رستم زال: أسطورة فارس أم بطلٌ مشترك بين الشعوب..؟.

ماهين شيخاني

مقدّمة

في أروقة الملاحم الإيرانية القديمة، يبرز اسم رستم زال كبطلٍ استثنائي، يشبه في أسطورته من يُشبهه من أمثال هرقل عند الإغريق أو بيولوف عند الشعوب الجرمانية. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة في سياقنا اليوم: هل هو بطلٌ فارسي خالص، أم يمكن اعتباره أيضاً شخصيةً ذات صلة بالتراث الكوردي..؟. وكيف ننظر إلى هذا التراث المشترك في ضوء الهويات المعاصرة..؟.

من هو رستم زال..؟.

حسب ملحمة شاهنامه للشاعر الفارسي فردوسي، فإنّ رستم ـ أو “روستَم” بالفارسية (Rostam) ـ ابن الزعيم الأسطوري زال (Zāl) وابنة ملك كابل رودابه (رُودابه).

زال، بدوره، كان أميراً لمقاطعة زابُل (Zabulistan) في منطقة سيستان، فيما يُشير إلى أن مملكة سيستان كانت جزءاً من فضاء الإمبراطورية الإيرانية القديمة.

تُشير المصادر إلى أن رستم نشأ في زابُلستان، وارتبطت أسطورته بسلسلة من المعارك البطولية، ومنها “سبع أعمال رستم” ومعركة رستم وسُهراب، التي أصبحت رمزاً مأساوياً في الأدب الإيراني.

 

جذور الأسطورة وارتباطها بالإقليم

من المهم أن نلاحظ أن منطقة “سيستان/زابُلستان” التي ترتبط بأسطورة رستم، تمتد جغرافياً إلى شرقي إيران وغرب أفغانستان، وهي منطقة حضّنت مزيجاً من الأعراق والثقافات: الإيرانيون الفُرس، السكيثيون، الميديون، وغيرهم. وقد ربط بعض الباحثين أسطورة رستم وزال بشعوب السَغزي أو السكيثية الموجودة في تلك الهضبة الشرقية.

 

وعليه، فإنّ “الأصل” أو “الجنس” الأسطوري لرستم لا يبدو محصورًا في هوية واحدة بمعزل عن السياق العرقي والثقافي المتعدّد في المنطقة.

هل هو فارسي..؟.

نعم، من منظور التدوين الأدبي والتقليد الإيراني، يُعتبر رستم زال بطلاً قومياً فارسيّاً. النصّ الفارسي “شاهنامه” يجعله رمزاً لـ “العرض الفارسي” (Persian heroism) ويحتفي به كجزء من الهوية الأدبية للفرس.

كما أن المصادر الإيرانية – مثل موسوعة إيرانِيكا – تصفه ضمن التراث الإيراني التقليدي.

لذا، من منظور “الفارسية الفولكلورية” فإنّ القول بأنه “فارسي” أمرٌ منطقي.

 

هل يمكن أن يُعتبر كوردياً..؟.

هنا يأتي الجانب الأكثر إثارة: في السياق المعاصر، ومع بروز الوعي القومي الكوردي، يُنظر إلى الشخصيات البطولية القديمة – التي تنسبها تراثياً مناطق مثل زابُل أو سيستان – كجزء من “التراث المشترك” للمنطقة، وليس حصراً للفُرس.

لكن، من الناحية الأكاديمية التاريخية، لا توجد دراسات موثوقة تؤكد أن رستم زال كان “كوردياً” بمفهوم الهوية القومية الكوردية الحديثة. المنطقة التي يرتبط بها (سيستان/زابُل) ليست داخل النطاق التاريخي أو الجغرافي النموذجي لكوردستان.

ومع ذلك، يُمكن القول إنّ التراث الكوردي، في ضوء الانفتاح على الهوية الثقافية، قد يستلهم شخصيات مثل رستم زال باعتبارها رمزاً للشجاعة في الجبال والمناطق القوقازية والآرية، لكن ذلك سيكون في إطار تفسير منجز ثقافياً معاصراً، وليس استناداً إلى دليل تاريخي مباشر.

لماذا يهمّ هذا النقاش..؟.

لأنّ الهوية الوطنية والثقافية اليوم تبحث عن جذورٍ يمكن استلهامها، والأساطير تلعب دوراً محوريّاً في بناء الذاكرة الجماعية.

إنّ إعادة النظر في شخصية مثل رستم زال يعيد إشعال النقاش حول:

كيف يُستخدم التراث الأدبي لتأكيد أو لتشكيل الهوية..؟.

كيف تتداخل الأسطورة مع الواقع التاريخي..؟.

وما هو الفرق بين “البطل الأسطوري” و”البطل القومي” في العصر الحديث..؟.

 

خاتمة: نحو قراءة حداثية للتراث

رستم زال – أسطوريٌّ، وإنسانيٌّ، ومنفتح على تأويلات متعددة. نراه فارساً إيرانيّاً من حيث التأريخ والأدب، ونراه، من جهة أخرى، مصدرَ إلهامٍ لكلّ من يسعى إلى تجسيد الشجاعة والعدالة في تراثه.

ولأن التراث ليس ملكاً حصرياً لأمة واحدة، بل قد يُصبح جسرًا للتشارك الثقافي، فليكن رستم زال رمزاً للفارس الذي يجمع الأجيال، لا للفارس الذي يقسمها.

المصادر المختارة

ZĀL, «Encyclopædia Iranica».

iranicaonline.org

Shahnameh (The Epic of Kings): Rostam. Iran Chamber Society.

iranchamber.com

“Archetypal Heroes of the Epic of Kings”. Trames 2019 23(73/68).

media.neliti.com

Iranartmag, “Take a Look at Rostam and Shahnameh”.

مجله هنر

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…