عبدالجابر حبيب
في قريةٍ لا تحمل اسماً لافتاً، حيثُ تمضي الأيام على وتيرةٍ واحدة، عاش رجلٌ يملك قطعةَ أرضٍ صغيرةً.
زرعها قمحاً، وانتظر موسمه بعينٍ خبيرةٍ؛ يعرف أن الأرض تعطي بقدر ما تأخذ.
جاء أيّار، وارتفعت السنابل، وامتلأت رؤوسها، ومالت بخفّةٍ مع الريح.
مشهدٌ يسرّ صاحبه؛ لا مبالغة فيه، ولا مفاجأة.
زرعٌ نجح، هذا كلّ الأمر.
وفي طرف القرية، رجلٌ آخر يعيش على بقرةٍ.
حليبها صباحُ بيته، وسببُ بقائه واقفاً.
كان يربطها قرب الحقول، ويختار المكان بعنايةٍ، ويغرس وتداً ثابتاً، ويترك حبلاً بطولٍ محسوبٍ.
لا يريد أن تمتدّ خطوتها إلى زرع أحد، ولا أن تبدأ حكايةٌ لا تنتهي.
في يومٍ هادئ، مرّ الشيطان على القرية.
لم يحمل معه ضجيجاً، ولم يزرع فكرةً في رأس أحد.
توقّف عند وتد رسن بقرةٍ مربوطةٍ بعنايةٍ، نظر إليه، نزعه من الأرض، ثم مضى، كأنّه لم يفعل شيئاً.
تحرّكت البقرة. رأت القمح على بُعد خطواتٍ، اقتربت بحذرٍ، حتى دخلت الحقل.
بدأت تأكل، وتدوس، وتفتح في الصفوف فراغاتٍ واضحةً.
فعلٌ بسيطٌ، أثره لم يكن بسيطاً.
رأى الأطفال مشهداً غيرَ مألوفٍ في القرية، فصرخوا، وركض أكبرهم، وهو في الطريق، اختلط الخبر بأنفاسه.
جاء صاحب الحقل. توقّف لحظةً، نظر، ثم اشتدّ وجهه احمراراً.
لم يسأل عن السبب، ولم يبحث عن بداية الخيط.
رفع بندقيته، وأطلق النار. سقطت البقرة، وسكن المكان لثوانٍ قصيرةٍ.
وصل الخبر إلى صاحبها. لم يتأخّر، ولم يتحقّق.
أخذ سلاحه، وذهب، وأنهى حياة الرجل الآخر.
هنا لم يعد الأمر بين رجلين.
انقسمت القرية بسرعةٍ، كلّ طرفٍ وجد لنفسه حكايةً جاهزةً، وكلّ واحدٍ رأى نفسه على حق.
ارتفعت الأصوات، ثم انخفضت لتحلّ محلّها طلقاتٌ.
لم يطل الوقت حتى صار النزاع أوسع من سببه،
وأثقل من أن يُفهم.
حين وصل أهل القرية المجاورة،
كان كلّ شيءٍ قد انتهى تقريباً، وعلى طرف المشهد، جلس الشيطان، يراقب، وابتسامةٌ خفيفةٌ لا تفارقه.
قال الشيطان بهدوءٍ فيه استغرابٌ شيطانيٌّ: أنا…؟ أنا نزعت الوتد. هذا كلّ شيءٍ فعلتُه.
قال الرجل: وتسمي هذا “كلّ شيء”؟
أجاب: لم أقل للبقرة: اذهبي، وافعلي بالزرع ما تشائين!
لم أقل للرجل: أطلق النار دون أن تستفسر عن الحقيقة الكامنة وراء نزع الوتد.
لم أقل للآخر: اقتل ابن قريتك في ثورة غضبٍ لم تمتلك نفسك فيها.
ابتسم ابتسامةَ الساخر، واستطرد…
لم أقل للقرية: انقسموا، وتقاتلوا.
ثم أضاف، وهو ينظر إلى الأرض الممتلئة بالصمت:
أنتم أكملتم الحكاية… بدقّةٍ لافتةٍ.
وقف الرجل صامتاً، ينظر حوله،
يفكّر في أمرٍ واحدٍ، هامساً لنفسه: لم يكن الوتد ضعيفاً.
لكن الشيطان سمع همسته، فابتسم ابتسامة من يعرف النهاية، وقال: وداعاً، لديَّ عملٌ آخر أهمّ من
هذه اللعبة التافهة. ومضى فرِحاً،
وقد أيقن: الحكمة لا تنفع… ما دام من يُسيء استخدامها.