إبراهيم محمود
لا بحر في الأفق
لا بحرَ لا بحر
كيف يمكن التفكير في سفينة؟
هي ذي صحارى تتقاسم الماء
كيف يعدُّ ركابٌ في جمعهم الغفير، أنفسهم لسباحة في غبار دوّاماتي
ومن سراب جالب نحس
قراصنة.. مهربون.. غشاشو أمكنة
معتمدون من أعلى سلطة في البلاد
كيف لقصيدة أن يمضي عليها خيال بعمق مضمون؟
باسم من لا اسم
من لا وجه له على وجه الدقة
في جموع تقودها روائحها إلى حصاد مستنقعي مستدام؟
***
لا طريق يصافح خطىً
لا طريقَ لا طريق
هو ذا أطلس المكان المطرود من مكانه
معزولة عن سماء ملّت حججه الواهية جداداً جداً
بشرٌ بشرّ طوع شر طوع شر مستجد
كيف يجاز اعتماد حلْم المسافة الشائكة؟
مسافة في حاضنة ألغام ومسرات هاوية ٍ
تذاكر متربصة..إشارات محكومة بالصمت المريب
مرابون طارئون إلى إشعار آخر لعباد مرقمين
من نسل كرديّ في تاريخ كردي
ومشنقة تكون رافعة الكردي بامتياز
كيف لقصيدة أن تتجنب حتفها الموقوت داخلها؟
***
لا قمة جبل تسند ظلاً لي
لا قمة لا قمة
السماء لا تُرى إلا في الأسفل
أي موازين قوى بثت أقداراً خاصة في هذا اللامكان؟
بأي حيلة أستلف قامة خسرتْها كرهاً منذ ألف هزيمة وهزيمة
هزيمة نوعية ألّبتْ ” بعضي على بعضي معي “
متسلقون مزيفو الهويات في وضح العلامات
يوقعون بأرواح رياضية في منتصف المسافة القانصة
متسلقو أكتاب..قامات..أرواح مسعَّرة..إعلانات عابرة للحدود
كيف لقصيدة أن تتنفس في صرة هاوية محكمة ؟
***
لا غابة تهديني إلى حكمة البراءة السامقة
لا غابة لا غابة
أي جأش يأتي لنجدتي على مدار ألف غد وغد محطَّم عن بِكرة أبيه
جأش منزوع القدرات بحساب مدفوع الثمن مسبقاً
وأنا مذ ولدت تسكنني غابة من أخضر ونعومة وشمس سخية
تخلصاً لهيئات تبيع النور في عراء الشمس دون حياء
في بلاد أكره ما لديها التذكير بغابة ولو عن بُعد عوالم
كيف لقصيدة أن توقظ جذورها للقاء هواء ملؤه حنين تائه إليها؟
***
لا صباح ناهضاً يطرق بابي نداوةً
لا صباح لا صباح
كيف للعين أن تتنفس رؤية في ظلام طائش؟
كيف للديك أن يكاكي في فضاء أخرس تماماً
كيف للحمام أن يحتضن النهار المسربل بالدبق
في بلاد تعادي مجيء الصباح أدمنت الخمود
جهة عباد لا يملكون أي مرآة لسعدهم المفترض
كيف لقصيدة أن تتوسد شرفة لها على هاوية عالية ؟
***
أي وعد يجاز لخطوة إلى النهر
لا تنفس ماء نهر حتى بثمالته في هذي الأقاصي
به أستدرج القمر إلى مرأته في ليل مأساتي العائم
أي شهيق مغر ٍ في حِمَى هواء أريحي
لا ورد متبق حتى بهيئته في هذي البلاد
أي لمسة يمكن إطلاقها صوب مسند ضوء
لا أثر لشمعة تحفّز على الصعود
في خفض ينتشي بي
أي جهة ذات صلاحية للاستلقاء في ظلها
لا عتبة صالحة لكي يندفع إليها نبض القلب ؟
أنا اللام في كل شيء على كل شيء
لأنني فطِرتُ قلباً لا يستوعبه جسده
جسده الذي ضاق به خناقاً من ما قبل ولادته
***
تتنكر لي صورتي
هويتي
جنسيتي
يتنكر لي اسمي
أي شاخصة أنا في عيون الكم الوافر من حولي
ممن يتحركون شواخص في المجمل؟
يتنكر لي ظلي
جلد وجهي
صوتي
رائحتي الطفلية
تتنكر لي حواسي الخمس
يتنكر لي شهيقي وزفيري
يتنكر لي حتى:
شَعري
جهاز الإطراحي
يتنكر لي لباسي
التراب
الذي طهرتني به أمي
لحظة ولادتي
لا شيء يعترف بي
أي ولادة قابلة لأن تسمّيني
في بلاد لا تزال تعيش مخاض ولادتها المؤجلة
لعباد كيف تتعرف أصابعهم على بعضها بعضاً
” شحوار ” يتناسل من بين ذقونهم غالباً
صدأ يتسرب خارج مساماتهم
طحالب تتعشش بينهم وبينهم
لا شيء معد لأن يتقدم باسم يعنيه
لا كل شيء خرج عن محوره في الغالب
فكيف للشيء أن يعايَن دون اسم
البلاد نفسها عمت عن رؤية حدودها
رمت بها لا مسمياتها في لامسميات ضارية
وجوه تتنكر لبعضها بعضاً
***
لا وجه قادر على الثبات ولو لبعض الوقت
حتى الحجر نفسه تنكر لصورته في شظية مرآة محطمة عليه
حرب منذ متى وهي تمضي بها من خراب إلى أعم وأعمق منه
لا خرائب تستحق المشاهدة في هذي البلاد
في حرب تتلاعب بأيادي غاية في التنوع الهمجي في طرقاتها
بلاد أقعدتها الحرب وجعلتها طريحة الهوان
حتى البومة لم تعد مألوفة في بلاد خرائب
لموتى تحت الأنقاض
لا آذان تصغي إلى نواحها النازف
لا عيون تقتفي آثار أناتهم
موتى منتشرون ، حشوداً
من شرق البلاد إلى غربها
ليس هناك حفارو قبور
البلاد مقبرة معمة في شبه المطلق
المقابر فارقت موتاها الطبيعيين
والتحمت بأرض ذاهلة عما يجري
لا أحياء أحياء بالمعنى الصحيح
كيف لي أن أعدني بذاكرة آت ذات حمامة وارفة الهديل ؟
***
أتراني قادراً على لفت نظر الحجر، وقد تفتت؟
الورد وقد أضناه الذبول
النبع وقد استنفد القاقول سائله
النار وقد استنزف الرماد جمرها
أنا أنحيّني عن بشر
لا يصلني بهم سوى التراكم من الألم ومرادفاته
لا أقول أكثر من التالي:
أنا من ” عيلة: شاهد ما شافشي حاجةْ”
أتنقل ويتنقل بي بين حريق صفيق وآخر
في أروقة صفيقة
في مجالس ندار بصفاقة
في هسيس صفيق
لأنا هناك ولست أنا
ماالذي رأيته ولم أره في جهات تعرَّت من جهاتها
في وطن يُرسَم أكثر من هامش حصاة
يطيّرها عجلة سيارة مفيّمة ومصفيقة
ليدين دون رأس
كم هم كثرٌ كثر ممن يعرَف بهم هذا اللاوطن ..
أي قصيدة قادرة على استيعاب هذا النزيف القسري
في جسدها المضغوط؟
***
دمٌ دمٌ دمٌ إذاً..
دمٌ دمْ دمم
ليس سوى الدم يستلق الشرفات
ويفيض في الساحات
ويجرف الأشجار والمواعيد المجزية
بالكاد ينبض دم في مقره
ثمة هستيريا دم بصيغة الجمع
دم جمع مذكر سالم
دم مؤنث سالح
دم كبار وصغار
دم يوحد بين المراتب جميعاً
لا مراتب في شهوة الدم الفالتة من عقالها
دم يمحو تواريخ بالجملة
حتى السماء استحالت علقات دم متخثرة في واجهة أفق بعيد بعيد
لا عيون تستشعر الوهج الصادم لدم ينبثق من كل مكان
في حرب تستأثر بكل ما عداها
لكم ابيضت عيون
وانلجمت ألسنة
وغطىت خيوط العنكبوت المؤخرات
لا شيء – حقيقة- سوى الصياح المكتوم
مع دم في فقاعات عمودية
دمٌ دُم
أي أثقال يجرها دم كارثي يحوز بلاد لم تعد بلاداً
يتلاعب بعباد هم أصوله ؟
دم يعدم ما عداه
منتظراً لحظة محو سخونته
مداده
كل ناطق قسماً به
لا شهيد يشار إليه
وقد جرّد من دمه
فوهات تستهتر بالدم
ودم لا يكف عن التدفق المطارد لكل نفحة حياة
وصوب غد بات يضمحل أثراً
وعداً تحت وطأة الدم الذي لا يزال في جنون مداه
كيف لي أن أسمّي قصيدتي
وأنا في قبضة المتبقي المحسوب
من دمي المتنكر لي ؟
وموتي المجاز الذي تلبسني مذ كنت نطفة !
ش