عين ديوار بين الذاكرة والتوثيق: كتاب مهم للباحث عمر إسماعيل

إبراهيم اليوسف

صدر حديثاً عن دار النخبة للنشر والتوزيع في القاهرة كتاب جديد بعنوان” عين ديوار تاريخياً وجغرافياً” للباحث والكاتب عمر إسماعيل، في طبعة أنيقة جاءت في نحو 458 صفحة من القطع المتوسط، متضمناً دراسة موسعة وشاملة عن واحدة من أهم القرى الكردية الواقعة في أقصى شمال شرقي سوريا.

وقد قدّم للكتاب الكاتب والباحث خورشيد شوزي، الذي رأى في هذا العمل جهداً معرفياً وتوثيقياً يسهم في إنقاذ الذاكرة المحلية من النسيان، ويعيد الاعتبار للمكان باعتباره فضاءً حياً يحمل تاريخاً وثقافةً وهويةً وتجارب إنسانية متراكمة عبر عقود طويلة.

ويتوزع الكتاب على تسعة فصول رئيسية تغطي مختلف جوانب الحياة في منطقة عين ديوار، بدءاً من أصل التسمية والموقع الجغرافي والحدود والسكان والعلاقات التاريخية للمنطقة، مروراً بالطبيعة الجغرافية والزراعة والنباتات والحياة البرية، وصولاً إلى المعالم الأثرية والينابيع والكهوف والعادات والتقاليد والأعراس والرقصات الشعبية والألعاب التراثية والشخصيات المؤثرة ودور المرأة والأمثال الشعبية والطرائف المتداولة في المجتمع المحلي.

ويكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة كونه لا يقتصر على تقديم معلومات جغرافية أو تاريخية مجردة، بل يقدم توثيقاً واسعاً للذاكرة الشفاهية والتفاصيل الاجتماعية والثقافية التي شكلت حياة سكان المنطقة عبر أجيال متعاقبة. وقد اعتمد المؤلف على المقابلات الميدانية والروايات الشفوية والمعاينة المباشرة للمكان، إلى جانب ما توفر بين يديه من وثائق وسجلات محلية، في محاولة لبناء سجل معرفي يحفظ ذاكرة القرية للأجيال القادمة.

ويتضمن الكتاب تسعة فصول رئيسية تناولت: تسمية” عين ديوار” وأصلها وموقعها الجغرافي وحدودها وسكانها، ثم الطبيعة الجغرافية والمحاصيل الزراعية والنباتات وواقع الأخطار الطبيعية، إضافة إلى المعالم الأثرية والينابيع والكهوف والحياة البرية. كما خصص المؤلف فصولاً للمهن التراثية ومصادر الرزق، والعادات والتقاليد والأعراس والرقصات الشعبية، والألعاب والنزهات والعلاقات الاجتماعية، والشخصيات التي تركت أثرها في تاريخ القرية، ودور المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن توثيق الأكلات الشعبية والأمثال المتداولة والطرائف والحكايات التي شكلت جزءاً من الذاكرة الجمعية لأهالي عين ديوار.

ويكشف الكتاب عن جهد توثيقي وبحثي استثنائي بذله المؤلف الباحث عمر إسماعيل على مدى سنوات طويلة من العمل الميداني، فإضافة إلى أنه ابن المكان، وتربى فيه، قبل أن يضطر إلى مغادرته، من خلال اعتماده على المقابلات المباشرة مع كبار السن وأبناء المنطقة، جامعاً الروايات الشفاهية والوثائق المحلية، متنقلاً بين البيوت والحقول والأودية ومواقع الذاكرة الشعبية من أجل تدوين تفاصيل كادت أن تضيع بفعل الزمن والهجرة والتحولات الاجتماعية. ويؤكد المؤلف/ الباحث في مقدمته أن مشروعه لا يقتصر على توثيق قرية بعينها، بل يهدف إلى حفظ جانب مهم من الذاكرة الاجتماعية والثقافية الكردية في منطقة الجزيرة السورية.

وتبرز قيمة الكتاب في أنه يقدم صورة متكاملة عن المكان والإنسان والتاريخ والجغرافيا والعمران والبيئة والثقافة الشعبية، ما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الجزيرة السورية وقراها الكردية، ووثيقة معرفية تسهم في مواجهة النسيان واستعادة الحقائق التاريخية والاجتماعية لمنطقة طالها التهميش والتشويه في كثير من السرديات المتداولة.

وتنبع أهمية هذا الإصدار من كونه يسلط الضوء على منطقة تعرضت، شأنها شأن مناطق كردية عديدة، إلى التهميش والتغييب وتشويه السرديات التاريخية المرتبطة بها، إذ يسعى المؤلف إلى إعادة وصل المكان بجذوره التاريخية والثقافية، وتوثيق عناصر الهوية المحلية من خلال الحياة اليومية واللغة، والعادات والبيئة الاجتماعية والجغرافية. كما يقدم الكتاب مادة غنية للباحثين والمهتمين بالدراسات التاريخية والاجتماعية والأنثروبولوجية المتعلقة بالجزيرة السورية والمجتمع الكردي في المنطقة.

تتجلى إحدى أهم ميزات الكتاب في تناوله الخصوصية الكردية لعين ديوار بوصفها جزءاً من فضاء كردي أوسع، دون أن يقع في التعميم أو إلغاء الفوارق المحلية. فالكتاب يُظهر كيف حافظت القرية على عناصرها الثقافية والاجتماعية واللغوية الخاصة، من خلال أسماء الأماكن والعائلات والعادات وأنماط العمل والعلاقات الاجتماعية، في منطقة شهدت تحولات سياسية وإدارية متلاحقة. كما يقدم صورة عن جوانب من الحياة الكردية الريفية التي يمكن للقارئ أن يجد ما يشبهها في أجزاء كردستان الأخرى، سواء في العراق أو تركيا أو إيران، مع بقاء الخصوصية المحلية لكل منطقة قائمة بحكم اختلاف الظروف التاريخية والجغرافية والسياسية. ومن هذه الزاوية لا تبدو عين ديوار مجرد قرية معزولة، بل نموذجاً مصغراً يساعد على فهم جانب من التجربة الكردية العامة، ويمنح الباحث فرصة لمقاربة عناصر الاستمرار والتشابه والاختلاف داخل المجتمع الكردي عبر أجزائه المختلفة.

ويعد كتاب “عين ديوار تاريخياً وجغرافياً” إضافة نوعية للمكتبة الكردية والكردستانية والسورية، ووثيقة مرجعية مهمة تسهم في حفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق تاريخ منطقة لعبت دوراً بارزاً في المشهد الاجتماعي والثقافي لجزء مهم من المنطقة الكردية، ضمن خريطة سوريا اليوم.

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ا. د. قاسم المندلاوي
الفنان الراحل “عدنان دل برين”

الفنان الراحل “عدنان دل برين”، واسمه الحقيقي “عدنان موسى”، أطلق على نفسه لقب “دل برين” بعد وفاة والدته، إذ ذهب إلى قبرها وبكى طويلا متأثرا بفقدانها، ومنذ تلك اللحظة سمى نفسه بهذا الاسم، الذي يعني “صاحب القلب المجروح”. وهو موسيقي ومغن وملحن عفريني، اشتهر في غرب كوردستان.

<p...

أصدرت منشورات رامينا في لندن كتاب «درب الهجّار.. حلم على هامش القانون» للكاتب والباحث القانونيّ السوريّ الكرديّ جيان بدرخان، في عمل سيريّ جديد يضيف صوتاً لافتاً إلى أدب الهجرة العربيّ والكرديّ، ويقدّم شهادة ممتدة على رحلة إنسان عبر الحدود والثقافات والتحولات الاجتماعية، انطلاقاً من سوريا وصولاً إلى ألمانيا، حيث تتشابك التجربة الشخصية مع أسئلة الهوية…

مروة بربم

قُبَيل العصر, وقبل أن يستنفد النهار رصيد ساعاته القليلة الباقية، اعتراني قلقٌ ثقيلٌ رهيب.

لم أجزع من زيارته المباغتة، فهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، كما أنني لم أُبدِ استيائي من طريقته البوليسية في اقتحام الروح دون إخطار.

استقبلته بفتور وبلادة الجليد، هو لا يعرف أنَّ الماء ينهزم، إذا دفعته الظروف نحو قِفار المتجمد الجنوبي، فيقضي…

صبحي دقوري

المعرفة، في أصلها العميق، ليست عِدّةً باردةً للعقل، ولا مفاتيح معلّقةً على خاصرة الكلام، ولا حصيلةً من الأسماء والتواريخ والمصطلحات. إنّها، حين تبلغ صفاءها الأقصى، تصير عِشقاً. وما لا يُعشَق لا يُعرَف حقاً؛ لأنّ المعرفة التي لا تمسّ القلب تبقى واقفةً على عتبة الشيء، تدور حوله كما يدور الغريب حول بيتٍ لا يملك مفتاحه.

زاني،…