بين التأويل وتبني الأفكار:

عبد الجابر حبيب

 متى يصبح الناقد طرفاً في النص؟

من حق القارئ أن يتأثر بالنص، ومن حق الناقد أن يؤوله، ولكن ليس من حق أحد أن يتبنى فكرة ليست فيه ثم ينسبها إلى صاحبها. وهنا يكمن الفارق الدقيق بين التأويل بوصفه ممارسة نقدية مشروعة، وبين تبني الأفكار بوصفه موقفاً شخصياً يحاول أن يجد له موطئ قدم داخل العمل الأدبي.

لقد شغلت هذه الإشكالية الفكر النقدي قديماً وحديثاً، وفي هذا السياق يرى الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامير… أن فهم النص هو عملية حوار بين القارئ والعمل الأدبي، وأن القارئ يدخل إلى النص بخبراته وأفقه المعرفي، لكن هذا الحوار لا يعني أن يفرض القارئ أفكاره على النص، أو أن يلغي خصوصيته.

أما الكاتب والناقد الإيطالي أمبرتو إيكو، فقد تناول هذه المسألة بوضوح في كتابه “حدود التأويل” مؤكداً أن النص يسمح بقراءات متعددة، لكنه لا يسمح بعدد لا نهائي من التأويلات التي لا تستند إلى شواهد داخله. فهناك فرق بين تأويل النص، وبين استعمال النص ذريعة لإثبات فكرة مسبقة.

ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات.

أولها: قصد المؤلف، أي ما أراد الكاتب التعبير عنه.

وثانيها: قصد النص، أي ما تسمح به بنيته اللغوية والفنية من دلالات قد تتجاوز وعي الكاتب نفسه.

وثالثها: قصد القارئ، أي ما يستحضره من خبرات وصور وذكريات أثناء القراءة.

وقد أثار الناقد الفرنسي رولان بارت جدلاً واسعاً عندما كتب مقالته الشهيرة “موت المؤلف”، داعياً إلى تحرير النص من سلطة صاحبه. غير أن كثيرين أساؤوا فهم هذه الفكرة، فظنوا أنها تمنح القارئ حق نسبة أي معنى إلى أي نص.

والحقيقة أن بارت لم يقل إن كل التأويلات صحيحة، بل إن النص يمتلك حياة مستقلة عن صاحبه، وإن القارئ شريك في إنتاج المعنى، لكن هذا المعنى يجب أن يولد من النص نفسه، لا من رغبات القارئ وأفكاره المسبقة.

فإذا أعلن الكاتب، أو المترجم صراحة أن فكرة معينة ليست جزءاً من مشروعه، ولم يجد الناقد في النص ما يؤيدها، فإن الإصرار على نسبتها إليه يصبح تبنياً شخصياً أكثر منه قراءة نقدية.

ولعل النصوص المترجمة تقدم مثالاً واضحاً على ذلك.

فإذا تُرجم نص ياباني إلى العربية مع المحافظة على بيئته وثقافته، وشخصياته وعاداته، وأكد المترجم أنه نقل النص كما هو، بوصفه تجربة تنتمي إلى ثقافة أخرى، فمن أين يأتي الناقد باستحضار الذاكرة العربية، أو المكان العربي إذا لم يجد لذلك شاهداً في النص؟

إن اللغة ليست هوية العمل الأدبي، وإنما وسيلة لنقله.

فالقصيدة اليابانية المترجمة إلى العربية لا تتحول إلى قصيدة عربية لمجرد أنها كُتبت بحروف عربية، كما أن المسرحية الروسية لا تصبح مسرحية عربية إذا حافظ مترجمها على بيئتها الأصلية.

إن الحفاظ على البيئة اليابانية في نص مترجم يعني احترام ثقافته، لا البحث عن بديل ثقافي لها.

ومن حق الناقد أن يقول: هذا المشهد ذكرني بذاكرة عربية، أو أوحى لي بصورة من بيئتي، فهذا انطباع مشروع، وتأويل شخصي. لكنه لا يملك أن يحول هذا الانطباع إلى حقيقة نقدية، فيقول إن الكاتب أو المترجم كان يقصد استحضار الذاكرة العربية، ما لم يجد في النص ما يؤيد ذلك.

وهنا يصبح الفارق بين الناقد والمحامي واضحاً.

فالمحامي يدافع عن قضية تبناها، ويحاول أن يجمع الأدلة التي تؤيدها.

أما الناقد، فلا ينبغي أن يتبنى قضية خارج النص، بل أن يكتشف ما في النص من جماليات وثغرات، وأن يقدمها للقارئ بهدوء وموضوعية.

فالناقد الحقيقي ليس خصماً للكاتب، ولا وكيلاً عنه، وإنما وسيط بين العمل الأدبي والمتلقي.

وقد ذكرني هذا بالمثل الكردي:

Em dibê nêrîye, dibê bidoš.

“نقول: تيس، فيقول: احلبوه!”

أي إن الرجل الصريح يقول لك الحقيقة كما هي.

فإذا قال الكاتب، أو المترجم: لقد قدمت النص باللغة العربية، لكنني حافظت على بيئته وثقافته الأصلية، فإن أول واجبات الناقد أن يحترم هذا التصريح، وأن ينطلق من النص نفسه، لا أن يحاول إلباسه هوية أخرى لمجرد أنها تتوافق مع رؤيته الخاصة.

إن التأويل حق، بل هو روح النقد الأدبي، لكن هذا الحق لا يستقيم إلا بوجود شواهد ومرتكزات يمكن الدفاع عنها.

الناقد الحقيقي هو الذي يعرف أن مهمته ليست إعادة تأليف العمل الأدبي، ولا الدفاع عن أفكار لم يقلها صاحبه، وإنما الإنصات إلى النص، والكشف عن طبقاته الجمالية والفكرية، وترك الشواهد تتحدث قبل أن يتحدث هو.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مروة بربم

قُبَيل العصر, وقبل أن يستنفد النهار رصيد ساعاته القليلة الباقية، اعتراني قلقٌ ثقيلٌ رهيب.

لم أجزع من زيارته المباغتة، فهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، كما أنني لم أُبدِ استيائي من طريقته البوليسية في اقتحام الروح دون إخطار.

استقبلته بفتور وبلادة الجليد، هو لا يعرف أنَّ الماء ينهزم، إذا دفعته الظروف نحو قِفار المتجمد الجنوبي، فيقضي…

صبحي دقوري

المعرفة، في أصلها العميق، ليست عِدّةً باردةً للعقل، ولا مفاتيح معلّقةً على خاصرة الكلام، ولا حصيلةً من الأسماء والتواريخ والمصطلحات. إنّها، حين تبلغ صفاءها الأقصى، تصير عِشقاً. وما لا يُعشَق لا يُعرَف حقاً؛ لأنّ المعرفة التي لا تمسّ القلب تبقى واقفةً على عتبة الشيء، تدور حوله كما يدور الغريب حول بيتٍ لا يملك مفتاحه.

زاني،…

فواز عبدي

من أبرز السمات الفنية التي تميز مونودراما «الجندي أصلان أوغلو» للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل أنها تنطلق من ثقة واضحة بوعي المتلقي وقدرته على إنتاج المعنى بنفسه. فالنص لا يلجأ إلى الشرح المباشر، ولا يفرض على المشاهد أو القارئ تفسيراً محدداً للأحداث، وإنما يكتفي ببناء عالمه الدرامي عبر الإيحاء والصورة والحدث، تاركاً مساحة واسعة…

باسم إدارة وهيئة تحرير موقع ولاتي مه، نتقدم إلى الكاتب م. محفوط رشيد بأصدق مشاعر التعزية والمواساة في رحيل زوجته المغفور لها بإذن الله صافو مجيد حسن، شقيقة المرحوم الكاتب والسياسي توفيق عبدالمجيد حسن ، بعد رحلة طويلة من المعاناة مع المرض.

لقد تلقينا هذا النبأ…