استراتيجية العبث بالشخصية في رواية «وهل من فرق؟» سوار شيخو وصدمة «الانكشاف الوجودي»

إدريس سالم

 

يجيب «سوار» على «پيتر» في إحدى أسئلته: «لقد كتبت قصة وعبثت بإحدى شخصياتها دون سبب مقنع». (ص 187).

تتمحور هذه القراءة حول لحظة «الانكشاف الوجودي» في الصفحة (187)؛ حيث يغدو «سوار شيخو» كائناً يدرك وقوعه في «فخ التأليف». فالعبث الذي يمارسه الروائي بحياة بطله وأفكاره كان أكبر من أن يكون ترفاً فنياً؛ هو في الحقيقة «محاكاة» لآلية القمع والتهجير التي سلبت الإنسان السوري حق تقرير مصيره، ليتحول البطل من «ذات فاعلة» إلى «مسودة» يعبث بها الآخرون؛ سواء كانوا أنظمة أمنية، أو بيروقراطية باردة. إن هروب «سوار» من مصير شخصية قصصية صنعها هو ذاته، يعكس رغبته المستحيلة في التحرر من النص القديم (الخوف، الرقة، كوباني)، ومن النص الجديد (المنفى الهولندي، الحياة الجديدة)؛ باحثاً عن لحظة «صفر» تمكنه من استعادة صوته الخاص، بعيداً عن كونه ضحية دائمة لتقلبات القدر.

إن الشخصيات المحيطة به، من «جميلة» إلى «پيتر»، ليست إلا مرايا مشظاة؛ يحاول من خلالها «سوار» ترميم هويته المبعثرة؛ فهو يريد اعترافاً بوجوده خارج حدود الملفات الأمنية والمهنية. هو يعبث برغباته وأهدافه لأنه يدرك – بوعي تراجيدي – أن الحياة ذاتها قد عبثت به دون سبب مقنع؛ مما يجعل من الرواية تأملاً فلسفياً في «البطل الرهينة»، الذي يكتشف أن حريته الوحيدة تكمن في وعيه بهذا العبث، ومحاولته اليائسة للتنفس بين سطور قصة لم يختر بدايتها، ولا يملك مفاتيح نهايتها.

إن لجوء الروائي إلى العبث بكيان البطل، وتفتيت ملامحه المستقرة، يمثل انتقالاً جوهرياً من «الرواية الكلاسيكية» التي تحتفي بالبطل المتسق، إلى رواية «الإنسان المهزوم» أو «البطل الضد»؛ حيث يصبح تدمير أهداف الشخصية وبعثرة رغباتها وسيلة لتعرية زيف اليقينيات الإنسانية. هذا العبث من الممكن أنه ليس فعلاً مجانياً، ولكنه استراتيجية فنية تهدف إلى محاكاة فوضى الوجود، وعجز الفرد أمام قوى التاريخ، أو السلطة، أو الصدفة العمياء؛ مما يجعل الشخصية مرآة للانكسار الوجودي المعاصر.

حين يسلب الروائي بطله القدرة على تحقيق غاياته (أو غايات القرّاء) ويضعه في حالة من التخبط الفكري، فإنه يحرر النص من القوالب الأخلاقية الجاهزة، ويجبر القارئ على مواجهة الحقيقة العارية: بأن الإنسان عبارة عن كائن هش، يتشكل ويعاد تشكيله تحت مطارق الظروف والضغوط النفسية.

في العمق الفلسفي لهذا العبث، يعمل الكاتب الكوردي «مچو ويس» على تحطيم «الأنا» لبطل روايته «وهل من فرق؟»؛ الصادرة عن «دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب»، ليخلق حواراً صادماً بين الذات وماضيها أو واقعها؛ حيث تتحول الأحاسيس والأفكار من أدوات للفعل، إلى سجون للذاكرة والخوف.

إن تلاعب الكاتب بدوافع البطل وتناقض رغباته يكسر منطق «النمو الخطي الفني» للشخصية، مستبدلاً إياه ببناء دائري أو منشطر، يعكس الأزمات الهوياتية الكبرى؛ مثل اللجوء أو الاغتراب. هذا النوع من البناء الدرامي يجعل من الشخصية مختبراً بشرياً لاستكشاف حدود التحمل الإنساني؛ فبدلاً من أن يسير البطل نحو «الخلاص»، يغوص في «التيه»؛ مما يمنح العمل الروائي عمقاً أنطولوجياً يتجاوز مجرد الحكاية، ليصبح تساؤلاً عن جوهر الوجود، وما يتبقى من الإنسان حين يفقد أهدافه وتتعطل بوصلته الفكرية.

أما على مستوى العلاقة بين النص والمتلقي، فإن العبث بحياة البطل وأفكاره يعمل على تقويض «التماهي الساذج» للقارئ مع الشخصية، ويستبدله بنوع من اليقظة النقدية أو الصدمة الجمالية؛ فعندما يرى القارئ البطل وهو يتخبط في أحاسيس متناقضة، أو يسعى خلف أهداف وهمية، فإنه يتخلى عن دور المشاهد السلبي ليصبح شريكاً في قلق الشخصية وتساؤلاتها. هذا التشويه العمدي للبناء النفسي للبطل يزيل المسافة بين الفن والواقع المأزوم، مؤكداً أن الحقيقة لا توجد إلا في التمزق، وأن جمالية الرواية الحديثة تكمن في قدرتها على تجسيد العبث كقيمة معرفية تعيد تعريف البطولة؛ بوصفها محاولة يائسة ومستمرة للبحث عن معنى في عالم ممعن في التفتت واللامبالاة.

في عوالم الرواية التي نغوص في ثناياها، يتشكل «سوار شيخو» ككائن لغوي مسكون بالهزيمة؛ أراد به الكاتب أن يعري تلك الروح التي طحنها استبداد الشرق، حتى صارت ترى في ظلها مخبراً سرياً. إننا أمام شخصية تم بناء معمارها النفسي على أنقاض الذاكرة الكوردية السورية المثقلة بالرعب، حيث يغدو الحاضر الهولندي مجرد مسرح عبثي؛ يحاول فيه «سوار» استعادة توازنه المفقود بين رصانة الأكاديمي الذي كانه، ومهانة الباحث عن عمل في قطاع النقل.

لقد كان هذا التمزق تشظياً وجودياً، جعل من «سوار» شخصية «هوسية» بامتياز؛ تقتات على التفاصيل الصغيرة لتهرب من مواجهة الفراغ الكبير الذي خلفته الحرب والمنفى. وفي كل حركة يقوم بها، نجد صدىً لتلك الصراعات الباطنية؛ التي تجعل من صعود درج، أو شرب كوب من الشاي، معركة تقرير مصير.

إن العبث الذي مارسه الكاتب في تكوين «سوار» يتجلى في تحويله من ذات فاعلة إلى موضوع للمراقبة؛ فهو في مكتب التوظيف يرى نفسه كمتهم في قفص الاتهام، يعيد تدوير خبراته الأكاديمية لتناسب مقاسات سائق شاحنة، أو عامل نقل. وفي هذا الفعل تكمن سخرية سوداء جارحة؛ حيث يتم اختزال تاريخ إنسان كامل في ورقة سيرة ذاتية، تُقرأ بعيون باردة لا تدرك حجم الحرائق التي اندلعت في روح صاحبها. «سوار» يتحرك في شوارع هولندا بأرواح من فقدهم، وبأصوات التحقيق التي ما زالت تتردد في أذنيه، مما جعل حواسه يقظة بشكل مرضي؛ يفسر الصمت تهديداً، والابتسامة كميناً، والروتين اليومي كجزء من خطة أمنية محكمة تهدف إلى استدراجه. وهذا التشويه الإدراكي هو أعمق أنواع العبث التي قد تلحق بالإنسان؛ حين يفقد القدرة على التمييز بين الأمان والخطر.

بالتعمق في بنية الشخصية، نجد أن «سوار» يعاني من تضخم الذاكرة على حساب الحاضر؛ فهو يسير في «أرنهيم»، لكن عيناه تبحثان عن زواريب الرقة. هذا الانقسام يجعله يعيش حالة من الاغتراب المزدوج؛ فلا هو استطاع أن يقطع حبل السرة مع الماضي الذي يؤلمه، ولا هو قادر على الانتماء لواقع يراه بارداً وآلياً. الكاتب هنا يعبث بالزمن الروائي من خلال استحضار شخصيات مثل «جميلة» و«نجلاء» في لحظات غير متوقعة، ليوضح لنا أن «سوار» محاط بجيش من الأشباح الذين يملؤون رأسه بالضجيج؛ مما يفسر تشتته المستمر وفشله في التركيز على أسئلة «فينسنت». إنها شخصية تعيش في برزخ بين الموت والحياة، وبين الشرق والغرب، بين ثقافتين مختلفتين؛ وهي حالة تجسد مأساة جيل كامل وجد نفسه فجأة خارج سياق التاريخ، يبحث عن دور جديد في مسرحية لم يكتب نصها، ولم يختر ملابسها.

يتجلى العبث الفكري عند «سوار» في محاولته عقلنة اللامعقول؛ فهو يحلل موقف «فينسنت» الصامت بناء على نظريات استخباراتية، ويقارن بين «المصعد والدرج» كأنها خيارات أيديولوجية كبرى. هذا الإفراط في التحليل تعتبر آلية دفاعية لمواجهة الشعور بالدونية؛ فبما أنه لا يملك السيطرة على مصيره المهني، يحاول السيطرة على التفاصيل المحيطة به عبر تأويلها. إنه يخلق عالماً موازياً يسكنه ليحمي نفسه من وطأة الواقع الذي يرفضه، ولذلك نجد لغته مشبعة بالاستعارات والمقارنات التاريخية؛ وكأنه يحاول التمسك برتبته الثقافية في وجه انحداره الطبقي. إن «سوار» هو المثقف المهزوم، الذي يحاول الحفاظ على كبريائه عبر الثرثرة الداخلية التي لا تنتهي؛ وهي ثرثرة تعكس الفوضى التي تضرب أعماقه، وتحوله إلى كائن هش، قابل للكسر عند أول مواجهة حقيقية مع السلطة؛ حتى لو كانت سلطة موظف توظيف بسيط.

إن علاقة «سوار» بالمرأة في الرواية هي علاقة مشوبة بالخسران والبحث عن ملاذ؛ فحضوره القوي للذاكرة الأنثوية ليس اشتهاء بقدر ما هو بحث عن وطن ضائع تمثله «جميلة» أو «نجلاء». لذا، فالكاتب يعبث بمشاعر الشخصية ليجعلها تتأرجح بين الرغبة في الحب والخوف من الفقد، مما يجعل لقاءاته الحقيقية أو المتخيلة مع النساء تتسم بالارتباك. فهو يراقب الفتاتين في المقهى بفضول أنثروبولوجي؛ يحاول من خلاله فهم مجتمع جديد، لكنه سرعان ما ينسحب إلى خياله ليرسم لهما حكاية تناسب أوجاعه. هذا الهروب المستمر نحو المتخيل، هو الذي يحمي «سوار» من الجنون؛ لكنه في الوقت ذاته يعزله عن الاندماج الحقيقي. إنه يعيش في فقاعة من الكلمات والصور القديمة، مما يجعله شخصية تراجيدية بامتياز؛ يحمل جرحه على ظهره كسلحفاة تخشى الخروج من قوقعتها، خشية أن يدهسها قطار الحياة المتسارع في المنفى.

عندما نصل إلى لحظة المقابلة الوظيفية، نكتشف أن «سوار» يمارس نوعاً من التمثيل الوجودي؛ فهو يحاول تقمص شخصية العامل المطيع، وهو في داخله أستاذ متمرد. هذا الصراع بين «الأنا» الحقيقية و«القناع» الاجتماعي هو ذروة العبث الذي صاغه الكاتب؛ فالوظيفة بالنسبة لـ «سوار» هي اعتراف بوجوده في هذا المجتمع الجديد. ورغم ذلك، نجد طاقته النفسية مهدرة في مراقبة «فينسنت» وتحليل حركاته، وكأن المقابلة هي جولة تحقيق في فرع أمني. إن تحويل «العمل» إلى «أمن»، هو انعكاس لخراب الروح التي لم تعد تثق بأحد. وهنا تكمن براعة الكاتب في تصوير كيف يمكن للاستبداد أن يلاحق الضحية حتى بعد نجاتها الجسدية؛ ليظل «سوار» سجيناً داخل زنزانة صنعها خوفه القديم، وهي زنزانة لا تملك هولندا، بكل ديمقراطيتها، مفاتيح الخروج منها ما لم يتحرر «سوار» من داخله.

في ختام الرواية، يظهر «سوار شيخو» كشخصية «قلقة» لا تستقر على حال؛ فهي في حالة سفر دائم حتى وهي جالسة على كرسي. إن العبث ببناء هذه الشخصية جعلها نموذجاً مكثفاً لآلام اللجوء السوري؛ حيث تلتقي الفلسفة بالتشرد، والذاكرة بالنسيان، والكبرياء بالانكسار.

لقد نجح الكاتب في جعل البطل مرآة لكل هؤلاء الذين فقدوا بيوتهم، ولم يجدوا بيوتاً بديلة في أرواحهم؛ وبقوا معلقين في منطقة رمادية، بين ما كانوا عليه وما صاروا إليه. إن قراءة «سوار» هي قراءة في أدب المحنة؛ الذي يغوص في تشريح مسبباته النفسية والاجتماعية، ليقدم لنا في النهاية صورة الإنسان المعاصر في مواجهة التوحش؛ إنساناً يحاول، رغم كل شيء، أن يجد معنى لحياته في عالم يبدو أنه فقد المعنى تماماً.

بالعودة إلى الاقتباس المذكور في بداية هذه القراءة، عندما يعترف «سوار» لـ «پيتر» بأنه «عبث بإحدى شخصياته دون سبب مقنع»، فإنه يمارس نوعاً من «الميتا – رواية»؛ أي (رواية داخل رواية). أرى أن «مچو ويس» عبث بـ «سوار» لكي يجسد «عبثية القدر» الذي واجهه السوريون؛ فـ «سوار» يهرب من «مصير الشخصية» التي صنعها في قصته، ليكتشف أن حياته في هولندا هي قصة أخرى يعبث بها موظف توظيف، وذاكرة مثقوبة، وسلطة قديمة لا تزال تطارده. الروائي يريد من البطل أن يكون «نموذجاً مخبرياً» للإنسان الذي فقد السيطرة على «سياقه»؛ عبث بحياته ليقول لنا إن «السبب المقنع» هو ترف لا يملكه اللاجئ.

 

إدريس سالم

شاعر وكاتب كورديّ سوريّ، من مواليد قرية «بُورَاز» التابعة لمدينة كوباني (19 آذار، 1986م). يتناول في كتاباته موضوعات السريالية والعوالم الحلمية، سيكولوجية الذات والأقنعة، العزلة والاغتراب الرقمي، الهوية والوجود والعدم، الألم والمعاناة الإنسانية…

     عمل مدرّساً للغة العربية، إلى جانب نشاطه محرّراً في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية. محرّر وعضو في موقع وجريدة «سبا» الثقافية. مدير «مكتبة فيرمين للكتاب» في تركيا.

     يقيم في تركيا منذ عام 2014م كلاجئ. من مؤلّفاته:

1 – جحيم حيّ (شعر)

الطبعة الأولى: الأردن، عمّان، دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2020م، 134 ص.

الطبعة الثانية: ألمانيا، كاوفبويرن، دار الدراويش للنشر والترجمة، 2022م، 116 ص.

الطبعة الثالثة: هولندا، زوانينبورغ، دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب، 2025م، 124 ص.

2 – مراصد الروحِ (شعر)، هولندا، زوانينبورغ، دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب، 2025م، 120 ص.

3 – الحزن وباء عالميّ (شعر)، هولندا، زوانينبورغ، دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب ثالث،  2026م، 96 ص.

4 – مطاردة المعنى (حوارات مع الروائيّ مازن عرفة)، هولندا، زوانينبورغ، دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب، 2026، 150 ص.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ا. د. قاسم المندلاوي

تعد محافظة الحسكة إحدى المحافظات ذات الغالبية الكوردية، وقد تعرضت عبر عقود طويلة لمحاولات ممنهجة لتغيير طابعها الديموغرافي والثقافي، من خلال تعريب بعض المناطق وتغيير أسماء عدد من مدنها وقراها، الامر الذي انعكس على هويتها التاريخية والثقافية.

شهدت المحافظة خلال الاعوام 2015 – 2016 مرحلة مفصلية في تاريخها، بعد تحرير…

فراس حج محمد| فلسطين

 

لا أدري على نحو الدقة متى تم وصفي بالصحفي لأوّل مرّة، لم أستسغ هذا الوصف، لأنني بالفعل لستُ صحفياً، ولمعرفتي أنّ الصحفي غيـر الكاتب في المهمة والأسلوب والرسالة، فإن خلا أحياناً الكاتب من الرسالة وتحمُّل تبعات معينة، فإن الصحفي يجب ألا يخلو من الرسالة؛ أيْ الهدف السامي من وراء عمله كله، مجملاً…

عصمت شاهين الدوسكي

قُلْ مَا تَقُولُ وَالْزِمْ

مَصِيرُكَ حَاضِرٌ فِي الْفَمِ

الْحَيَاةُ فِي اللِّسَانِ تَعَلَّمْ

شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ أَوْ عَدَمٌ

………

سَلِيمٌ مَنْ سَلِمَ وَنَطَقَ

يَتَكَلَّمُ بِصَوَابٍ…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تتجاوز النزعة الصوفية في الأدب حدودَ الزمان والمكان، لتصبح تجربة إنسانية عميقة تبحث عن المعنى الكامن خلف ظاهر الجمود. وهي ليست مُجرَّد تأملات رُوحانية عابرة، بل هي مشروع معرفي ووجودي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة عبر التجربة الذاتية، والتَّوَحُّدِ معَ الطبيعة، والانفصالِ عن سَطوة العالَم المادي.

في هذا السياق،…