نحو مؤسسة ثقافية كوردستانية واعدة

ريبر هبون

تلك المؤسسات التي تكرر طقوس السلطة الحزبية ذاتها إنما تحاول أن تقول للكاتب المبدع أو الذي يحافظ على نقاوة مواقفه وأصالة قلمه :أنك فعليا لا تحتاج للوجود مجازاً ضمن مؤسسة ثقافية تقوم بتسويق أعمالك أو أن تجد نفسك من خلالها، أنت فقط بحاجة إلى مزيد من الثقة بقلمك.

من خلال تجربتي مع مؤسستين ثقافيتين لن أذكرهما “كي لا أدع متصيديهما يصطادون في المياه العكرة لغاية في أنفسهم ، لاحظتُ بالمجمل أنهما لا تضيفان أي فضل أو دور حقيقي للرسالة الأدبية أو الثقافية للكاتب العضو المنخرط فيها. حتى أن الأعضاء فيما بينهم يشبهون نسخًا طبق الأصل عن أعضاء الحزب؛ فالصراعات الداخلية والمناخ السام أو التنمر فيما بينهم يشبه إلى حد كبير الصراعات التي تشهدها الأحزاب أو التنظيمات السياسية أو بيئات العمل الضاغطة،  بمعنى أنهم يمارسون الطابع الحزبي أو الشللي، ولكن تحت يافطة الثقافة وهذه مفسدة للإبداع والقلم أيما مفسدة.

كثيرًا ما كنت أستمع إلى تجارب السياسيين المتعبين أو المنشقين ممن خاضوا مرحلة من عمرهم داخل الحزب، ثم خرجوا عنه ليقولوا لاحقًاً: كنا نقضي جل وقتنا في صراعات داخلية، أحدنا ينافس الآخر، والآخر يزاحم زميله على منصب أو سلطة. أصحاب الكدح، أو أصحاب الرؤية الحقيقية والأصالة، كانوا يُهمشون ويُقصون من قِبل انتهازيين يصلون إلى السلطة والمناصب بوسائلهم الانتهازية والوصولية. في النهاية، يخرج هؤلاء العصاميون أو المخلصون الذين حافظوا على قناعاتهم وحاولوا إيصال خطابهم الوطني المخلص إما متهمين أو مدانين أو خونة باتوا يطعنون في رب نعمتهم بعد أن ساءت الخدمة في الفندق الذي آواهم

حين دخلتُ تلك المؤسسات الثقافية بغرض البحث عن الانتماء الأخوي بين أقراني من المبدعين وأنا في غمرة أمانيّ في خلق مساحة مثالية ضمن حيز خيالي الخاص،  ورأيت الحالة المتردية لدينا ككورد داخل تلك المؤسسات، أدركت يقينًا أننا نسخة رديئة وهجينة عن التصدع الحزبي والواقع السياسي والذهنية المتوعكة ككل، وأن الممارسة الثقافية فيها تكرّر ذات طقوس السلطة والانتهازية بدل أن تكون موجهة لحماية الكاتب ودوام وصول رسالته لمختلف الناس.

الرسالة التي أريد أن أرسلها من خلال هذا المقال هو إبعاد النخب الشابة المبدعة أو المؤمن بالإبداع عن سطوة تلك المؤسسات الثقافية الرقابية بما تحمل من  رواسب سلبية  على الرسالة الثقافية نفسها. فهذا المقال ليس تحليليا أو متصلاً بموقف  أو ردة فعل ما بقدر ما هي خواطر تراود الذهن وما تتضمنه من أفكار متلاطمة ، أردت بالفعل الموضوعية من خلال تجربة معمّقة و أن أقدم للكاتب تلك التجربة ليبصر نفسه أكثر وليكون أكثر قرباً منها وليؤمن أيضا أن هذا العصر لا يقتضي بالضرورة أن ينتمي الكاتب إلى مؤسسة ثقافية إذ بإمكانه أن يحقق أو أن ينشئ مؤسسات ومنصات في وقتنا الراهن في زمن تعدد وسائل التواصل الاجتماعي في زمن السوشيال ميديا في زمن طغيان البصري  على الأنشطة الميدانية. وكذلك أردت أن أقول هنا أن خلق منصات جديدة أو خلق مؤسسات جديدة أو منتديات جديدة من شأنها أن تقلص من سطوة تلك المؤسسات الثقافية التقليدية التي تتعاطى مع الثقافة والإبداع كتعاطي الحزبيين مع السياسة أو مع الإيديولوجيا التي يودون فرضها بطريقة شعبوية.

نلحظ أن هذه المؤسسات التقليدية تعاني من قلة  أو انعدام حضور الشباب لأنشطة وفعاليات تلك الاتحادات الثقافية أو المؤسسات و ابتعاد الشباب عنها وهم بالمئات،  واقتصار الحضور أو الاهتمام على كبار السن ممن ليس لديهم عمل أو تفرغ مهني أو من ساسة خرجوا من فلك السياسة ودخلوا في الشأن الثقافي ليمارسوا السياسة بطريقة ما،  وأي مقال ناقد بطبيعته يستهدف المثقفين والنقاد على وجه سواء وكذلك  لأجل أن يعي الجمهور تلك الحقيقة أنهم على حق جزئياً في الانكفاء عن الحضور أو المشاركة لأنهم لم يجدوا مناخاً يشدهم أو يجعلهم يتعلقون بتلك الأجواء الثقافية وأود من خلال هذا أيضا أنه من خلال النقد الهادف والانصات له يمكن تدارك الأخطاء،والنقد لا ينم عن كراهية بل ينم عن شعور بالمسئولية شعور بالغيرة شعور بضرورة أن يتم تصويب الأخطاء للحيلولة من تكرارها  واعتبار اقصاء أي كاتب عن المشهد الثقافي وعلى حساب تقديم الآخرين ينم عن انعدام وجود آلية موضوعية في التعاطي مع المشهد الثقافي والإبداعي.

إن تنمية الحركة الثقافية والسعي لمؤسسات واعية وآمنة وصحية في ظل عدم وجود دولة كوردية هي مسؤولية تقع على عاتق مجموع أفراد توفرت لديهم إمكانية الحركة  وساعدتهم الظروف في خلق جمعية أو مؤسسة أو اتحاد ، ولا شك من أن أي عمل لا يخلو من فوضى أو قلة خبرة أو رغبة في احتكار المشهد،وبتأكيدي لجملة حلول على سبيل المثال لا الحصر من الممكن الخروج من قوقعة التلاشي والجمود: 

-مد الجسور مع الشباب والتحاور معهم ، فهم نفسيتهم وإيلاءهم دوراً في رسم معالم المشهد الثقافي ومساعدتهم في ذلك على مبدأ وفاق الأجيال لا صراع الأجيال.

-اعتبار النقد تقويماً ، تصحيحاً وتأطيراً للعمل الثقافي بغية إزالة العوائق وتحقيق بيئة أفضل مستدامة وتتسم بمرونتها وانفتاحها على مختلف الآراء والتوجهات. 

-الكف عن ممارسة الفروض أو الطقوس الحزبية داخل المؤسسة الثقافية بما يضمن استمرارية تلك المؤسسة. 

-فتح قنوات التواصل بين نشطاء العمل الثقافي والمعتكفين في بيوتهم يأساً لإعادة تفعيلهم وضمهم للمؤسسة. 

من خلال سلسلة خطوات كهذه من الممكن إنقاذ الحالة الثقافية من الجمود والتصحر والأهم ألا يقاد العمل الثقافي بمزاجية ،إقصاء هذا وترغيب ذاك من منطلق مناطقي أو عائلي أو حزبي أو شللي، فهو مسؤولية أخلاقية، إنسانية ووطنية ودوامها من دوام نهضة الأمة والمجتمع.

ريبر هبون – ألمانيا- 10 أكتوبر – 2025

-للاستمتاع للبودكاست:

https://youtu.be/5RVdAXWBFBM?si=tSmff8HvhFsecfyZ

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…