وقفة مع كتاب “بريد السماء الافتراضي” للشاعر والأديب أسعد الجبوري.

هند زيتوني| سوريا

كي تتحدّث مع الأموات بإمكانك الذهاب إلى مدينة المنجمّين الشهيرة في كاساديغا بولاية فلوريدا الأمريكية هناك يستطيع الوسيط أو الـ (Medium) أن يجعلك تتصل بالأرواح، أمّا إذا أردت أن تستمع لحديث الشاعرات اللواتي تربّعن على عرش الموت، فما عليك إلاّ أن تقرأ كتاب “بريد السماء الافتراضي”. هناك الموت لا يعني التلاشي ولا النسيان، بل قد يكون الحضور القوي بكل تفاصيله الصغيرة والمضيئة.

 الشاعر والأديب أسعد الجبوري قرع أجراس القيامة ودعانا لنشرب أنخاب الموتى، لنسبح في بحيرة دموعهم، فتحدّث عن شاعرات عظيمات من جميع أنحاء العالم، شاعرات اعتنقنَ العزلة والكآبة والشذوذ، بعضهنّ تعرضّن للعنف الجنسي الأسري، وأدمنّ على الحبوب المنومة والمصحات العقلية.

 شاعرات كتبنَ قصائدهنّ برائحة الجسد والحب والجنس والاكتئاب ليمارسن صناعة الانتحار. فهل كنّ قرابين الشعر؟ أم كان الشعر كتلةً المغناطيس الجاذبة للعدم؟ لقد اخترن العزلة لأنها وطن الأرواح المتعبة كما قال الروائي الأمريكي آرنست همنغواي.

توّغل الجبوري تحت جلود الشاعرات بمشرط الشعر، وأخرج القصائد المخفية، وحرّك الشفاه اليابسة، وبثّ الحياة في الأرواح المعطّلة، وسفح دمائها البيضاء. وكأنّ الموت أصبح مفتاح الحكاية، هناك أخذ يحفرُ في التوابيت المغلقة المبنية في الضباب وكهوف الثلج البعيدة، ليحاور الشاعرات، ويعرّي لنا أوجاعهنّ وأمراضهنّ وآلامهن التي أجهضنها في بحر القصائد.

ثمَّ أخذ يفرد ملاءات الكآبة الطويلة ويطرّز وسائد الحزن والقلق ليخلق لنا هذه الحوارات الفلسفية والمتفردة بأسلوب شعري سوريالي جميل، يكشف لنا هذا الكتاب عن التفاصيل الشيّقة لحياة الشاعرات وتجاربهن الشعرية، تلك التفاصيل تدلّ على ثقافة الأديب والشاعر أسعد الجبوري الموسوعية وشغفه بالشعر والأدب والكتابة.

كَتَبَت مقدمة الكتاب الشاعرة الدكتورة راما وهبة حيث ذكرت أن “الأديب جمع أكثر من 460  شاعراً وشاعرة من مختلف ثقافات العالم. وتبين لنا أن أهمية الكتاب تكمن في بحثه عن المصادفات والهوامش التي تفكك آخر الزمن، وتبين الفوارق الدقيقة لشخصيات تتشابك عوالمها الداخلية مع صراعاتنا الآن. فكل خلية من الشاعر هي بمثابة ورقة لنشوء السحر.

 شاعرات تحدثن عن علاقة الفلسفة بالشعر والجسد واللاهوت”، الفلسفة التي تدفع بالشعر إلى عملية تنظيف اللغة من الرائحة الكريهة والملوثات، كما صرحت الشاعرة السويدية كارين بوي، ولكن لماذا كانت كل الشاعرات حزينات، ومغلفات بالحزن والكآبة؟

هل هي الولادة المتعثرة؟ كما أدلت الشاعرة الأمريكية آن ساكستون. عندما سُألت عن الغضب والكآبة والتمرد اعترفت أنها كتبت قصائدها بحبر الجمجمة، وقد كرهت الجنس بعد أن تعرضت للاغتصاب من والدها.

من الجدير بالذكر اعتبرت الشاعرة آن ساكستون الشعر رقصاً بإقدام مشقًقة، حافية على رمال متحركة، ملتهبة. وأكدت بأنّ الشعر يجب ألا يكون بريئاً لأنّ البراءة احتواء بارد للعواطف، والنار تراقب نموّ القصائد في الورق. في المصحات امتزجت رائحة الأدوية برائحة القصائد التي كانت تقودها الكآبة. تقول هذه الشاعرة عن الكآبة: الكآبة نوبات لا بدّ منها لتستمر المخيلة بالإنتاج وإلاّ لوقعنا في قاع الجحيم وانتهت بذور الشعر.

أماّ الشاعرة الألمانية باربارا كوهلر صرّحت: عندما تبتلى بالشعر بشكل جيّد، فإنه يمنحك من نفسه راداراً ومختبراً ودفتر شيكات لتصريف النصوص، وأنا حصلت على كل شيء من تلك العطايا، كما يجدر بالذكر أن بعض الشاعرات اعتبرن الحُبّ منطق الجنّ والجنون ومنهن من اعتبرن الشعر ممارسة بيولوجية حافلة بالجنس.

صرّحت الشاعرة السويدية كارين بوي: بأن حارس المحركات الجنسية العامل النهم بين طبقات الجسد هو الذي يعمل من أجل دوام الشعر بعيداً عن التصحّر. بينما اعتبرت الشاعرة الإنكليزية اليزابيت براونينغ تفريغ القصائد من الشهوات الجنسية يعكّر اللغّة، ويجعل من الكلمات كلاب شوارع، تنقصها التربية والأطعمة والحنان.

تقول الشاعرة اليابانية أكيكو يوسانو: حرية الحُبّ لا تكتمل دون حرية الجسد ومعظم الأعمال الشعرية هي من منشأ إيروتيكي. وأكدت أن “الشعر ابن الرائحة الآتية من كل الكائنات وكل ما يقوم إلى الكتابة الحرة بآفاقها الشيطانية والملائكية”. الشاعرة يوسانو اقتحمت المناطق المحرمة ما بين الجنس والدين والعواطف العارية. اعتبرها الشاعر تسؤنا ساساكي شاعرة عاهرة تفسد الآداب العامة. كانت الشاعرة أكيكو يوسانو ترى أن الشعر جامعاً لكل الديانات التي مرّت على الأرض لكنه لم يخلص البشر من الشرّ والكوارث.

أماّ الشاعرة فلوربيلا إسبانيكا: تعتبر أنّ الشعر في جوهره ممارسة بيولوجية حافلة بالجنس وبأشكال مختلفة، متنوعة ثم تستقر في موقد الرماد. بينما اعتبرت الشاعرة المكسيكية، الفاتنة بيتا آمور بأن الشعر في جوهره تبرّج لغوي وإغراء بالصوت والصورة ليس إلا. أمّا الكلمات المحافظة على عذريتها فعادة ما تنتهي قطع خشب بفمٍ موضع جائع للنيران.

ولكن هل للشعر فم لا تشبعه إلاّ النيران؟ الشاعرة الأرجنتينية سيلفينا أوكامبو قرأت النيران جيداً دون أن تصل درجة الرماد، وقالت عن “الحب هو حالات من تدهور الجبال إلى قاع الجحيم. كما أن لكل شاعر أكثر من جسد لممارسة الحُبّ”، كما تكشف الشاعرة البرازيلية أولغا سافاري: بأن قارئ الشعر هو بالأساس باحث عن الجنس وبأنّ الطاقة الإيروتيكية عندما تدخل الخيال تحرّك اللذة في كل كلمة.

أما عن الشاعرة الهنغارية رينيه آردوس كتبت ما كان يجري في أرواحٍ الفتيات من فائض غرامي مكبوت وقد اعتبرها المجريون أكثر الكائنات إثارة. كانت الفتيات تقرأ قصائدها تحت شراشف النوم. كشفت هذه الشاعرة الحياة السرية للمرأة وتحدثت عن التابو الذي لم يجرؤ التحدث عنه أحد. وقد دفعت ثمن كتاباتها مرضاً وتعباً وتعدداً للأزواج وتشرداً بعد أن غزا هتلر المجر.

في النهاية نجد أنّ الشعر كان الملاذ الوحيد لأولئك الشاعرات الاستثنائيات. شاعرات دأبنَ على تنظيف الشعر والقصائد من الجمود والشوائب والقيود الأقفال الصدئة، شاعرات اعتبرن الشعر مراهقة تفيض بالجنس وبجميع حواس الجسد، أكلن من ثمرة العزلة والألم والفقد. وزرعن حقول الشعر بقبلات العشاق واللقاءات والمجوهرات الحزينة، وتحدّين القيود الذكورية والخطوط الحمراء وحاربن العالم من أجل الحريّة، وحاربن الحرائق الصامتة، وزرعن في أوراقهن شهوة الكلمات وشبق الحروف ونزيف الروح، شاعرات لم ينطفئن بموتهنّ. لم تخبُ جذوة كلماتهن وما زلن يلمعن كنجوم تنير سماء العالم.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…