حين يكتب المنفى وجوهه… هيثم حسين يصدر سيرته الجديدة

أصدرت منشورات رامينا كتاب «وجوه المنفى… دروب الوطن» للكاتب السوري الكردي هيثم حسين، وهو عمل سيري جديد يتابع فيه الكاتب رحلته الإنسانية والفكرية منذ مغادرته سوريا واستقراره في بريطانيا، متتبعاً أثر المنفى في الوعي واللغة والهوية، عبر سلسلة من الحكايات والتأملات والوجوه التي رافقت تلك الرحلة وأسهمت في تشكيلها.

يأتي الكتاب امتداداً لمشروع الكاتب في كتابة السيرة الذاتية، مع انشغال واضح بتجربة الهجرة وما تفتحه من أسئلة تتعلق بالانتماء، والاندماج، والذاكرة، والعلاقة بالمكان الجديد. وتتقاطع في صفحاته التجربة الشخصية مع التأمّل الثقافيّ، فتتحول الوقائع اليومية إلى مدخل لقراءة أوسع للتحولات التي يعيشها الإنسان حين ينتقل من مكان إلى آخر، وحين يعيد بناء حياته وسط مجتمع مختلف، محافظاً على صلته بجذوره، ومنفتحاً في الوقت نفسه على آفاق جديدة.

ويفتتح هيثم حسين كتابه بنص يحمل عنوان «بداية التحول البطيء»، يضع فيه القارئ أمام الأسئلة التي رافقت تجربته في بريطانيا، منذ لحظة الوصول وحتى الحصول على الجنسية البريطانية، مستعيداً ما رافق تلك السنوات من تبدلات نفسية وثقافية واجتماعية، ومن لقاءات إنسانية تركت أثراً عميقاً في نظرته إلى المنفى والوطن والهوية. ويؤكد الكاتب أن المنفى لا يقتصر على الانتقال الجغرافي، وإنما يغدو تجربة تعيد تشكيل الإنسان عبر الأشخاص الذين يلتقيهم، والعلاقات التي يبنيها، والتحولات التي يعيشها في تفاصيل حياته اليومية.

ولا يكتفي الكتاب بسرد الوقائع، وإنما ينفتح على تأملات فكرية واسعة حول معنى الهوية في المجتمعات المفتوحة، وإمكان الجمع بين أكثر من انتماء، والفرق بين الانتماء القانوني والانتماء الوجداني، كما يتوقف عند أثر اللغة في إعادة تشكيل الذات، والدور الذي تؤديه الكتابة في مواجهة العزلة، واستعادة التوازن، وإعادة ترتيب الذاكرة بعد سنوات طويلة من الاقتلاع والتنقل.

ويضم الكتاب مجموعة من الفصول التي تتناول شخصيات لعبت أدواراً محورية في رحلة الكاتب داخل المجتمع البريطاني، من معلمين وأكاديميين وكتّاب وأصدقاء وجيران، إضافة إلى مسؤولين وشخصيات عامة، لتتحول هذه الوجوه إلى مفاتيح لقراءة المجتمع الجديد، وإلى مرايا تعكس طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والمكان حين تقوم على الاحترام والثقة والتفاعل الإنساني. كما ينتقل الكتاب بين مدن وتجارب متعددة، تتجاور فيها الذاكرة مع الحاضر، ويتداخل فيها الخاص مع العام، ضمن بناء سيريّ يمنح الإنسان موقعه في قلب الحكاية.

و«وجوه المنفى… دروب الوطن» هو الكتاب الرابع في مشروع هيثم حسين لكتابة السيرة، الذي انشغل به على امتداد عشرة أعوام، بعد «قد لا يبقى أحد»، و«العنصري في غربته»، و«هكذا عشت الجحيم». ويواصل هذا العمل استكشاف التحولات التي صنعت تجربته الشخصية والإنسانية، متقدماً من استعادة المحطات الفردية إلى تأمل أسئلة المنفى والهوية والانتماء والعلاقة بالمكان. كما يعزز حضوره ضمن المشروع الأدبي للكاتب، الذي يكرس جانباً مهماً من اهتمامه لقضايا المنفى والذاكرة وتحولات الإنسان، جامعاً بين السرد والتأمل، وبين الحكاية الشخصية والأسئلة الإنسانية التي تتجاوز حدود التجربة الفردية، لتصل إلى قراء أدب الهجرة والسير الذاتية والتحولات الثقافية في المجتمعات المعاصرة.

ويتوقف المؤلف عند محطات مفصلية عاشها خلال سنوات اللجوء والإقامة ثم المواطنة، مستعيداً ما رافق تلك المراحل من تحولات قانونية ونفسية، ومن مراجعات متواصلة لمفهوم الوطن، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن الكتابة باعتبارها ممارسة تمنح الإنسان القدرة على إعادة ترتيب الفوضى الداخلية، وصوغ معنى جديد للحياة، مع استمرار حضور الذاكرة بكل ما تحمله من أسئلة وتجارب.

ويحمل الكتاب في بنيته رؤية تنظر إلى المنفى باعتباره تجربة إنسانية متعددة الوجوه، تتجاور فيها الخسارات مع الاكتشافات، وتتقاطع فيها الذاكرة مع المستقبل، بينما تتشكل العلاقة بالوطن عبر مسارات متواصلة من العيش والتفاعل والكتابة، لتغدو السيرة مساحة لاستعادة الإنسان نفسه، وتأمل العالم من زوايا جديدة، عبر لغة تجمع بين السرد الهادئ والبعد الفكري والعمق الإنساني.

يشار إلى أنّ لوحة الغلاف هي للفنّان التشكيليّ الكرديّ السوريّ خضر عبد الكريم، والكتاب يقع في ١٩٦ صفحة من القطع الوسط.

تعريف بالكاتب:

هيثم حسين: روائيّ كرديّ سوريّ، من مواليد عامودا 1978م، مقيم في لندن، عضو جمعية المؤلفين في بريطانيا، مؤسّس ومدير موقع الرواية نت. وصلت مجموعته القصصية ” حين يمشي الجبل” إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة في الكويت، شارك في مهرجانات أدبيّة دولية، وترجمت أعماله إلى الإنكليزيّة والفرنسيّة والتشيكيّة والكرديّة والفارسيّة..

من أعماله في الرواية والسيرة والقصة والنقد: “آرام سليل الأوجاع المكابرة”، “رهائن الخطيئة”، “إبرة الرعب”، “عشبة ضارّة في الفردوس”، “قد لا يبقى أحد”، “العنصريّ في غربته”، “كريستال أفريقي”، “هكذا عشت الجحيم”، “حين يمشي الجبل”، “الرواية بين التلغيم والتلغيز”، “الرواية والحياة”، “الروائيّ يقرع طبول الحرب”، “الشخصيّة الروائيّة.. مسبار الكشف والانطلاق”، “لماذا يجب أن تكون روائياً؟!”.

الموقع الشخصيّ للكاتب:

Haithamhussein.uk

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

هوشنك_أوسي
على متن الطائرة التي أقلَّتني من إسطنبول إلى الإسكندرية،
وقفت مضيفةُ الطيران في الممر،
بجانب مقعدي.
بدأت تُمثِّل بحركات جسدها تعليماتَ السلامة:
هكذا تربطون أحزمةَ الأمان مع الحبيب،
وهكذا تفكونها.
إذا تعبت الحبيبة،
فالقبلاتُ على الشفاه هي أقنعةُ أكسجين،
تُقنع القلوب، وتقتنع بها الأجساد.<br class="html-br"...

سعيد يوسف

 

“أي إنسان غاب عن المكان، وأيّة روح حجبها عني الزمان”

 

في كلّ يوم وفي الساعة السابعة تقريبًا مساء ً كنت آتي إلى هذا المكان أعني “الوجيبة الخلفية من بيتنا الكبير”. كنت تسبق الجميع إليه، إمّا أن يكون إبريق الشاي أمامك أو بعد مدّة من الجلوس تقوم، وبكلّ أريحية لإعداده بنفسك وحسب ذوقك كونه المشروب المفضّل…

مسعود محمد

 

حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا يكتب عن شاعر كردي كبير فحسب، ولا ينجز كتاباً توثيقياً عادياً يضاف إلى رفوف المكتبة الكردية والعربية، بل يفتح بوابة وفاء واسعة أمام واحد من أكثر الأسماء رسوخاً في الوجدان الكردي الحديث. فالكتاب هنا ليس مجرد صفحات عن شاعر، بل شهادة على زمن، وعلى جرح،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن…