عنايت ديكو
– تمثال الرجل المؤدلج … تمثالٌ يختزل كل أضلاع الفكر والثقافة في هندسة الجرأة والسياسة والحضور وبنائها.
– في وسط لندن … عاصمة الأباطرة والملوك … حيث تتكدّس التماثيل البرونزية والرخامية للملوك والأمراء والجنرالات وقادة المجد الإنكليزي، الذين صنعوا التاريخ بدماء الآخرين.
– هنا، في قلب لندن، وبين هذه المنحوتات والتماثيل الملكية، وبين الأزقة والشوارع والحدائق الملكية، وفي أشهر ساحةٍ بقلب لندن، يُرفع الستار عن نحتٍ فريد ومتميّز للفنان والنحّات وفنان الغرافيتي BANKSY.
– تمثالٌ خارق في الترجمة والمونولوج، يسبح تحت أجنحة الرأسمالية العالية لينتقل بعدها من الصمت الأسود إلى فضاءات الديالوج الواسعة. تمثالٌ مرعب في الحدود والوجود، ضارباً بعرض الحائط المقاييس والحسابات والثقافات والحساسيات والفلسفات والممنوعات والفوارق المجتمعية في قلب لندن.
– نعم … قبل أسابيع، قامت بلدية لندن بإزاحة الستار عن تمثالٍ من نوعٍ آخر وفريد … تمثالٍ يحكي قصة الانتصارات والنجاحات الوهمية … تمثالٌ يدحض مقولة: «القوي يكتب التاريخ» … تمثالٌ يرسم حقيقة الآيديولوجيا والتزمّت والتطرّف والغلو … تمثالٌ يحكي قصته للمارّة والمشاهدين والزائرين … تمثالٌ لا يحاكي عوالم النحت والرسم فقط، بل يحكي عن الممارسات والسلوكية والحكمدارية ووهم الانتصارات الخلّبية … تمثالٌ يحذّر البشرية من الحروب والكوارث ورفض الآخر.
– تمثالٌ ليس جسداً، بل فكرة … فكرة تسير في الشارع والأذهان، وتلتصق بجدران الفكر والوعي، وتخاطب الناس من دون إذن: «البشر في خطر».
– نعم، إنه العمل الأخير للفنان الإنكليزي BANKSY، الذي اختزل التوحّش الآيديولوجي والديني والسياسي في كتلةٍ صخريةٍ ناطقة بكل لغات العالم، بما فيها اللغة الكوردية.
– ففي أعماله المنتشرة في لندن، يتحوّل هذا الجدار الصامت إلى مرآةٍ قاسية؛ نرى فيها العالم كما هو، لا كما نحب أن نراه. طفلة تلاحق بالوناً على شكل قلب في عمله الشهير Girl with Balloon، وجنديٌّ يرسم علامة السلام، وشرطيّان يتبادلان قبلة … نعم، إنها صور بسيطة، لكنها تفتح أبواباً لا تُغلق من الأسئلة والاستفهامات.
– ما يفعله بانكسي BANKSY أخطر من الفن نفسه؛ إنه يعيد توزيع المعنى، ويأخذ الرموز التي اعتدنا عليها إلى ما وراء الروح، ويقلبها بهدوء ليكشف هشاشتها … ويسخر من السلطوية دون أن يذكرها … ويهاجم الأنظمة دون أن يصرخ.
– والمفارقة الكبرى هنا أن هذا «التمثال الحي» مجهول الهوية. لا أحد يعرف وجهه الحقيقي، وكأن اختفاءه جزءٌ من رسالته: أن الفكرة أهم من صاحبها، وأن الصوت يمكن أن يكون أعلى حين لا يُرى.
– هكذا، في لندن … المدينة التي تعشق تخليد الأجساد، اختار بانكسي BANKSY أن يخلّد الأثر.
………………