ماجد ع محمد
منذ فترة ليست بالقصيرة لم أحضر فيها فيلمًا سينمائيًا، ولكني أحسب بأن منظار الكاتب المشبع بالثقافة البصرية فلح، على الأقل معي كمتلق، في معايشة ذلك الإحساس طوال فترة القراءة، ولعله من المبكر التنويه إلى انبهاري بأداء الساردة، لذا، فقبل أن نطوي الصفحة الأولى لمباشرة الغرف، يحثنا مشهد الغلاف الأمامي للرواية على التريث في المضي إلى الأمام، وأن علينا أخذ كامل احتياطاتنا لأننا ندخل حيًا شبه مدمر، ولكنه ما يزال مدججًا بمجاميع مسلحة مصممة على الانتصار على الطرف الآخر، بينما آخر هم لديها حياة المدنيين القاطنين تحت رحمة قذائفهم، وسط انتشار القناصة في معظم الشوارع الرئيسة، هؤلاء الذين انتُزعت من أجسادهم غدة الرحمة، لذا فعلى من يرغب بالتقدم إلى العمق توقُّع كل ما هو مؤسف ومؤلم ومرعب وحزين.
وقبل التوغل يبدأ أرنب التساؤلات بالقفز والوثب من العتبة الأولى، خصوصًا حين التمعن في العنوان الرئيس “الغناء في الرابعة فجراً”، فقد يتساءل المتلقي غير المستعجل: يا ترى أي نوع من الغناء سنصادف ونحن مقبلون على حكايا ذروة ومعظم أحداثها وقعت في زمن التطاحن، وجل وقائعها العنف والدمار؟ فهل بقي شيء من نشوة الصباحات المشرعة على السلام والهدوء والطمأنينة لترسو الأغاني على موانئها الغافية على بحر السعادة؟ أم لعله النحيب الطويل على المهدور الهائل، ذلك الهديل الذي يخرج من الحنجرة فجراً وهو مزنر بآهات الحزن بعد الفقد العظيم؟ ولكننا لا نكاد ننسى كنه العنوان الرئيس حتى يغدق علينا الروائي بثلاثة عناوين فرعية دفعة واحدة: “الجنرال يمشي حافيًا”، ذلك المدجج بسير الحوليات بعد أن فقد السيطرة على كل شيء، وغدا على هامش الحاضر بعد أن جرته القذيفة من سراديب الماضي، وكذلك “القناص الأعمى” الذي بدلًا من منع عدوه من التقدم راح يستهدف كل الأطراف، ولا يستثني حتى أصدقاءه المجهولين من رصاصه القاتل، فيما “كروان حلب”، التي لا تكتفي بإطرابنا بأغاني أم كلثوم وأديب الدايخ، والتي انتزعت ذلك اللقب أثناء غنائها في النادي الأسري، فهي نفسها الساردة العجيبة التي قد يتخيلها القارئ في بعض اللحظات بأنها هي ذاتها القناص المجهول.
فسبحة التساؤلات تدحرجت من هنا، فيا ترى هل العناوين الفرعية كانت بغرض زيادة الجذب وتحفيز خيال المتلقي ودفعه صوب أفق التأويلات؟ أم العملية عبارة عن نقرة تنبيهية لكي نتذكرها وتبقى معنا إلى أن نصل فصولها؟ أم رأى الروائي بأنها كتل حقيقية من هيكل العمل، وبالتالي أن الإشارة إلى كل قسم من العمل منذ البدء هي إقرار بأهمية الحيز الذي تحتله بكل جدارة؟ أم أن العناوين الفرعية كانت بمثابة كوات ندخل من خلالها كقراء، أو تمد الشخصيات برؤوسها من تلك الكوات على العالم الخارجي، لتقول لهم: لا تبخلوا في المضي للاطلاع على بعض قصصنا التي هي جزء من قصص كل واحد منكم.
الاستهلال كان رقراقًا، وظفر المكتوب في جرنا خلفه لنتقدم معه بضعة خطوات إلى الداخل كي نتعرف أكثر على أجواء انقطاع المياه والترتيبات المتعلقة بها، وكيف أن لحظات عودة المياه كانت أشبه بالاستنفار العسكري في كل منزل، فتدب الحركة في الحارة برمتها حتى لو كان الوقت متأخرًا جدًا، أما من فاته موعد عودة المياه فيقضي ليلته متحسرًا في انتظار اليوم التالي، حاله حال “مسافر فاته القطار، رأى العربة الأخيرة تبتعد عنه، وتنزلق مثل دودة قز ضخمة وبطيئة وهي تنسج خيطين لامعين على حديد السكة” ص3.
ومنذ المفتتح لا تكف الساردة عن إشراكنا معها في رفع وتيرة التخيل ورسم ملامح الشخصيات بدءًا من صاحبة البيت الذي استأجرته في الأشرفية بعد هروبها من حي الجديدة في حلب القديمة بسبب شراسة المعارك هناك، فراحت تتصور سماتها الجسدية مع أنها لم تشاهدها قط، ولكنه الخيال القادر على الخلق والاستحضار، ولأن حوض الجلي عالٍ لذا خمَّنت أن تكون صاحبة البيت “بقوام رفيع ووجنتين بارزتين كسنام جمل هزيل هده المرض والتعب”، وماكينة التخيلات مستمرة وتمسك بيدنا من مشهد لمشهد آخر، كتشبيه عقارب الساعة بالكائنات الحية في الغرفة تلك التي “تتحرك مثل مجسات الصراصير التي تحوم حولي في أرجاء الغرفة”. ص5
حيال الزمان والمكان: فالفترة التي تدور فيها الوقائع هي تقريبًا ذات الفترة التي بدأ فيها الروائي بلمِّ مداميكها، أي فترة الثورة السورية أو الحرب الأهلية وفق تصنيف الوكالات العالمية، ولكن الزمن لم يكن ضيقًا جدًا ولا اقتصر على زمن الثورة، إنما بفضل تقنية الاسترجاع يعود بنا العمل الروائي إلى عقدين من الزمان إلى الوراء، كما أن المكان كذلك الأمر غير محصور في المدينة، إنما هو أوسع من الحيين الرئيسين كمسرحين بارزين لمعظم الوقائع، إنما مثل توسع رقعة الاشتباكات في البلد يتوسع المكان في الرواية ليشمل ريف المحافظة، وخاصة الريف الشرقي منها، وآلية الاسترجاع استُخدمت بعناية ولم يكن التجوال مربكًا، لذا لا يشعر القارئ بأنه اصطدم بمطب ما أثناء القراءة، إنما الانتقالات كانت رشيقة ومتوازنة، وهي محبوكة بتروٍّ كمسار الشغل على الرواية ككل، هذا إذا ما علمنا بأن الرواية الأولى للكاتب “فندق بارون” كانت قد صدرت في عام 2014، بينما هذه فصدرت في بداية العام الجاري.
الإيقاع متوازن، فلا سرعة زائدة ولا حركة بطيئة تقارب الملل، إنما الرتم ملائم بسبب قدرة الكاتب على التكثيف وتقريب المسافات، بالرغم من أن الساردة على الورق كثيرًا ما تعاني الضجر “شط بي الزمن كسائل دبق ولين لا نهاية له ولا قرار” ص6، وواضح أن أسماء الأماكن والشخصيات لم تُفرض بدافع سياسي أو أيديولوجي، إنما جاءت التسميات وفق سياق العمل وفضائه، كما أن الضرورة التي تطلبت إخفاء هوية البطلة هي ذاتها التي كانت السبب في ذكر عين العرب مرارًا وإبقاء اسم كوباني للنهاية، باستثناء اسمي حرشوف وشرغوف تم التلاعب بهما لضرورات فنية، بالرغم من أن أسماء بعض الشخصيات والمحال التجارية في الرواية كانت نفسها في الحياة الواقعية قبيل زمن كتابة الرواية.
ظروف مغادرة الناس لبيوتها كانت شبيهة بظروف البطلة التي غادرت بيتها في عين العرب، في زمن سبق بسنوات طويلة فترة الثورة أو الحرب على أمل العودة في أقرب وقت، إذ إن حالها غدا كحال ملايين السوريين إبان الأحداث الدامية، فالذين غادروا منازلهم على أمل الرجوع في أقصر مدة، توسعت المسافة وامتد زمن البعد عن الديار، ولم يعودوا إليها بعد أسابيع أو شهور، إنما منهم من طال غيابهم عن البيوت عقدًا من الزمان، ومنهم إلى الآن لا يرون المضارب إلا في المنام، حيث بقيت الألبسة تتراقص على حبال نشر الغسيل على الشرفات بعد أن تركها أصحابها الذين لم يلتفتوا إليها فيما بعد 148، وذلك طبعًا بخلاف عدد قليل من الذين تحملوا الجلوس على مقربة من جحيم الجبهات نتيجة تعلقهم بما يمتلكون من البيوت وما تحتويه، أمثال أم مريم، فمن كثرة تعلقها بأشيائها رفضت الخروج من المدينة وظلت متعلقة بأغراض منزلها حتى آخر المطاف. ص91
وأحسب أن الساردة نجحت منذ المطلع بتقديم صورة منفرة لأخيها إسماعيل الجلف، إسماعيل الحامض والغليظ والحنق والمستبد، والذي له سلطة على المنزل برمته، ويذكرنا هذا النموذج البشري الشرس بلا سبب والقاسي مع أفراد البيت بكونه كبير إخوته بالمثل الكردي:
çûkê gura be û ne çûkê bira be
أي بمعنى: كن صغير الاخوة الذئاب ولا تكن صغير الأشقاء الشباب.
وقد ارتسمت أمامنا ملامحه الشبيهة بملامح شخصية فهد، خالد شباط، في مسلسل “الخروج إلى البئر”، ذلك الشخص المتطرف والحاد في طبعه المتوتر والمربك داخليًا، وليتها استطاعت الساردة تبيان الأسباب القابعة خلف المزاج البغيض لأخيها، لأنه لو كان تعامله سيئًا معها فقط لقلنا بأنه يبغضها لأنها من زوجة أبيه الثانية، إنما كان إسماعيل جافًا حتى مع إخوته من أمه أيضًا، وهذا الأمر يدفعنا إلى التصور بأن أسلوبه المقيت لا يخص شمسة وحدها، إنما هو طبع عام لديه، ولكن يبدو أن تعامله العدواني مع أخته له علاقة بالاختلاف الثقافي باعتبار أنها ابنة امرأة من المدينة، وقد أسمعها إسماعيل أكثر من مرة جملته المقرفة: “كل نساء المدن عاهرات” ص9. أما عن استحالة العيش مع أخ عنيد ومشاكس وفج توضحه الساردة في هذا البوح: “العيش مع إسماعيل في بيت واحد، كان يشبه السكن مع ذئب شرس داخل قفص واسع” ص9.
وصحيح بأن قصص الأولين وحتى الأساطير تشير إلى قدرة المرأة على ترويض أكثر الرجال وحشيةً كما هو الحال في ملحمة جلجامش، حيث إن العاهرة “شمحات” استطاعت إغواء وترويض “أنكيدو” الذي كان قبلها يعيش بين الكائنات الوحشية، إلا أن “رجلًا بشراسة إسماعيل تعجز نساء العالم عن ترويضه”. 160 ولأن تعاسة الحاضر هي بسبب ماض صنعه إسماعيل، لذا راحت تنفر من كل من كان اسمه شبيهًا باسمه وأينما كان “كان مجرد سماع اسم إسماعيل كافيًا لأن تتوسع حدقتاي” 185.
واللافت في شخصية البطلة، الساردة، أنه بالرغم من الغياب التام للرقيب، سواء أكان الرقيب من الأهل أو من العشيرة، إلا أن شمسة بقيت طبيعية عقب فرارها من المنزل الريفي، وحافظت على سجيتها في المدينة مع أنها ظلت بعيدة عن البيت عشرين سنة، فلا البعد عن الأهل دفعها للانتقام من أمثال أخيها إسماعيل من خلال إقامة العلاقات العابرة، ولا جمال الجسد أو الحنجرة جعلاها تقترب من تخوم النرجسية، وبناء عليه تتمادى في تصرفاتها، فهي أصلًا غير مشغولة بجمالها، ولا صوتها الشجي كان محط تباهٍ لديها، بل وبخلاف ذلك فقد منعت أذناها من الالتفات إلى مداحي جمالها أو حنجرتها “خلال عملي مع الفرقة الموسيقية في نادي حلب، تعلمت كيف أصم أذني عن كلمات الإطراء والترجي” ص18، وهو ما يطرح السؤال التالي: يا ترى من أين استمدت شمسة هذه القوة؟ هل ورثتها عن ملكة التي عاشت في كنفها كل تلك السنين في المدينة؟ حيث “أيقنت بعد سنوات من العمل الطويل في نادي حلب أن كل الرجال يشبهون بعضهم بعد الكأس الأولى” ص19، أم بيئتها الريفية لها النصيب الأكبر في الخشونة والثقة بالنفس؟ وبالتالي فإن الموقف الذي كان السبب في ترك بيتها في القرية بحجة الدراسة هو ما دفعها لنسيان قسم كامل من حاجاتها البيولوجية.
ومع أننا لم نحظ من بين الشخصيات بمن يوصف لنا بحرفية قسمات البطلة ويرسم تقاسيم وجهها، وهي نفسها من فيض اشتغالها بالآخرين لم تهتم بالجانب الجمالي فيها كما تفعل الراوية في وصف ذاتها بدقة في كل من ملحمة “درويشي عبدي/ دلال” وملحمة “كينج أوسمان”، ولكنها تبرع في رسم ملامح الشخصيات المؤثرة كالأستاذ شكري والسمان أبو صلاح والفتى ربيع، حيث تقرب لنا وجه الأستاذ شكري: “رجل بارد مثل لوح الجليد، مثل فزاعة من قش، عششت الحشرات في الأخاديد التي حفرتها السنون على تقاسيم وجهه العابس” ص16/18، ولأن البرود يشي بحياد المشاعر لذا أكدت أن “وجه الأستاذ شكري المتغضن يعبره الشعور دون أن يترك أثر” ص32، والسنين تركت أثرها على وجهه “حكت الأخاديد العميقة التي قطعت جبهته إلى خدود متعرجة” ص35، شكري المعتاد على الاحتفاظ الدائم بمسافة الأمان بينه وبين غيره “رجل غريب الأطوار يتحدث باقتضاب ولا يعرف الابتسام، يسد الطريق أمام أي محاولة لبناء علاقة وطيدة” 113، إلا أن الأستاذ شكري لم يستمر على نفس الوتيرة الهادئة والغارقة في سكونه، فبعد سقوط القذيفة على مقربة منه ولقوة صوتها إبان الارتطام بالأرض غدا الأستاذ شكري غيره، فحدث الانقلاب التام في كينونته: “الشخص الذي عهدته صامتًا وراكدًا مثل بحيرة عميقة تحول إلى رجل ثرثار لا يمل من الكلام ويتدخل في كل شاردة وواردة، صار ذا صوت جهوري يصدح في شوارع الحي” 186، وبعد أن تفاقمت حالة الأستاذ شكري الصحية والنفسية تغيرت نظرة الناس أيضًا له وصاروا ينادون في الحارة “الجنرال يمشي حافيًا ويبول واقفًا” 218، وذلك بدلًا من لقبه القديم، أي الأستاذ شكري، وبعد أن كان التاريخ وكتب التاريخ أقرب الأشياء إلى قلب وعقل الأستاذ شكري من معظم الناس، فبعد أن فقد صواب قائده العلوي راح يطعم النيران ما يحب، فيرمي بكتب التاريخ في التنكة المشتعلة تباعًا.
ويظهر أن فوضى غرفة الأستاذ شكري ورثاثة الأغراض فيها أعادت بذاكرة شمسة خلال لحظات إلى الماضي في القرية، خاصة تلك الغرفة التي تجتمع فيها كل كراكيب الحصاد والزراعة “رائحة الخشب والكتب نشوة وطاقة غريبة، تشبه رائحة المستودع في عين العرب، كان أبي يكدس فيه آلات التبن وأكياس الخيش” ص32. وفي إطار الكتب تشير البطلة إلى الكتب الكردية الممنوعة التي كانت تطبع وتقرأ بسرية تامة، كما ثمة التفاتة عابرة إلى أن المشكلة الإثنية ليست في التاريخ إنما في الجغرافيا، وبما أننا بصدد ذكر الكتب في العمل، فإن اختيار البطلة رواية “الإخوة الأعداء” للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس للقراءة لم يكن عبثيًا، إنما كان مدروسًا بدقة وعناية، خصوصًا إذا ما عرفنا أن ثمة أخًا يقاتل بجانب قوات جيش النظام وأخًا آخر يقاتل بجانب رجال حرشوف في نفس الحي، مثلما أن الرواية تلك عن الحرب الأهلية في اليونان. 166/232
ولا تكتفي الساردة بوصف تعابير وجوه العديد من الشخصيات في الحي الأخير الذي انتقلت إليه كوصفها لوجه الفتى “أطل وجه ربيع الناعس والمدور بفرجار الدهشة” 24، فربيع من أصحاب الاحتياجات الخاصة، ذلك الذي يسيل اللعاب من حواف فمه، ومع ذلك كان يعرف أن أكثر ما يزعج عناصر وضباط حاجز الجيش كلمة الحرية التي كان ينطق بها كلما أراد إغاظتهم بعد أن ضربوه أو علقوه على سبطانة الدبابة، وفي الأخير اختفى ربيع من المشهد برمته تاركًا خلفه لغز الاختفاء كما كانت قصته لغزًا، حيث تزوج والده أرملة ثرية وتنصل من ابنه الذي يعاني قصورًا في ملكاته العقلية، فوالدته تعيش في حي الشعار وهو جاء للعيش في كنف جدته في الأشرفية، إلا أن جدته قضت في القصف تحت الأنقاض 162، وبقي ربيع وحيدًا إلى أن فُقد أثره.
وكذلك الأمر، فالأستاذ شكري المشبع برائحة التاريخ، كان السبب في أن تعود البطلة بذاكرتها إلى مدرسة التاريخ في ثانوية عين العرب للبنات “لها مؤخرة مدورة كما حجر الرحى” 34، ولكن مع ذلك فإن كره أسلوبها في درس التاريخ لم يمنعها من إنصاف نضارة وجهها “وجهها الأملس مثل سفرجلة في قعر مرطبان نظيف” 34. والصورة الذهنية السلبية عن مدرسة التاريخ في عين العرب كانت تحضر، فتقول عنها: “تروي حكايات مملة وكريهة مثل رائحة فمها” 114، وذلك عكس التاريخ الذي يسرده الأستاذ شكري حيث تراه رقراقًا ومنسابًا 115، ورغم تمكنه من مادته فهو لا يقطن الغابر، لذا يردد الجملة التالية: “من يقبع في التاريخ يصعب عليه العيش في الحاضر” 116.
وبالعودة إلى شخصية إسماعيل الذي له دور بارز في معرفتنا بما يجري في حلب بالرغم من أنه ما من دليل على أنه زار المدينة إبان الأحداث، ولكن دوره السلبي الذي كان وراء هروب أخته من بين براثنه غدا إيجابيًا بعد أن صارت أخته هي الساردة الماهرة التي تنقل إلينا ما جرى فيها، فإسماعيل بصلابته لم يتسبب بفرار أخته فحسب، إنما “فرض أخي إسماعيل خلال مزاجه العكر وصوته العالي سطوته على كل من يسكن الدار حتى خالتي أليف” 39، وتكشف لنا عن شيء من سلوكياته فهو “ثور أرعن لا تعرف متى يخرج عن طوره، يطيح بقرنيه المعكوفين كل من يقترب منه” 39، والبطلة ليست عدوانية، ولكنها تصرح بأن الأخ المستبد نتمنى له الشر، إذ في الخلاف بين الأخوين فاروق وإسماعيل بسبب جبروت إسماعيل تقول البطلة: “تمنيت لو أن فاروق غرز إسماعيل بالمسلة الثخينة في خاصرته، أو فقأ إحدى عينيه الغائرتين” 40، كما أنها تستغرب من استكانة والدها وخفوت صوته وغياب سلطته أمام ابنه وتقزم شخصية الأب أمام الابن العنجهي، وهو ما جعل إسماعيل يتمادى في السيطرة وممارسة السطوة على كل أفراد المنزل “أبي عاجز عن صد إسماعيل ووضع حد لسطوته” 138، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل ما الذي يدفع إسماعيل إلى القسوة مع أخته إلى هذه الدرجة، هل لأنها ابنة خالته وليست أخته الحقيقية؟ أم لأنه يعرف بأنها لا تطيقه وحيث إن الكراهية متبادلة؟ 63، إذ إن هيمنة إسماعيل تؤثر حتى على علاقة الأب بباقي أفراد الأسرة، لدرجة أن الأب بات يعبر عن حبه لابنته سرًا، ويخشى من أن يظهر اهتمام الأب بابنته في حضور الابن النزق. 42 ولكننا من خلال القراءة نستشف بأن سبب سطوة الابن وسكوت الوالد عن رعونة ابنه، ربما لأن الأب، بكونه من حين إلى آخر يرفه عن نفسه في المدينة ويعيش لحظات السعادة فيها، يعتمد طوال فترة غيابه بكل شيء على إسماعيل وهو يدير شؤون البيت والعمال والحصاد. 45
ولا شك أن العديد من المواقف والمحطات حثت القارئ المنتبه على طرح التساؤلات، منها: ما هي حقيقة الشخص المقتول في الشقة التي أمام شقة البطلة، والذي تكفل البغل بإخراج جثته من الشقة، فما هويته؟ أهو مدني أم عسكري؟ أهو من جيش النظام أم من الجيش الحر؟ هل كان قد مات ميتة طبيعية أم قُتل برشقات الأسلحة؟ 71/72/73
كما أن أبا صلاح من الشخصيات المؤثرة والتي لها حضورها الآثر، مع ذلك بقي سبب مداهمة محله من قبل الأجهزة الأمنية غامضًا، لماذا اعتُقل؟ هل الموضوع متعلق بابنه الجامعي المنتسب إلى كتيبة الفاروق في الجيش الحر؟ أم مجرد تردد البطلة الغامضة إليه كان وراء الشك به واعتقاله؟ أم أن رفقته وصداقته مع شكري الذي خرج عن طوره وراح يفصح عن موقفه علانية هي السبب؟ أم الموضوع متعلق بعائلته المقيمة في الضفة الأخرى من المدينة التي شطرتها المعارك إلى قسمين، شرقية وغربية، كما كان حال بيروت إبان الحرب الأهلية؟ واللافت هنا هو أن الأستاذ شكري بقي وفيًا له بعد أن فقد قدراته العقلية، فيا ترى هل كان سيبقى متعقبًا دورية الأمن ويسأل عنه بإلحاح لو كان سليمًا؟ أم لآثر الصمت وقتها مثل باقي المواطنين العقلاء؟
وكذلك الأمر، لماذا غاب اسم زوج رئيفة السادي، بالرغم من أن المتلقي عرف سطوته وعنفه وقرأ عن ساديته في الصفحة 258، ولكن لا اسم له، ولا تم التذكير بملامحه، علمًا أن الروائي على لسان الساردة لم يقصر قط في وصف ملامح وسمات غيره من الشخصيات، إذ كان من الممكن أن نعرف شيئًا عن طبيعته الإجرامية، وفهم حججه من خلال أفكاره وآرائه وأقواله، خاصة مع رئيفة باعتبارها الوحيدة التي تعرفه من بين شخصيات الرواية الموجودين في نفس الحي.
ثمة شخصيات لا يُنسى دورها الإيجابي حتى وإن كان حضورها غير مستمر إلى الأخير، كعازفة العود ملكة، وأخو البطلة دليل من بين باقي الإخوة الأربعة: إسماعيل، دليل، فاروق وسامح، ولا بأس بأن نتذكر الشخصيات العابرة كحاج ناصر صاحب السيارة، والراعي شتلو، والقصاب أبو عبدو، وأم مريم البصارة، والفوال أبو سعيد، والحلاق آكوب، وصانع التوابيت جوزيف، والنقيب أمجد الذي تلمع بندقيته على الدوام وكأنه لم يشارك في أي معركة، وأبو رامز وهو اسم حقيقي لشخص حقيقي كان له محل في الحارة، والبغل “بكري” الذي يقوم بأداء الأعمال الحرة والخدمات العامة لقاء بعض المال، والدرعوزي صاحب محل في الحارة، والمساعد أسعد صاحب الصوت الرفيع والحاد والذي “عندما يغضب يشبه منشارًا صدئًا يحز في جذع من السنديان الصلد” 144، والمساعد أسعد من جماعة نقطة الجيش داخل الحي، وطالما أنها كانت تسمع غمغمة المساعد فهذا يعني بأن بيتها قريب جدًا من جحور الأفاعي، ورئيفة صاحبة الأسئلة الطفولية والتي تدفع المرء إلى إعادة اكتشاف الأشياء 81 حسب وصف الراوية، ولا ننسى الشخص الذي كان من الممكن أن يغير مسار الأحداث الشخصية للساردة إن لم يحدث ما حدث للسمان أبي صلاح، ألا وهو الطبيب الجوال سامر، الذي يضع عيادته في حقيبته ويمضي من حارة إلى حارة ومن بيت إلى بيت، فهو الشخص الوحيد الذي حرَّك نبض البطلة وكاد أن يشعلها بلهيب الحب، ولكن أخباره انقطعت تمامًا بعد اعتقال أبي صلاح.
وفي إطار الشخصيات المسلحة، فمن يعرف مدينة حلب وعاش فيها سيعرف من هو حرشوف الذي تم التذكير بعمله قبل الثورة، وتم التنويه إلى صفاته كشخص أرعن وطائش ومهرب وفاسد وصاحب سوابق عندما كان مدنيًا، فكيف سيكون حاله بعد أن أصبح قائد لواء تحت أمرته مئات العناصر وبحوزته الأسلحة الثقيلة. 78، أما شرغوف، وهو من رجالات حرشوف، فاشتهر الآخر بغرابة تصرفه مع من يقع بين يديه قبل إنهاء حياة ضحاياه، حيث قُتل هو الآخر على يد القناص المجهول.
أما أبو جمهور عامل الصيانة في مقسم الهاتف، الذي كان يعرف أسرار بعض الإناث وعلاقاتهن المشبوهة فتخشاه بعض النسوة، ولأنه مصدر قلق وابتزاز لديهن، إضافة إلى رعونته ونزقه البغيض، لذا لم يتعاطف معه أحد بعد قنصه على السلم، بل راحت رئيفة تصف وضعه عقب مقتله على السلم وهي تقهقه: “كأنه مسترخٍ على كرسي بجانب شاطئ البحر”. 256
أحياء المدينة وعلاماتها الفارقة: زقاق قلاية الموارنة، تمثال الأب فرحات، كنيسة مار إلياس القديمة، شارع التلل، ساحة الحطب، سوق الصوف، بوابة القصب، ساحة باب الفرج وساعتها القديمة، حمام النحاسين، الشيخ مقصود والأشرفية.
كما نقرأ في الرواية عما تفعله الصراعات التناحرية بالمسافة، إذ عندما تنوي البطلة الذهاب إلى القسم الخلفي من الحارة بحثًا عن ربيع المختفي، والذي قيل بأنه انضم إلى صفوف رجال حرشوف، منعها أبو صلاح ليس لأن بين مناطق نفوذ قوات النظام وقوات حرشوف تستغرق ثلاثة أيام بحالها، إنما قد تتهم فوقها بأنها جاسوسة وتُعتقل بكونها قادمة من منطقة سيطرة القوات المعادية، علمًا أن المسافة تلك في أيام السلم هي ربع ساعة بالسيارة.
وإلى جانب الذي تفعله الحروب بالنسيج المجتمعي كله بعد تحويل الأحياء السكنية إلى جبهات قتال وتأثير ذلك على تشظي الأسر وتفتتها، تذكرنا الرواية بحالات أخرى للتشتت والضياع واندثار العوائل في فترة عصيبة أخرى مرت بها سوريا، وذلك أنه بسبب قانون الإصلاح الزراعي الجائر الذي أصدره جمال عبد الناصر في 1958 إبان الوحدة بين سوريا ومصر تحت اسم “الجمهورية العربية المتحدة”، حيث تلاشت وقتها بعض الأسر من الوجود بعد أن وضعت الدولة يدها على أملاكهم. ص44
مصادفات: يبدو أن تشابه الظروف كان وراء ارتياح البطلة لمصادفات الحياة حتى صرحت قائلة: “لا معنى لحياة خالية من المصادفات” ص37، إذ إن واحدة من الصدف هي تلك التي تعرفت فيها والدة البطلة بأبيها في بيت ملكة، بعد أن ساءت أحوال العائلة عقب تجريدهم من ممتلكاتهم، والمصادفة الثانية أن البيت الذي آوى أمها هو نفس البيت الذي استقرت فيه شمسة بعد أن هربت من مخانق أخيها إسماعيل وأقامت في حلب بعيدًا عن غطرسته. 44، كما فعلت أمها من قبل وذهبت إلى نفس البيت قبل اقترانها بوالدها.
والمصادفة الأخرى هي مدى ارتياح البطلة للأستاذ شكري من بين كل الرجال الذين التقت بهم في جحيم الأشرفية بعد انتقالها إلى الحي من حارة الجديدة، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: يا ترى هل سر انجذاب أمها لأبيها الذي يكبرها بأكثر من عشرين سنة هو وراء ذلك؟ أم أن غموض الأستاذ شكري وقدرته الفائقة في المشي على سلك رفيع بينه وبين الآخرين من دون أي مجازفة قولية أو تصريح هو سبب اهتمامها به؟ 48
وكما أعادتنا خلفيات سير الشخصيات إلى زمن الوحدة بين مصر وسوريا، ثمة إشارة واضحة في الصفحة 51 إلى أن أبناء الوطن كثيرًا ما يدفعون ضريبة تصريحات وعنتريات المقيمين خارج سوريا، وصحيح أن البطلة تشير باستحسان إلى الصدفة، وخاصة كلما تذكرت عدد الطلقات التي ضربت الغرفة وهي: 361 رصاصة ولم تصب بواحدة منها، فهي محظوظة بحق ص104، ولكن هذا لا يعني بأن كل صدفة تخبئ وراءها ما يجلب السعادة، إنما مصادفة خروج زينب من بين حقل الذرة مع خروج شاب منه في نفس الوقت كانت السبب في الظن بها وذبحها بدافع غسل العار 139، وهي تمامًا مثل الصدفة التي دخل فيها إسماعيل الغرفة ورآها ممدة بجانب أخيها وهو يعلمها الرماية، وكادت أن تودي بحياتها هي الأخرى ذبحًا لو كانت رياح العدوان في المنزل مواتية لهيجان إسماعيل، علمًا أن المرة الأولى التي رأت فيه ذكرًا بلا ثياب كانت يوم أحضرت عدة الاستحمام للفتى ربيع “لأول مرة كنت أرى رجلًا عاريًا تمامًا من ملابسه” 158.
مخاطر الإصغاء إلى الأخبار: مع أن الأحداث في سوريا بقيت لسنوات طويلة على ألسنة كل الناس في الخارج، إلا أن الاستماع إليها في الداخل كان محفوفًا بالمخاطر، فمن يقطن في المناطق المحررة عليه الاكتفاء بما تقوله القنوات المناوئة للسلطة، ومن يعيش في مناطق سيطرة النظام كان عليه الاكتفاء بأخبار الحكومة، ومن شذ عن القاعدتين قد يُتهم بالموالاة للطرف الآخر، لذا كان أبو صلاح يستمع إلى الأخبار المعارضة سرًا بكونه في مناطق لا تريد السلطة فيها الإصغاء لأي أنباء غير الاستماع إلى رسالتها الخالدة. 119
حال المدنيين على خطوط الجبهة: بسبب طول أمد الصراع، وبسبب تشابه السلوكيات لدى عناصر النظام والجهة الأخرى، ممثلة بحرشوف (خ/ح) و(ح/ج) و(أ/ع) وغيرهم من أمراء الحرب، صار حلم المدني الوحيد هو وقف الاشتباكات والقصف، وبات آخر هم لدى المدني من ينتصر على من، المهم أن يتوقف جحيم القذائف “120”، وهذا التخيل في الرواية كان أمرًا حقيقيًا عاشه الذين كانوا يقطنون على مقربة من جبهات القتال في حلب، إذ تبادلوا الغزو والغنائم مع قوات النظام كما تبادلوا معهم نهب المعامل والبيوت والقيام بخطف أصحاب المصانع لقاء الفدية المالية. 155، فمدينة حلب التي جاءها في 1260 المغول من البعيد ودمروا كثيرًا من ناسها، فإن أبناءها في عام 2014 أمعنوا في ذبح بعضهم بعضًا وعملوا على تدميرها بقذائفهم.
عن رخص الإنسان في الحروب: وكيف تتقاذف الكلاب أشلاءه من قبل الكلاب الشاردة 87، لذا ترى العناصر “يسحبون جثث زملائهم خشية أن تجرها الكلاب الضالة”. وبما أن الكلاب لا تفرق بين الأشلاء، لذا لم يتوقف أمر نبشها عند الجنود المقتولين وجثة البغل، إنما حتى قبر الأستاذ شكري نبشوه وسحبوا جثته إلى مكان مجهول 282، كما يقرب الراوي منا من خلال الساردة صعوبة سحب جثث المقتولين في مناطق الجبهات. 146، لأن أي خطأ يمكن أن يزيد من عدد المقتولين، أو يتم قتل المنقذ نفسه من قبل القناص المعادي الذي ينتظر أي كائن حي حتى يرديه قتيلًا، فهو يتلذذ بإنهاء حياة ضحاياه عن سبق الإصرار، كما أن عين الساردة تنقل إلى القارئ المشهد السريالي لجثث القتلى في الصفحة 147، ثم إن الحرب تضاعف من عمر الإنسان أضعاف ما هو عليه في الأيام العادية “مرت سنتان من الحرب كبرت خلالهما عقدين” 104، وهذا الإحساس كان حقيقيًا وعامًا لمن عايش الظروف القاهرة والخوف والتوتر والرعب وقلة الغذاء، وهو يماثل تمامًا ما شاهده العائدون إلى سوريا بعد التحرير، حيث لاحظوا فارق ملامح الكبر بينهم وبين من هم في أعمارهم ممن ظلوا يتجرعون المرارة أكثر من عشر سنوات داخل سوريا، وهو الشعور الذي داهم البطلة في خواتيم العمل “أشعر بتخمة العمر، مثل عجوز عاشت دفعة واحدة مائة عام ونيف” 287، كما أن الحرب تعمل على تحجر قلب الإنسان وبلادة مشاعره من كثرة رؤيته لمشاهد الموت والدمار، ويغدو قبال الميت أو المقتول في حالة حياد تام “من السخف أن تحزن لموت شخص لا تعرفه” 106، فالانشغال بيوميات الحرب وكنه الخروج من جحيمه سالمًا جعلا اللامبالاة بالماضي سلوكًا عامًا، وهو ما نستشفه من ردود فعل أبي صلاح بعد أن حاولت البطلة إزاحة النقاب عن وجهها وكشف هويتها له، فيظهر لامبالاته وأنه كشخص لم يعد مكترثًا بالماضي أصلًا، وذلك عندما جاوبها: “كل الناس خير وبركة يا بنتي”. 247
فالإنسان الذي كان وفق الشرائع السماوية مفضلًا على باقي الكائنات الحية، في الحرب هو ليس كذلك، لأنه لمجرد أن يموت أو يُقتل لا يترك سوى رائحة كريهة تستدعي طمره بأسرع وقت 106، وهذا على خلاف الأيام العادية التي يكون للحي احترامه، وللميت حرمته، ويغدو المرء حساسًا أمام مشاهد القتل والذبح، إذ في صبيحة أحد الأعياد عندما حضر إسماعيل نفسه لذبح النعجة أحكمت أليف الباب لتبعد باقي الخرفان عن مشهد الذبح قائلة: “لا يجوز ترك باب الزريبة مفتوحًا، الأرواح تشبه بعضها” 107، فهي كانت رؤوفة بالبهائم وتقدر أحاسيسها، علمًا أن أليف سبق لها أن استهلكت كمية الحزن التي كانت تمتلكها بعد مقتل أخيها سامي، ثم والدها بسبب الخلاف على التخوم 111.
سلوكيات العناصر: بما أن أيام وليالي الاحتراب هي جوهر النص، لذا لا يبخل الراوي في تقريب سلوكيات العناصر المسلحة ممن لم يعيشوا تلك الأجواء، ففوهات وأنظار عناصر حاجز الجيش “شبيه بقطيع من الضباع المفترسة خلف أكياس الرمل”، وهي لم تبالغ في الوصف لأن حواجز الجيش، وخاصة تلك المشتركة مع عناصر الدفاع الوطني “الشبيحة”، كانت تنز وقاحةً، إذ إنه بعد خروجها من حي الجديدة سرعان ما وقفها حاجز للجيش بعد أن استقلت سيارة أجرة، فراح يفتش في حقيبتها وبكل وضاعة، بعد أن عثر على فوطة نسائية في حقيبتها قال لها: “مقاسك صغير، توقعت أن يكون حجمه أكبر من ذلك”، شم الغوطة، ودسها في جيب بنطاله المموه. كما أن تشبيه عناصر الدولة بالقطيع المفترس يمر معنا أيضًا في الصفحة 53، حين داهمت دورية الشرطة بيتهم في القرية، الحدث الذي كانت من نتيجته اعتقال أخيها دليل بسبب الجرائد والكتب الكردية الممنوعة 54، وفي أكثر من فقرة نتعثر بشيء مقرف من أخلاقيات العناصر على الحواجز “كانت نظراتهم مصوبة حيث أقف، مثل بنادق محشوة بالشبق” 89، إذ بسبب غياب الرقيب والقانون ومنحهم كامل الصلاحيات لا يكفون عن مضايقة المارة بكلام بذيء “يا قحبة وين رايحة” 168.
وخلال أيام الحرب، وفي ظل الأنظمة الشمولية بالتحديد، على المرء ألا يتوقع الرد الجميل من الناس، ليس لأنهم سيئون بالجملة، إنما لأن الآثار المرعبة قد تمنعهم حتى من التعرف عليك أو الإقرار بمحاسنك أو الوقوف معك أو السؤال عنك، وذلك مهما كنت صانعًا للخير ومساهمًا في المحافظة على بقايا الطيبة ومساعدًا المعوزين قدر المستطاع، وهو ما نتلمسه في الذي حصل مع السمان أبي صلاح “بين ليلة وضحاها تبخرت السنين التي قضاها أبو صلاح وهو يخدم البسطاء والفقراء، فلم يعد يجرؤ أحد حتى على المجاهرة باسمه” 179، باستثناء الجنرال شكري.
مؤهلات البطلة: صبية تعيش عقدين من الزمان بمفردها نتيجة سوء التقدير من قبل أحد أفراد الأسرة، وتتحمل كل تبعات الوحدة ومصاعب الحياة، واستطاعت أن تأخذ دور الأم لتحضر فتىً من ذوي الاحتياجات الخاصة للاستحمام مع أنه لا يمت إليها بصلة، ولكنه الإفراط في الرأفة بالآخرين “ناديته وتقمصت دور سيدة خبيرة، تعلم ابنها الفتي كيفية الاستحمام وحده” 157، وربما كل تلك السنين التي قضتها بمفردها بعيدًا عن الأهل كانت بمثابة التمهيد لما ستعيشه باقي أيامها في أخطر نقاط الاشتباك في الأشرفية، ولعل موت ملكة أمامها بكل هدوء كان المقدمة لتعايش كل أخبار الموت والقتل من دون ترك أثر عليها. 102
ولكن بالرغم من تلك الجلادة التي تتمتع بها شمسة، إلا أن هذا لا يمنع من اختراق حياتها لحظات اليأس التام التي حاولت الانتحار فيها وإنهاء حياتها، وتناولت دفعة واحدة حفنة من الحبوب لعلها تنهي حياتها 108، خاصة بعد أن عانت من نوبات التوتر المتلاحق والعزلة التامة في البيت المهجور بين جبهات القتال 109، وكيف أن العزلة والفراغ يجعلان المرء مشغولًا بأسخف الأشياء والكائنات من حوله 110، صبية تثير قصتها دهشة من يسمعها، وقادرة على إحداث الدهشة في ديار الذين قلما يندهشون كالأستاذ شكري الذي “رفع جبهته المجعدة وقلب جفنيه متعجبًا” بعد أن غنت أمامهم أغنية مشهورة لأم كلثوم، وهي التي تنوه إلى وعورة الفترة السابقة التي كانت الأرضية للاحق “لم تكن حياتي في عين العرب سوى تمرين على تحمل الهزيمة” 128، وكما ذهب بلوتارخ إلى أن الفوائد التي نجنيها من الأعداء قد تكون أضعاف التي نجنيها من الأصدقاء والمعارف، كما أن الظروف القاهرة تعلم الإنسان أكثر بكثير من الظروف الجيدة، فهي تؤكد ذلك بلسانها “تعلمت من قسوة أخي إسماعيل كيف أرفض عض أصابع الندم” 128، ولكنها في الوقت ذاته تقر بأن أناها تظهر بصورة استفزازية أمام الآخر، وخاصة الذكور “أعترف أنني كثيرًا ما أوقظ عدوانية الرجال، أجرهم إلى حلبات المواجهة، وأتعب وأنسحب من الجولة الأولى” القول للبطلة 128.
والمفارقة أن شمسة التي تعيش في أكثر الأماكن خطورة لا يرعبها شيء مثل الكائنات الدقيقة جدًا في غرفتها “أخاف العناكب أكثر من أي شيء آخر”. 143، ووضع البطلة يذكر القارئ بالمثل الشعبي: ما الذي جبرك على المر غير الأمر منه، باعتبار أن الناس أغلبها بسبب احتدام المعارك وضراوتها نزحت من المدن باتجاه الأرياف، بينما هي سكنت في حي هو عمليًا أشنع جبهة في حلب، حيث الطرفان المتقاتلان فيها لا رحمة لديهما ولا يهمهما حياة المدنيين بشيء، إذ لولا أخوها العدواني إسماعيل لكانت الآن في سهول عين العرب وبعيدة عن جحيم يؤجج لهيبه جنود النظام وعناصر حرشوف بلا هوادة، فالمواطن المدني غدا كرة تتقاذفها أرجل مسلحي الطرفين، فما من طرف منهم كان رحيمًا بالمدنيين، إنما العنف هو المشترك بينهم، حيث إن رئيفة التي هربت من منطقة سيطرة النظام إلى الجهة المعارضة نالت من التعذيب هناك ضعف ما نالته على يد زوجها السادي. ص282
عواقب البراءة: فعلينا الإدراك بأن الناس من حولنا ليسوا كما نحن في التفكير والتخمين والرؤية للأشياء، لذا كثيرًا ما تكون حركة بريئة جالبة لصاحبها الكوارث، ليس لأن الحركة خاطئة، إنما لأن نظرة الآخر لها تختلف عن نظرتنا حيالها، ولأن الزاوية التي ينظر فيها الغير غيرها التي نحدق فيها في ذات اللحظة، لذا رأينا التصرف الطبيعي لأخ يعلم الرماية لأخته كان بالنسبة للناظر القادم من خارج الغرفة منظرًا مخلًا بالأدب، إذ لم يعجب إسماعيل منظر أخته وأخيها دليل وهما يتعلمان فن الرماية، لذا جن جنون إسماعيل وراح يقول بأنه “شاهدهم في وضع لا يليق بالأسرة” 137، وتلك الحركة البريئة كانت وراء هيجان إسماعيل ومن ثم إنقاذ البنت من بين براثن أخيها عبر تسفيرها إلى حلب بحجة الدراسة، لتبدأ حياتها الجديدة مع كل تعقيداتها والمحفوفة بكل أنواع المخاطر، “لم أكن أدري أن لحظة بريئة سوف تأخذ حياتي نحو المجهول” 138. ومن جهة أخرى يبدو أن تسفير الصبية كان أفضل خيار بالنسبة لها، وإلا ما الذي يمنع إسماعيل من أن يقترف جرمًا شنيعًا كما فعل جده بابنته زينب؟
وصحيح بأن البطلة مجبولة بطينة الخير والطيبة، والعفوية سمة مميزة في الإنسان الطبيعي الخالي من العقد، إلا أنه قد تكون لها في بعض الأحيان تبعات لا تُحمد عقباها، لأن الخير بالنسبة لنا قد لا يكون كذلك بالنسبة لغيرنا، لذا ندمت شمسة على فعل الخير مع ربيع، وباتت قلقة على العمل الحسن خشية سوء فهمه هو، أي “ربيع”، أو سوء ظن الذين سيروي لهم الحادثة “ماذا لو سرد ربيع تفاصيل اهتمامي به لأبي صلاح وأخبر بذلك الأستاذ شكري”، علمًا أن أبا صلاح والأستاذ شكري من أقرب الناس إليها في الحارة، فكيف سيكون حالها إن تخطت حكاية الحمام الشخصين المذكورين ووصلت إلى الآخرين الذين ينتظرون منها أصغر خطأ. 159
كاميرا الراوي: في أكثر من مكان ومشهد من الرواية يلاحظ القارئ بأن عين الروائي أشبه بالكاميرا الاحترافية التي تترصد مواقع الأحداث، فهو يقرب من بصر القارئ أدق التفاصيل المتعلقة بسمات الأشخاص ورسم الأماكن، “ثبت المذياع على مستوى أذنه اليسرى المتدلية شحمتها” 156، وتلك التفاصيل التصويرية نقرأها أيضًا أثناء وصف عملية استحمام ربيع “فتائل من الدهون والجلد المنسلخ تساقطت عن جسده مثل ديدان صغيرة” 158، وكذلك الأمر في رصد حركة الزواحف “تتسلق بعض السحالي شواهد القبور”، ولا ننسى مشهد الحصاد في الريف “سنبلة نجت من بين أسنان آلات الحصاد” 165.
وفي ختام هذه القراءة أقر بأن عبارة “الخوف على الساردة” الواردة في العنوان هي من ضمن المشاعر التي وُلدت بعد القراءة الأولى للرواية، ولأنني استمتعت أكثر في القراءة الأولى، ولأنها كانت وراء ولادة معظم الأسئلة، ولأن البطلة أخذت بيدي وجالت بي في معظم أزقة الحي، ولأنني تعلقت بالساردة إبان القراءة كما لو أنها شخصية من لحم ودم، ولأنني بت أقلق عليها من القناصة، ومن المساعد، ومن النقيب، ومن رجال حرشوف، ومن عواينية الأكشاك، وكأني على معرفة تامة بها، ولأنني بت حريصًا على صون حياتها وصرت أخشى عليها من أي مكروه يحصل لها، لذا احتفظت بتلك الجملة بالرغم من أن القراءة الثانية كانت قد أزاحت عن كاهلي معظم المشاعر التي انتابتني حيالها.
مختارات من سياق الرواية:
الزمن الحقيقي أن يشاطرك شخص ما زمنه. 10
لا تختلف هيئته عن حصان خشبي، تناوب عليه حر الصيف وقر الشتاء، تشققت وجفت عروقه، له ذقن حاد وبارز مع عينين غائرتين. 38
لم أعد سوى شجيرة على جرف مائل لامست جذورها قسوة الصخر، لا تيبس ولا تثمر. 38
البخار الحامي المتصاعد من أجران الحمام ذوَّب رائحة عرق أليف الممزوجة مع رائحة الخرفان. 45
بساق مبتورة ويريد أن يرى المنامات مثل باقي البشر. 47
لهيب الصيف يحث الخطى لحرق خضرة السهول. 65
عدت إلى اجترار ذاكرتي بعد منتصف الليل، تمامًا كما كانت تفعل خرفان خالتي أليف في عتمة الحظيرة. 89
مئذنة مستلقية على الأرض. 146
نسمات الهواء الخفيفة تطارد فلول الغيوم الكسلانة. 148
ومن التشبيهات اللافتة بخصوص القارئ الضجر نقرأ في الصفحة 166 “كلما قطعت فيه شوطًا رميته جانبًا، غدوت كعربة يجرها حصان هزيل، حالما تصعد الطريق تخور قواه ولا يقوى على المتابعة”.
والجملة الجديرة بأن نستشهد بها في أكثر من مكان ومناسبة هي هذه: “عندما تمطر السماء ذهبًا، يفتح الكردي مظلته” 269.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنويه: هذه القراءة انطباعية صرفة، وابتعدت فيها قدر الإمكان عن تناول المصطلحات الأكاديمية