عنوان الرواية “إثر واجم” الذي استفزّ تفكيري وخيالي، وبالعودة إلى المعاجم وجدتُ ضالّتي.

فـ”إثر” لغويًا تعني العلامةَ الدالّة على ما تبقّى من الشيء بعد زواله، كالندبة المتبقية بعد الجرح، أو أثر الشيء في المكان بعد غيابه.

أما “واجم” فتعني الساكت العابس من شدّة الهمّ والحزن أو الخوف أو التعجّب.

إذًا، الكاتبة مثال سليمان، من خلال روايتها التي تضمّ بين دفّتيها 146 صفحة، ستحاول تدوين حياة وسيرة كائنٍ أو كائناتٍ مثقلةٍ بالهمّ والحزن والاستغراب.

منذ البداية حاولت الكاتبة – سواء بقصد أو دون قصد – إدخال القارئ بيت المفاجآت في تركيبة وبناء الرواية. ففي الصفحات الأولى، يحضر في ذهنك أنك أمام رواية من الأدب النسوي الكردي المعاصر، حيث تتهيّأ لتكون شخصية المرأة الكردية محور الصفحات، لكنك سرعان ما تكتشف أنك على خطأ، إذ تأخذك الكاتبة إلى منحًى آخر، لتصبح الرواية حوارياتٍ ومكاشفاتٍ إنسانيةً وفلسفيةً عميقة، وأسئلةً كبرى، ومناقشاتٍ حكيمةً تدور بين بطلي الرواية خاتون وكابار.

وأحيانًا أخرى، حوارات دائرية تدخلك إلى عوالم صموئيل بيكيت في مسرحيته في انتظار غودو، وتضعك في فلك سليم بركات في روايته موتى مبتدئون؛ حوارات تبدأ لتعود وتنتهي في النقطة نفسها التي بدأت منها.

في “إثر واجم” أستطيع القول إن الكاتبة استخدمت، بجمالية، كل فنون الكتابة: من المسرح إلى كتابة اليوميات، إلى الخاطرة، إلى الشعر، وحتى أدب التصوف.

فتارةً تدخلنا إلى عوالم جبران خليل جبران ومي زيادة، ونسافر معها في جمل رقيقة شفيفة تأخذنا إلى مدار الشهقة، وتارةً أخرى تسمو بنا في عالم التصوّف، كما في الصفحة (29) حين تقول:

يا قلب إبراهيم في لجّة السفر،

تهيم في الحب بين الشكّ والقدر،

تقدّم الروح قربانًا.

وفي الصفحة (87) حين تكتب:

أنت الواضح الجليّ على وجه البحيرة،

وفي الوقت ذاته أنت الغامض العميق الذي لا تدركه الأبصار.

ثم نجد الشعرية في أجمل صورها، وربما الأكثر ألمًا أيضًا، كما في الصفحة (33) إذ تكتب:

حلمتُ بسماءٍ من نور،

فسرتُ إليها على جسرٍ من دخان،

وإذ لامستُ أطرافَ الغمام،

كان الرمادُ يداعبُ أصابعي.

كذلك نشاهد فن الرسالة الخطّية في نهاية الرواية، اعتبارًا من الصفحة (159)، ولعلّ الأبرز هنا هو ما يمكن تسميته أدب الـSMS أو أدب الواتساب، إن جاز لي إطلاق هذه التسمية على هذا النوع من الكتابة. وربما تكون الكاتبة مثال سليمان السباقة في هذا الصنف في منطقتنا، إن لم أكن مخطئًا.

يتميّز قلم مثال سليمان بقدرٍ هائل من الألم والقلق في معظم الرواية تقريبًا، وتتجلّى ذروته كما في الصفحة (51) حين تقول على لسان خاتون:

كيف أصفه يا صديق؟ هو صمتٌ لا يُحتمل، تفيض منه حكايا الأيام كأنه الدم القديم يسري في عروق الأوقات.

أو كما في الصفحة (96) حين تكتب في صراخٍ مكتوم:

أحتاجك حدَّ البكاء، وأشتاقك حدَّ الألم.

وفي الصفحة (63) تقول:

في عالمٍ يتسارع فيه الزمن، وتتداول فيه الأصوات، تتوارى لحظات التأمل العميق خلف ستارٍ من الضجيج. وسط الصخب، تبرز روحٌ تبحث عن معنى.

وفي الصفحة (123) تكتب بمرارةٍ عن الوحدة والخواء:

أجلس هنا في سكون الليل وحيدةً تمامًا، تلك الوحدة العتيقة التي تلتصق بالجلد مثل وشمٍ لا يُمحى، تحرق الروح كنارٍ بطيئة.

في رواية “إثر واجم” كأنّ الكاتبة مثال سليمان حاولت أن تكتب كلّ شيءٍ دفعةً واحدة؛ أن تكتب كلّ الحياة، بكلّ ما فيها من ذكرياتٍ وقصصٍ وندباتٍ وجمالٍ وحلمٍ وسعادةٍ وفلسفةٍ وحزنٍ وقلقٍ وطموح.

أرادت أن تكتب كلّ شيءٍ يمكن كتابته، وكأنّ هذه الرواية هي كتابها الأوّل والأخير.

ورغم اللغة الرصينة الشفّافة الحالمة والحكيمة، ورغم أن مثال جاهدت أن تكتب هذه الرواية بأعصابٍ هادئةٍ وباردة، إلّا أنّي أكاد أسمع التنفّس العالي في صدرها أثناء كتابة هذا الكمّ الهائل من المشاعر المتدفّقة من ألمٍ وتعبٍ وخواء.

وأبقى واجِمًا أمام هذا الكمّ الكبير من الحزن والقلق والحلم.

رواية إنسانية عميقة وجميلة، قريبة جدًا من الواقع المعيش بكل تفاصيله اليومية.

أهنّئ مثال سليمان على هذا العمل الرقيق.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…