محمد شيخو: حين يتكلم اللحن بلسان الشعر.. أغنية “جوانه آزاده” – نموذجاً

التحليل والكتابة: نزار يوسف.

كلمات الشاعر: أحمد شيخ صالح

ألحان: الخالد محمد شيخو

 

في تاريخ الأدب الكردي، برع كثير من الشعراء في رثاء أبنائهم، ولعلّ أبرز ما كُتب في هذا الباب قصيدةُ الشاعر أحمد شيخ صالح في رثاء ولده الشاب الذي وافته المنية إثر حادث سير مأساوي. فقد لقي مصرعه وهو عائد من السفر، حاملاً معه شهادته التدريسية.

شاعرنا سكب ألمه في قصيدته المؤثرة. لحنها وغناها فناننا بصوت حزين، فتحول الرثاء إلى أغنية خالدة نقل وجع الفقد ولامس قلب كل مستمع.

وما يخلّد هذا النص ويمنحه أثره العميق ليس الكلمات وحدها، بل اللحن الذي يوظّف صوت المغني لا العكس. فالذوق الفطري للملحن هو الذي يحوّل الألم إلى لحن يتجاوز الخيال، فيصير أيقونة خالدة. ومن هنا، فإن سر جمال هذه الأغنية وخلودها في ذاكرة الأجيال يكمن في ذلك التآلف بين صدق الرثاء الشعري وعبقرية اللحن الذي حمله. النتيجة مادة فنية صادقة ومؤثرة جدًا: الكلمات تنقل وجع الأب، واللحن يضاعف وقعها في القلب. فيصبح الرثاء أغنية خالدة، تخرج من الحزن الشخصي لتلمس كل من فقد عزيزًا، وتبقى في الذاكرة لأنها تمزج صدق الألم بعبقرية الصوت.

لم تكن هذه المادة الاختيار الوحيد لمحمد شيخو، فقد استغرق تلحينها شهوراً أو سنة. وبعد قراءتها بتمعن، دخل في خباياها ومعانيها، وقرأ من خلال نصها ما تحتويه تركيبتها الشعرية من إيقاعات موسيقية مختلفة. وتوصلنا التغييرات اللحنية والإيقاعات المتنوعة في الأغنية إلى خاتمة جميلة، هي نتيجة عمل إبداعي متواضع وخلّاق لهذا الفنان.

 قصيدة “جوانه آزاده” تركيبتها كملحمة، وكلماتها وسحرها الصوري كسيمفونية خالدة. ولحنها ومغنيها إبداع يحاكي واقع شاعرٍ فقد فلذة كبده – نجله.

 بُني هذا اللحن بحرفية عالية وفق الجمل الشعرية ومواقف الحزن والرثاء لولديه، والشجن المؤثر الذي تخلّل مضمون القصيدة، هذه التحفة الأدبية المبدعة التي عمل عليها الشاعر الكبير. 

يمدح فيها موتاه، ويصف عادات منطقة بوطان في بكاء النسوة وغنائهن، أغاني فولكلورية حزينة في رثاء الموتى، فيصوّرهم كالعرسان يُهنَّئون في يوم زفافهم ليكونوا لائقين في وداعهم الأخير، بالأهازيج والزغاريد المليئة بالدموع، ذلك اليوم الذي لم يحالفهم الحظ أن يتهنوا به في الحياة.   

ويربط بين بكائه الصامت والوجوه المكسوّة بالهموم، فيمدح حيناً، ويصف مرة شعور الخوف، ومرة شعوراً بألحان الطيور ونسمات وروائح الورود التي تزيّن طبيعة عين ديوار، وموقعها الجغرافي المطل على مدينة “جزيرا بوطان” و”برجا بَلَك”، عاصمة إيالة بوطان، والمدرسة الحمراء، ومرقد وهج عشق أستاذه الشاعر ملايي جزيري، و”مم وزين”. وإطلالة جبل جودي الشامخة التي تحتضنهم على خرير وأنغام نهر دجلة الهائج.  من خلال تلحين هذه المقدمة، نسمع من خلال نبرات صوت محمد شيخو الشجية، ورنين أوتار آلته الموسيقية، ألحان الطيور والعصافير ورونق الطبيعة الآسرة كما رسمها الشاعر بكلماته.

في هذا المقطع، كسا وزّين الفنان لحنه بمقام الحجاز وأدّاه بنغمات ارتجالية هادئة بنغمات ارتجالية هادئة بإيقاع “ثلاثة على أربعة” لوصف شخصية المرثيّ:

‏ Ciwan e, azad e, ji banê bejna wî, hinde bi min şêrîn e

Pîroz bê, xemla wî, zava ye, xêlê wî vîndar û perî ne

Helbest û tilîlî, tewînî, nay û def, spas û aferî ne

Helal û binefş in, beybûn û bêhna xweş, kulîlk û gulbarî ne

محمد شيخو لم يكن ملحّناً فحسب، بل كان يمتلك حنكة فنية ودهاءً إبداعياً مكّنَاه من استثمار الإيقاعات الكامنة في القصيدة لبناء لحنٍ متكامل الأركان، تتآلف أجزاؤه كما يتآلف جسد واحد نابض بالحياة. فقد كان للحنه مقدمة تمهّد للأحداث، ومتنٌ تتصاعد فيه المشاعر وتتعقّد خيوطها، ثم خاتمة تستقر عندها الأنفاس، تماماً كما في القصص والروايات. ومن ثمّ، يجد المستمع نفسه منساقاً مع هذا البناء الموسيقي وكأنه يصغي إلى حكاية تُروى بلغة الألحان. ولأن تلك الحكاية كانت تنبثق من أعماق آلامه وتجربته الوجدانية، فقد جاء اللحن تابعاً لإحساسه، معبّراً عن أدق خلجاته، إذ لا تجد المشاعر مرساها الحقيقي إلا على قمم الألحان الشامخة.

وهكذا حملتنا هذه الملحمة الغنائية إلى آفاق رحبة تسكنها الأرواح، وأخذتنا إلى عوالم من الدهشة والجمال، بفضل سحر ألحانه وقدرته الفائقة على نسج علاقة عضوية بين اللحن وأعماق القصيدة، مستخرجاً ما تنطوي عليه من صور شعرية وتشبيهات وإيحاءات، ومجسداً إياها بحرفية فنية آسرة.

تفيض القصيدة بإيحاءات تجسّد قسوة العيش وسط النكبات التي تعصف بالإنسان وتدفعه إلى مواجهتها، فيما تتلاطم أمواجها على شاطئ وجوده وحياته. فهي تتأرجح بين مشاعر الحزن والفرح، وبين الأمل والانكسار، في حركة وجدانية تعكس تقلّبات الحياة نفسها. ويتجلّى ذلك بوضوح في المقطع الأوسط من القصيدة، فبعد أن يفرغ الشاعر من رسم صورة ابنه، واصفاً قامته وهيئته، ومستحضراً عبق الطبيعة وسحر روائحها الخلابة، ينتقل فجأة إلى مشهد مغاير؛ إذ يستفيق من حلمه ليواجه الحقيقة الموجعة: خيمة عزاء نُصبت على فلذة كبده.

وعند هذه اللحظة المفصلية، لجأ الملحن إلى توظيف إيقاع مفاجئ ومختلف (نارنجي/كوچري)، على مقام البيات، لينقل اللحن من أجواء الوصف الهادئة إلى حالة الانتباه واليقظة، وكأن المستمع يستيقظ مع الشاعر من حلمه. وبهذا التحوّل الموسيقي الحادّ، نجح في إثارة وجدان المتلقين وإشراكهم في نبض الشاعر وآلامه بعد رحيل ابنه، وهو يطلق مناجاته الحزينة فيما تنهمر دموعه كأمواج البحار الجارفة وجريان الأنهار المتدفق:

Şiyarbûm konê reş xuya kir hey hewar herim qêr û girî ne

Windabû, belabû, nabînim, kanî ew, dilo peykev werîne

 

 

أمام هذا البركان الهائج من الألم يبقى الشاعر منتصباً، مؤمنًا بقوانين الحياة والموت وحركة الكون وتجدده. يصور الشاعر نفسه تحت هذا الكم الهائل من الأحزان كبحر عميق، تياراته حسرات وأمواجه دموع. هذا الضغط الهائل يشاركه فيه إبداع الملحن الذي لبسه بطِرازه الفني المبدع في نفس المنحى، كأنها جملة شعرية وموسيقية متراصة ومترابطة في وحدة واحدة:

Hejandim, revandim, jana dil, derba nû, birîna min girî ne

Mihla wî, bêhna wî reş toz in, têne dil birûskê agirî ne

Efxan im, ranazim, şevê reş naborin, xilas nabin, çirî ne

في هذه الدوامة يسأل شاعرنا نفسه: ما سبب مجيئه إلى هذا العالم؟ ولماذا ذهب بهذه السرعة؟ يتوسل الى قلبه وعواطفه أن يلاحقه لتجلبه اليه. إذ سبقته رحيل الاعزّة، فها هو أيضاً يلتحق بسربهم، محلقاً نحو السماء.

يصف الشاعر كمية الهموم والألم الذي يساوره بصمت، كالشمعة تذوب في ليالي الشتاء الطويلة- ليلة يلدا-  والنهار المليء بالآلام والمآسي. ويخفف عبء ذلك الآخرون بالصبر والسلوان. يوزن المؤلف الموسيقي هذه الآهات والمناجاة في عزفه ونبرات صوته بحرفية، فيحوّل الألم إلى لحن مؤثر، والدمعة إلى نغمة، حتى يصبح صمته وحده قصيدة لا تُقال:

 

Efxan im, ranazim, şevê reş naborin, xilas nabin, çirî ne

Seqlan im, şetyan im, dibim ger, ez behr im, şîpelê min girî ne                                       Çima hat, çima çû, hê zû bû, kî zanê xewnê şeva borîne

Kanî ew, ka yê dî, yê dîtir, windabûn, bê şûn û bê serî ne

لم يدم أمامه هذا الخيال القصير الذي هو الحياة، فلا جدوى من الشكوى إليها وهي بذاتها كالسراب، بل يقتنع بفلسفتها ويستسلم لإرادة الخالق “يزدان” بهدوء، مقتنعاً بقانون الحياة  بأن كل الأحياء مصيرهم الموت. إنّه يؤمن بنظرية القدر، ترى الحياة لا تستحق الشكوى، لأن نهايتها واحدة فالسكينة تكون بالقبول لا بالاعتراض. ومن هذه القناعة يأخذنا فناننا محمد شيخو بأسلوبه المبدع في تلحين هذه الصور الشعرية في جُمَلٍ موسيقية على مقام الصبا، لتتلاءم مع تلك الأمواج الهائجة من الحزن التي تتلاطم في خيال الشاعر وجروحه النفسية العميقة، فتنقلنا إلى عالم الحزن والشجن، بعزفه ونبرات صوته السحرية المعبرة، بما يليق بالكلمات المرثية:

 

Dinya ye, leylan e, mexape, bawerke hindî sax in mirî ne

Yezdan e tenê her ew zanê, hew bêje, bêhna fereh zêrîn e.

 لخّص محمد شيخو فيها كل معاني الحب والألم، وكل إحساسٍ مرهف، فأعطاها من إحساسه كأنه يعرف أنها من إحدى أعظم أعماله. حيث يملأ صوته الفراغ حرارةً، وبعد رحيله صار الصمت سيداً للمكان؛ ليس سكوناً بل يشبه الغياب. إنّها ثقل الكبير الخفي الذي يتركه الراحلون في مؤثراتهم ولغتهم الغنائية الوحيدة الصادقة. إنّها ليست أغنية عابرة، بل شبه سيمفونية لحّنها بذكاء موسيقي، ونظمها بشكل ساحر، وعزفها بأنامله السحرية بهارمونية ودقة.

يكشف الفنان الخالد محمد شيخو عن حسّ فني مرهف وذكاءٍ موسيقي فريد في انتقاء جمله اللحنية وتلوينها بما يخدم المعنى الشعري وصوره وتشبيهاته. فتغدو ألحانه صوتاً لآهاته ومرآةً لأشواقه وأحزانه، يناجي بها الدنيا بحسرةٍ عميقة، فتتحد الكلمة واللحن في لوحةٍ فنيةٍ خالدة.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ا. د. قاسم المندلاوي

يعد قضاء عفرين مدينة كوردية عريقة تقع في شمال غرب كوردستان، وتتميز بتاريخها الثقافي والاجتماعي الغني، فضلًا عن طبيعتها الجميلة المشهورة بجبالها وبساتين الزيتون التي أصبحت رمزا للمدينة وأهلها. وقد عرفت عفرين عبر عقود طويلة بأنها واحدة من أهم المراكز الثقافية والفنية الكوردية في غرب كوردستان،…

صبحي دقوري

تقوم الرواية على سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه في العمق سؤال

عن مدينة كاملة، وعن ذاكرة كاملة، وعن جماعات عاشت معًا ثم فرّقتها الدولة والخوف والحرب

الرواية صدرت سنة 2019 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في نحو 566 صفحة، وتعود إلى القامشلي بعد هزيمة…

عصمت شاهين الدوسكي

” المَشَاعِرُ هِيَ الْوَقُودُ، وَالْعَقْلُ هُوَ الْمُوَجِّهُ الْمُرْشِدُ.”

” كُلُّ الطُّغْيَانِ يَبْدَأُ مِنْ « أَنَا »، وَيَنْتَهِي بِدَمَارِ الْجَمِيعِ.”

قَبْلَ أَنْ نَسْتَهِلَّ بِجَوْهَرِ الطُّغْيَانِ يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ الطُّغْيَانُ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ، وَبِسُهُولَةٍ وَمُبَسَّطَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ الطُّغْيَانُ إِنَّهُ تَجَاوُزُ…

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…