وشمُ الليل، ليشكل إضافةً نوعيةً إلى المشهد الشعري المعاصر، ويعلن عن ولادة صوتٍ أدبي شاب يحمل في تجربته عمق الألم الإنساني وصدق التعبير عن الذاكرة والغياب.
في زمنٍ تتكاثر فيه الحكايات وتتشابه الأصوات، يأتي هذا الديوان ليقدم تجربةً شعريةً مختلفة، عميقة، ومشبعة بحس وجودي واضح؛ حيث لا تكتب القصيدة بوصفها ترفاً لغوياً، بل باعتبارها ضرورةً داخلية، ومحاولةً مستمرةً لفهم الذات في مواجهة الفقد والمنفى. إنه الإصدار الأول للشاعرة سيلفا بوزان، التي تحمل في نصوصها ذاكرةَ مدينةٍ جريحة، ووجعَ إنسانٍ اقتلعته الظروف من مكانه الأول، من دون أن تتمكن من اقتلاع ذلك المكان من أعماقه.
تنتمي الشاعرة إلى مدينة كوباني، تلك المدينة التي لم تعد في هذا الديوان مجرد موقعٍ جغرافي، بل تحولت إلى مركزٍ رمزي للذاكرة والحنين والفقد. كوباني هنا ليست مكاناً يذكر، بل تجربةٌ تعاش؛ حضورها يتجلى في تفاصيل اللغة، وفي نبرة الحزن، وفي الإصرار على التمسك بما تبقى من المعنى. وعلى الرغم من حياة المنفى التي تعيشها الشاعرة، ودراستها في كلية الصيدلة في إسطنبول، فإن هذا البعد الواقعي لم يبعدها عن جذورها، بل عمق علاقتها بها، وجعل من الكتابة وسيلتها الأساسية للحفاظ على ما لا يمكن تعويضه.
يضم ديوان “وشم الليل” في نسختيه العربية والتركية (150 صفحة، 41 قصيدة) مجموعةً من النصوص التي تتناول موضوعات الألم، والفراق، والغربة، والحنين إلى الوطن والطفولة. غير أنّ هذه الموضوعات لا تطرح بوصفها عناوين عامة، بل تعالَج من داخل التجربة، حيث يتحول الحزن إلى بنيةٍ شعوريةٍ متكاملة، ويتخذ الفقد طابعاً مستمراً لا يرتبط بلحظةٍ بعينها، بل يتغلغل في الذاكرة ويعيد تشكيل العلاقة مع العالم.
تتميز لغة الديوان بحساسيةٍ عالية وكثافةٍ تعبيرية، إذ تمزج الشاعرة بين البعد العاطفي والتأمل الداخلي، وتبني نصوصها على توازنٍ دقيق بين البوح والصمت. فالقصيدة عندها لا تقول كل شيء، بل تترك مساحاتٍ مفتوحةً للتأويل، وتمنح القارئ فرصة المشاركة في إعادة بناء المعنى. كما يظهر بوضوح وعيها بتجربة المنفى بوصفها حالةً مركبة، لا تقتصر على الابتعاد المكاني، بل تشمل انقطاعاً داخلياً عن الذات الأولى، وعن التفاصيل الصغيرة التي كانت تشكل الإحساس بالانتماء.
في هذا السياق، يتحول الحنين في الديوان من مجرد استذكارٍ للماضي إلى حالةٍ دائمة من البحث، ومحاولةٍ مستمرة لاستعادة ما تعذر استعادته. كذلك يبرز الفراق بوصفه تجربةً مفتوحة، لا تنتهي بانتهاء العلاقة أو الابتعاد، بل تستمر في تشكيل الوعي واللغة، وتنعكس على نظرة الشاعرة للحياة وللآخرين. وهذا ما يمنح النصوص عمقاً إنسانياً يجعلها قريبة من القارئ، ولا سيما أولئك الذين اختبروا أشكالاً مختلفة من الغياب أو الانكسار.
إنّ “وشم الليل” لا يقدم نفسه بوصفه مجموعةً شعرية تقليدية، بل عملاً أدبياً يحمل بعداً توثيقياً وإنسانياً، يجمع بين التجربة الفردية والبعد الجماعي. فهو ديوان عن الإنسان حين يفقد مكانه الأول، لكنه يرفض أن يفقد ذاكرته، وعن اللغة حين تصبح وسيلةً للبقاء، لا مجرد أداةٍ للتعبير.
بهذا المعنى، يمثل هذا الإصدار بدايةً واعدةً لصوتٍ شعري قادر على التعبير عن قضايا معاصرة بلغةٍ صادقة وعميقة، ويؤكد أن الكتابة ما تزال قادرة على أن تكون مساحةً للمقاومة، ولحفظ ما يتعرض للنسيان.
صدر ديوان “وشم الليل” في نسختيه العربية والتركية، ليصل إلى القارئ بوصفه تجربةً شعريةً تستحق التوقف والتأمل، وصوتاً يحمل في داخله حكاية جيلٍ كامل يعيش بين الذاكرة والمنفى، ويبحث في الكلمة عن شكلٍ من أشكال البقاء.
وهذه إحدى قصائد ديوان **“وشم الليل”**.
من أنا
من أنا…
حين يتكئ السؤالُ على صدري
كأنه آخرُ العابرين إلى المعنى؟
أنا ابنةُ النارِ والنور
لا كإجابةٍ جاهزة
بل كندبةٍ تضيء كلما أطفئت.
أعبرُ بينهما
كأثرِ احتراقٍ لم يكتمل
كغيمةٍ تعلمت أن تمطر وهي تشتعل
ولا تسقط.
روحي…
لا تقيم في الهدوء
تولدُ في كلِّ مرةٍ من رمادها
وتنهضُ وفي يدها ضوءٌ لا يشبه الطمأنينة.
حياتي ثورةُ احتراقٍ لا تنام ..
كلما قالوا: انتهيتِ…
فتحتُ في الرماد نافذةً جديدة
ودخلتُ أكثرَ يقيناً بالضوء.
أنا الفداءُ قبل الرحيل
أمشي إلى قلبي كمن يلقي بنفسه على الحياة
ولا يسألُ النجاةَ عن معناها.
صامدةٌ أنا…
كتمثالٍ في الميدان ..
تتعبُ حوله الريحُ ولا يتعب
لأنه لا يعرف أن يكون سقوطاً
بل شاهداً على ما سقط.
فليأتِ الرحيل…
وليأتِ موسمُ الحصاد والفراق
ولتضِعِ السفنُ بين الأمواجِ والرياح
أنا لستُ ما يبحث عنه في النهاية…
أنا الأثرُ الذي يبقى
حين تنتهي الطرق.